حنين العودة.. ياريت نعود للدار سراع

بقلم: فريق اول ركن يحى محمد خير 

قصة أغنية.. وقصة وطن لا يغيب

رصد ومتابعة: يحي محمد خير

في لحظاتٍ نادرة، تتحول الأغنية من مجرد لحنٍ جميل إلى وثيقة وطن، ومن كلمات حب إلى مرآة تعكس شعباً بأكمله.. وهكذا كانت أغنية (حنيني إليك)… ليست فقط عملاً فنياً خالداً، بل سيرة كاملة عن الغربة، والحنين، والوجع السوداني الممتد عبر الزمن.

في مقابلة تلفزيونية مؤثرة مع الإعلامي الطاهر حسن التوم على قناة السودانية 24، فتح المبدع الشامل السر قدور نافذة على قصة هذه الأغنية التي أصبحت لاحقاً واحدة من أعذب وأصدق ما غناه السودانيون في رحلة الحنين.. قال السر قدور وهو يستعيد تفاصيل تلك اللحظة: “كانت حبات المطر تتناثر على رأسي.. فتذكرت الوطن.. ربما المطر هو الذي ذكرني بالوطن، فكتبت حنيني إليك… بل لم أكتبها فقط، وإنما غنيتها قبل أن يلحنها الأستاذ العاقب محمد حسن، وقبل أن يؤديها الفنان الكبير محمد ميرغني، ثم يرددها لاحقاً بأسلوب رائع نادر خضر.”. قد تبدو القصة بسيطة في ظاهرها: مطر، ذكرى، وطن، أغنية… لكن في عمقها تكمن حقيقة كبيرة: أن الوطن لا يحتاج إلى حدثٍ عظيم ليحضر في القلب، بل يكفيه مطرٌ عابر أو نسمة أو رائحة أو موقف صغير ليوقظ ذاكرة كاملة.. والأجمل أن الأغنية لم تكن مجرد حنين شخصي، بل تحولت إلى لغة مشتركة بين السودانيين أينما كانوا، تحمل معنى الغربة والبعد والانتظار.

اليوم، وبعد أن تغيرت الظروف، تبدو كلمات الأغنية كأنها كُتبت للواقع الحالي، وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة موجعة.. فها هم السودانيون يجلسون في قهاوي مصر… المكان هو ذات المكان، لكن الزمان ليس هو الزمان.. ومع ذلك فإن الإحساس واحد: الدمعة ذاتها، الشجن ذاته، والحنين ذاته… بل ربما أشد.. إنها غربة تتجدد، وذاكرة لا تهدأ، ووجع وطنٍ يظل ساكناً في القلوب مهما ابتعدت الأجساد. وحين تردد الأغنية كلماتها الخالدة، يشعر المستمع أنها ليست أغنية حب فقط، بل رسالة وطن، واعتراف إنساني صادق:

حنيني إليك وليل الغربة أضناني..

وطيف ذكراك بدمع القلب بكاني..

وأقول يا ريت زماني الفات..

يعود تاني يعود تاني..

القاك ياحبيب عمري وتلقاني..

وتلقي الريد معايا..

لحظة مانسيتك و لانساني..

لابنساك ولابقدر و لا عارف

بعد حبك بعد ريدك احب تاني..

حنيني اليك وليل الغربة اضناني..

وطيف ذكراك بدمع القلب بكاني..

اهرب من خيال طيفك في عينية بلاقيهُّ

اعيش ايامي بالذكري..

الم وافراح بعيش بيهُّ

بتين الليل اليل يصافيني..

ونعود تاني من تاني..

القاك يا وحيد عمري وتلقاني..

وتلقي الريد معايا..

لحظة مانسيتك و لانساني..

لابنساك ولابقدر و لا عارف

بعد حبك بعد ريدك احب تاني..

حنيني اليك..

هي كلمات تحمل دموع الملايين…

من غادروا مضطرين، ومن ينتظرون العودة، ومن يحلمون بوطنٍ أجمل، ومن يؤمنون أن السودان سيعود كما كان: دافئاً، آمناً، عظيماً في أهله وطيبته.. الأغنيات العظيمة لا تموت لأنها لا ترتبط بزمن محدد، بل تسكن الوجدان، وتولد من جديد كلما مر الناس بذات التجربة. وهكذا بقيت (حنيني إليك) حية، تتجدد في القلوب مع كل موجة اغتراب، ومع كل سوداني يبحث عن ذاته بين المدن والحدود.. ومن رحم هذا الحنين تحديداً، تبرز حقيقة أخرى: أن الحنين لا يكتمل إلا بوعد العودة… وأن الغربة مهما طالت لا تستطيع أن تقتلع جذور الإنسان من تراب وطنه. لذلك كانت العودة للوطن هي الخاتمة الطبيعية لكل هذا الوجع، وكان لا بد للحنين أن يتخذ شكلاً آخر أكثر وضوحاً: شكل السلام على الأرض والناس والذكريات.

امتداداً لأغنية حنيني إليك، أرسل الفنان صلاح بن البادية رائعته (ألفين سلام)، وكأنها ردٌ على الغربة وتتمة للحنين، لم يترك فيها شيئاً إلا وقاله.. والمثير أن من صاغ كلماتها كأنه يعيش بيننا اليوم، حتى المجاهدين ذكرهم، وحتى الحصاد والقمح والفرح الشعبي والعرس السوداني رسمه لوحة كاملة.. إنها أغنية لا تخاطب فرداً بعينه، بل تخاطب الوطن نفسه، وتقول بصدق إن السودان لا يُنسى، وإن العودة ليست خياراً بل قدر.

ألفين سلام – الشوق والوطن

يا جنا يا جنا في بعادنا عن أرض الحنان

الليلة مرت كم سنة

يا ريت نعود للدار سراع

نرتاح تحت شتل الهنا

وأشوقنا لي نخل الفريق الضامي

في صدرو الجنا

للحلوة أم وجها قمر

ضواي مورد بالهنا الليلة

زارتنا الرؤى المنسوجة

من عمق الجذور

رسمت صور ضوت جمال

جوى الخيال.. جوة الخيال

عاشت دهور أفراح فريق

ويوم الحصاد

وجريف يضم كل البذور

ذغرودة وصلت للسحاب

وعريس معطر بالعطور

وطريق فتح درب الجهاد

وشهيد ملفح بالزهور

وشباب يعز ديمة الأرض

حامل مبادئ نضال ونور

يا جنا..

يا جنا في مرة طاف بينا الخيال

بعد الغياب الطال

جرح شفنا البخور في الريح عبق

والليل شرب عطر الطلح

وحدا الطريق قام الخدار

حاضن صفيقات القمح

والغيم ربط فوق للفريق

شافو الشتل شابي وفرح

والقمرة نامت في الرمال

والطين شرب نديان صبح

والوادي فرهد بالخريف

يا شتلن سمح..

ألفين سلام ليك يا يمة

يا شتل المحنة الشبة

في وسط الجروف

ألفين سلام ليك يا يابة

يا الدرع المتين

الليهو كم خضعت سيوف

ألفين سلام ليك يا سمحة

شمس الفريق

إليها كم غنت حروف في النهاية…

قد يكون السر قدور كتب (حنيني إليك) وهو تحت المطر، لكنه في الحقيقة كتبها تحت مطر الوجع وتحت غيمة الوطن. وجاءت (ألفين سلام) لتكمل الحكاية، ولتقول إن الحنين ليس مجرد دمعة، بل طريق طويل ينتهي بالعودة.. فهي ليست أغنيات فحسب… إنها قصة وطن ووطنٌ لا يُنسى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى