عثمان الشيخ الأُسيد يكتب: أزمتنا أزمة هوية

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء
من تقول له إنك بلا هوية، كأنما أخبرته بأنه ابنٌ غيرُ شرعي. خبرً مثل هذا يقع على الإنسان وقع الصاعقة إنها حقيقةٌ صادمة.
الحديثُ عن الهوية يتطلب منك أن تتجاوزَ العواطف، وتخاطب العقول. مخاطبةُ العواطف سهلةٌ، فهي ليست كمخاطبة العقول، لأنَّ مخاطبةَ العقول تهزُ أركانًا وتحرك ثوابتَ وتقدحُ في معتقداتٍ يظنُّ البعضُ أنها مقدسة، الكلامُ فيها ممنوع، ومن يقترب مفقودٌ مفقودٌ مفقود. لكن لا بدَّ من تبيين الحقِّ، مهما كلف الامرُ. لا شك أن التطرقَ لمثل هذه المواضيع يحتاج إلى شجاعةٍ و قناعة، شجاعةٌ في طرح الموضوع، وقناعةٌ بانك ستجد ردودَ أفعالٍ عنيفة وقد تخلق عداءات، لأن كل من له مبدأ له أعداء. محمد بن عبدالله- قبل الرسالة- كان هو الصادقُ الأمين، وبعد البَعثة اصبحَ الكاذبَ الساحرَ الكاهن. هكذا هم البشر أعداءٌ لما يجهلون.
يقول علماءُ الاجتماع إنَّ نصفَ قناعاتنا كاذبة. قناعةُ الأغلبية بأن السودانَ اسمٌ لوطن، هذا من أكبر القناعات الكاذبة، فالسودان- هذا الاسم- ليس من المفروض أن يكونَ هويةً لمخلوق، فكل المخلوقات- العاقلة وغير العاقلة- لا تنتمي إلى الوانِها، فهي لها هوياتها. لا يوجد مخلوقٌ يقبل أن تكونَ هويتُه لونَه، حتى الحيوانات تنتمي إلى مناطقها وبلدانها، فالدب قطبي، النمر آسيوي، الكنغر استرالي والخروف سواكني والصمغ عربي و المحيط هندي، حتى الممر العالمي له هويته الخاصة، مضيق هرمز (نسبةً إلى جزيرة ومملكة هرمز التاريخية القديمة) لا يوجد- غيرُنا نحن والفول السوداني- من ينتسب لسلالة السودان، الفول السوداني أسمه الأصلي (فستق العبيد) وسُميَ بالفولِ السوداني، لأنه كان يأتي من بلاد السودان المختلفة، وخاصة من سودان السنغال، ونحن- كدولة- يأتي ترتيبُنا في المرتبة الخامسة من بين الدول في إنتاج الفول السوداني، بعد الصين والهند، ونيجريا والولايات المتحدة الأمريكية. السودان اسم لسلالة يقال إنَّ 15% من سكان الأرض سودان، بهذا نكون نحن قليلٌ من كثير، منتهى الأنانية، أن تأخذ حق الناس، وأن لا تقبل ان يأخذَ الناسُ حقك وهذا ما فعلناه نحن، أخذنا اسمَ كلِّ سلالة السودان ولا نقبل عندما يقول أحدُهم إنه من السودان، علمًا بانهم سودان اكثر منَّا، لأنهم سودان خُلَّص.
اسمُ السودان، عرضه المستعمرُ على كثير من دول السودان، فرفضوه وحمله الزول إنه كان ظلومًا جهولا. البعض يتعمد القول بانني اتحدث عن اللون، ليس لشيءٍ إلا لأنه يريد أن يجرني إلى هذا الاتجاه جرّا، هذا أحمق وأنا لا أُناقش الحمقى، إيَّاك أن تناقش الأحمق لأن الناس سوف لا يفرقون بينك وبينه. نحن سودان، وهذا هو لونُنا ولو استيقظت من النوم ووجدت أنني من البيضان أو من الصفران و ليس من السودان، لاشك سيُصيبني شيءٌ من الجنون.
لم أجد على وجه الأرض، في مشارقها ومغاربها دولة هويتُها لونُها، هل منكم من سمع بدولة البيضان او دولة الصفران، او دولة السمران؟ كيف لابنِ الحضارات يقبل أن تكونَ هويتُه مجردَ لون؟ سيارتي مازدا سي اكس ناين موديل 2011 لونها رصاصي، لوسألتني ما سيارتك؟ ايعقل ان أقول لك انها رصاصي؟ ستقول لي: انا لم اسألك عن لونِها سالتك عن مواصفاتها. هذا ما يحدث عندما يسألونك عن هويتك، فتقول إنك من السودان، إن من سألك ليس مصابًا بعمى الألوان، هو يرى بعينيه انك من السودان، وليس من البيضان ولا الصفران، وكذلك السنغالي من السودان وليس من البيضان، اليوغندي من السودان وليس من الصفران، الكيني من السودان وليس من السمران، ولكن كل منهم ينتسب إلى هويته الوطنية إلا نحن، وبالرغم من أنهم سودان خلص، ليسوا مثلنا خليطًا مع العرب والنوبة، ولكن لم نسمعهم يتغنون يومًا للسودان كما نغني له نحن (انا سوداني انا)
حديث مثل هذا يرفضه كثيرٌ من الناس، ويخلقون المبررات وما اسهل التبرير، ويتفنون في معنى السودان، منهم من يقول إنَّ كلمةَ السودان بالنوبية تعنى كذا ومنهم من يقول إنّ سودان جاءت من سود يعني الجنوب بالفرنسية. التبريرُ عدوُ التغيير. يريد البعضُ ان يجد لهذا الاسم معانٍ أخرى، هؤلاء هم الذين يتهربون من اللون، إن اسمَ السودان جمع أسود، ولا غضاضة في ذلك، وهذه آية من آيات الله، وليس عيبًا أن يكونَ لونُك أسودًا او ابيض، لكن العيب أن تكونَ هويتُك لونَك.
أمةٌ عريقة، أمةُ الحضارات من شمالها إلى جنوبها، من شرقها إلى غربها، كلها ممالك، مملكة كوش مملكة مروي مملكة سنار. ممالك البجا، إنسان سنجة، مملكة الزغاوة، مملكة الفور السلطنة الزرقاء، وغيرها، كل هذه الحضارات تم طمسُها بلونٍ، مجرد لون. من الذي اطلق علينا اسم السودان، ولماذا قبلنا نحن بهذا الاستخفاف؟ يقول البعض: (نحن في ماذا وانت تتحدث عن ماذا؟) هؤلاء لا يعلمون أن أُسِّ مشاكلِنا سببها الهوية. هذه الحرب الدائرة حاليًا، سببها الهوية، فهؤلاء السودان القادمون من دول سودان الجوار، ويقاتلون في أرض السودان (الدولة) ويطالبون بحقهم في السلطة والثروة لماذا يفعلون ذلك، وبأي حق؟ ولماذا دولة السودان بالذات دون غيرها من دول السودان الأخرى؟ الإجابة ببساطة: لأن قوانين اللهِ في الكون تقول لهم إنَّ ارضَ السودان (الدولة) هي لكم، فأنتم سودانٌ، وهذه ارضُ السودان، ومن حق أي إنسان من سودان الأرض أن يكونَ له فيها نصيبٌ من الثروة والسلطة، وهذا القانون الكوني نراه على أرض الواقع حاليا، أما لماذا دولة السودان بالذات من دون دول السودان؟ الإجابة، لأن تلك الدول لها اسم يحميها وتحتمي به،
الاسم مهم وضروري ليتعامل به معك الكون، وإلا لماذا علَّم اللهُ تعالى آدمَ الأسماءَ كلها؟ بالطبع ليتعاملَ مع الأشياء مع هويتها. الأمرُ ليس فوضى، إنه نظامٌ الهي دقيق، الآية الكريمة “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” [القمر: 49] هذه الاية من أبرز الآيات التي تثبت وجود قوانين وسنن إلهية دقيقة تحكم الكون، حيث تعني أن كلَ شيءٍ في الوجود تم خلقه بتقدير، هندسة، نظام، ومقادير محددة لا تتخلف، مما يدل على القصدِ والحكمةِ في الخلق إنتهى التفسير.
لا تستهن بالهوية، فالأمر ليس فوضى، أن نكون مجهولين وبلا هوية هذا يعنى أننا لم نفعّل قوانين الكون وعدم تفعيل هذه القوانين يخرجنا عن مدار التناغم الكوني، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40] وعندما تدور خارج الفك، تفقد الطاقة وتفقد السيطرة وتصعب حياتك، ثم تسأل ما السبب؟ ولديك كل عوامل النجاح؟ ثم ترمي اللومَ على الحكام. نعم انا معك، إرمِ اللومَ على الحكام، لأنهم لم يفطنوا لمشكلة الهوية، لم يفهموا أنَّ هذه المشاكل غيرَ التقليدية، يجب أن يجدوا لها حلولًا غير تقليدية. وأتساءل: هل لم تلد حواء دولتنا قائدًا يفكر خارج الصندوق؟
حتى الآن الكون لا يعرفنا ككيان له هويته، ولكنه يتعامل معنا كسلالة ( السودان) وليس كوطن، لذلك لا تتعجب إن رأيتَ منتجاتَك من الوقود والذرة والدقيق والزيت في أراضي السودان الأخرى مثل دولة جنوب السودان، وفي دولة تشاد والنيجر والكمرون وارتيريا ، هذا ليس تهريبًا، لكن هذه المواد تذهب للسودان بموجب قوانين الكون إلى سلالة السودان أينما وجدوا.
هذا الحديث ليس تنظيرًا ولا من بنات أفكاري، هذه هي قوانين الكون التي خلقها الله. أما الدليل من السنة في تخيُّر الأسماء، فهو هدي نبوي: كان الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- يغير الأسماء القبيحة، بأسماء جميلة، نعم إن اسم السودان كهوية شيءٌ قبيح لأن التعريفَ باللون شيءٌ منبوذ شرعًا وعرفا، لأنه يحمل مدلولًا عنصريًا بغيضا، سواءً كان سودان أو بيضان أو صفران. الرسولُ- عليه الصلاة والسلام- قام بتغيير أسماءِ اشخاصٍ وأسماء مناطق واسماء مدن، لماذا؟ لأنه وحيٌ يوحى.
تقول كتبُ التراث العربي والإسلامي إنَّ سادات السودان أربعة، هم (لقمان والنجاشي، وبلال ومهجع) ومهجع هو مولى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو اول شهيدٍ في غزوة بدر، و لقمان من سودان مصر، والنجاشي وبلال من سودان الحبشة، ومهجع من سودان اليمن فمن أي سودانٍ انت يازول؟
الحديث عن الهوية ليس من باب الترف الفكري ولكنه امر وضروري، تفهمه الدول التي فيها مفكرين يعرفون الاسمَ واثرَه على المسمى، يعرفون أنّ الهويةَ حقٌ يجب احترامُه والمحافظة عليه.
بيان هام فاستمعوا له: وجهت وزارةُ التجارة السعودية باعتماد مسمى “القهوة السعودية” بدلاً من “القهوة العربية” في كافة المطاعم، المقاهي، والمحامص بالمملكة. يأتي هذا القرار لتعزيز الهوية الوطنية وإبراز القهوة كمنتج ثقافي سعودي أصيل، خاصة بعد تسمية عام 2022 بـ “عام القهوة السعودية”، ويعد عدم الالتزام بهذا التوجيه مخالفة.. انتهى البيان. هذا القرار يرى بعض من امة الأمجاد والماضي العريق إنه قرارٌ ثانوي، ولكنهم لا يعلمون أنه قرارٌ عظيمٌ في معناه، انه إعاد ثراث إلى هويته (هذه القهوة لنا) وهذه هي النقطة الفارقة.
الفرق واضح بين امة تهتم بان يكونَ لمشروبها هوية وبين أمةٍ يرفضُ معظمُ أبنائها أن تكونَ لهم هوية، يقولون ذلك وليس في صدورهم أدنى حرج، بل نجد الاعتراضَ والاحتجاجَ، والافتخار، بماذا، لا أدري. ليس هناك أيُّ حجةٍ أو منطق غيرَ أنَّ هذا ما وجدنا عليه آباءَنا إنه التمسك(التمسك والجمود توأمان) نحن أمةٌ عظيمة، تستحق ان تكون لها هوية ذات مغزىً ومعنى، لنلحقَ بمنظومة الكون، وكفانا تخلُّف.
والله أعلى واعلم..
14 أبريل 2026م



