الشهادة السودانية.. “السقوط” في امتحان الإدارة والدبلوماسية

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
تحت عنوان “العاجل” و”المهم للغاية”، قرأنا الإعلان الصادر عن القنصلية السودانية في دبي والإمارات الشمالية بخصوص تعذر تمكين الطلاب والطالبات الممتحنين للشهادة السودانية للعام 2025م بمراكز دولة الإمارات في التوقيت المحدد من قبل وزارة التربية والتعليم السودانية بتاريخ 13 أبريل، وعزت القنصلية العامة هذا القرار امتثالًا لما هو معلن في دولة الإمارات بتقييد الدراسة حضوريًا بجميع المدارس والجامعات حتى تاريخ 17 أبريل.
وأنا أقرأ في هذا الإعلان الصادم لعدد 1200 طالب وطالبة كانوا من المفترض أن يجلسوا للامتحان، وتقف معهم أسرهم على أطراف أصابعها، والكارثة تهيئ لأبنائهم وبناتهم الحد الأدنى من الظروف التي تحفظ مستقبلهم، قفزت إلى ذهني مصيبة الـ200 عامل الذين ذكرهم شاعرنا محمد الحسن سالم حميد في “تلغرافاته إلى ست الدار بت أحمد جابر” قائلًا:
“جانا مدير المصنع فاير
وشو حمار العمدة العاير
نف وقال المصنع فيهو خسائر
وقال يخفضوا ميتين عامل
ميتين عامل في فد مرة
ميتين عامل؟ ميتين عامل..
يبقوا هوامل؟ يبقوا هوامل..
ما يهموش.. الهم المصنع..
تف قراره وفات في حالو” …
(*) بين التضليل والفشل الإداري ..
الكارثة الحقيقية في إعلان قنصليتنا العامة في دبي هي أنها قالت فيه إن ما حدث تم بعد التشاور والتنسيق التام مع وزارة التربية والتعليم، بل وقد ادعت القنصلية في الفقرة الثانية من الإعلان أنها قد أكملت كافة الاستعدادات الإدارية والفنية لقيام الامتحانات. ولا ندري ما هو تعريف هذه الاستعدادات في كتاب “الإدارة” لدى الوزارة، وفي كتاب “الدبلوماسية” لدى القنصلية العامة، لأن ما حدث لا يمكن توصيفه بغير “الفشل” الذريع في إدارة شؤون الطلاب السودانيين، الشيء الذي نتج عنه الأذى الجسيم لهم ولأسرهم، وأن الطرفين – الوزارة والقنصلية – لم يعطيا الأمر الحد الأدنى من التفكير والاهتمام، ولم يضعا قيمة لحجم الضرر الواقع على الطلاب والطالبات وأسرهم، كما أنهما يضعان في “الجيب” مسألة أنه لا توجد جهة تحاسبهما على هذا “السقوط”، وأنه من العادي جدًا معالجة الموضوع بمجرد إعلان صغير على ورقة A4 قبل ساعات فقط من انطلاق الامتحانات.
ولأن الورقة الوحيدة التي لا تسقط فيها الجهات الحكومية، بل وتحقق فيها الدرجة الكاملة، هي ورقة “تحصيل الرسوم”، فإن القنصلية العامة ومعها الوزارة ظلتا حريصتين على تحصيل “الدراهم” بشهوة الطامعين في نصيب الحافز حتى آخر لحظة سبقت الإعلان، و”الرسوم” هي الواجب الذي لا يتقاعس الموظفون الحكوميون في تحصيله من المواطن بالقوة القهرية والجبرية، سلمًا كانت الأحوال أو في حالة الحرب، ليجيء واقع عدم تمكن الطلاب السودانيين في الإمارات من الجلوس مع رفاقهم لامتحان الشهادة لينسف الادعاء الكذوب بإكمال كافة الاستعدادات الفنية والإدارية.
“التضليل” في الإعلان يتمثل في ما جاء في فقرته الثانية، والتي أرجعت فيه ما حدث للتغيير الطارئ، مع أن قرار تعليق الدراسة حضوريًا في دولة الإمارات بدأ من 2 مارس، وإن الظروف التي فرضته لا تزال قائمة بما يتعارض والتاريخ المعلن لانعقاد الامتحانات. ومنذ ذلك التوقيت كان هنالك وقت كافٍ لاقتراح أكثر من حل للمعالجة، بما فيها إخطار الأسر والطلاب بقصة التأجيل مبكرًا بدلًا من الانتظار حتى قبل ساعات من موعد الامتحان، إمعانًا في الأذى النفسي لهم ولأبنائهم.
الوزارة ذهبت مع أجواء تصوير انعقاد امتحانات الشهادة السودانية بأنه انتصار سياسي يجب أن يتم مهما كانت التكاليف والآثار التي تراها الوزارة “جانبية”، بمثل ما حدث في العام الماضي عندما أُسقط حق الآلاف من الطلاب والطالبات في عدالة الجلوس لامتحانات الشهادة، فقط لأنهم خارج حسابات الدولة والوزارة. وقد يكون من المفهوم جدًا ألا يصل وعي الموظف القنصلي لما يترتب عليه تأجيل الجلوس للامتحان بهذه الطريقة التي حدثت للجالسين من مراكز الإمارات، لأنه ببساطة ليس جزءًا من العملية التعليمية والتربوية، فما هو عذر وزارة التربية ومسؤوليها الذين يعلمون علم اليقين بأن ما حدث له آثار فادحة تصل إلى حد الطعن في عدالة المنافسة وعدالة استخدام الامتحان نفسه كمعيار للمفاضلة عند التنافس على المقاعد المتاحة في التعليم العالي؟
غير أن امتحان الشهادة السودانية، بطريقته العقيمة وغير المتسقة مع التطور الذي حدث في معايير التقييم، يتطلب جاهزية “نفسية” تدفع عليها الأسر “دم قلبها”، وتقطع من جلدها ليدخل فلذات الأكباد في روح معنوية “معركة” امتحان الشهادة بكامل عتادهم الأكاديمي والمعنوي، جردتهم منه الوزارة والقنصلية بجرة قلم كتبت به الإعلان في تاريخ 12 أبريل، والطلاب وأسرهم “كراعهم فوق رقابهم” يقبلون بالواقع الذي فرضه السقوط الإداري والدبلوماسي.
لا أحد في الدولة سيسأل عن من سيتحمل تكاليف الامتحان “البديل” الذي قالت القنصلية والوزارة إنه الحل الذي تفتقت عنه العبقرية الإدارية والدبلوماسية، لأنهما ضامنتان بأن الطلاب وأسرهم مضطرون للقبول بأي شيء يُفرض عليهم، طالما أن “رقبة” مستقبل أبنائهم في يد هذا الإهمال الإداري والدبلوماسي، وأنه على الدوام ظلت حيطة المواطن “المايلة” هي التي يتكئ عليها الفشل الرسمي.
(*) حبال بلا بقر ..
وهذا هو التوصيف الدقيق لعبقرية الحل الذي قدمته مشاورات التنسيق المشترك بين الوزارة والقنصلية، حيث توصلوا إلى إعلان امتحان بديل بتاريخ 11 مايو، وكان لديهم “الضمان” والتأكيد بزوال الأسباب التي فرضت عدم انعقاد الامتحان في 13 أبريل. ولكن لأن الطرفين قد اكتفيا بإنجاز الجانب المهم في الموضوع بتحصيل كامل الرسوم من أسر الطلاب، فليست هناك مشكلة تشغل بال الوزارة والقنصلية، والخزانة الرسمية للوزارة المعلوم عنها خلوها من “الحياء” الذي يمنعها من تكرار المطالبة بتحمل أسر الطلاب لتكلفة هذا التأجيل صاغرين.
قدم التنسيق والمشاورة بين الوزارة والقنصلية حلًا فيه الوعد بقيام الامتحان البديل في التاريخ المحدد، وهو بمثابة “شيك” بدون رصيد لا يضمن الصرف في التاريخ المكتوب في الإعلان، إذ إن قرار السماح بافتتاح المدارس حضوريًا ليس بيد الوزارة ولا القنصلية، بل هو بيد تقديرات الدولة المضيفة. وبالتالي نحن أمام قرار امتحان بديل ليس لديه “كرعين” يقف عليها، وليطمئن أهالي الطلاب بعدم تكرار الكارثة.
(*) جيل لا يتحمل المزيد من “الخيبات”
الطلاب والطالبات الجالسون لامتحان هذا العام، فيهم من تقارب أعمارهم 19 عامًا، وأي تأجيل أو تلاعب أو إهمال في تقويم الامتحانات يهدد مستقبلهم ويضعه على المحك، ويثقل معنوياتهم بخيبات جديدة تضاف إلى الخيبات المتكررة عليهم في السنوات الأخيرة. وهم الآن يدفعون تكاليف الحرب أضعافًا مضاعفة بسبب قلة الاهتمام وسوء التدبير، ويجب على الوزارة ألا تتعامل معهم كأرقام تباهي بها في المؤتمرات والبيانات الصحفية، بل هم جيل يمثل مستقبل البلاد، ولا يعقل أن يُتركوا لمثل هذا الفشل الإداري والدبلوماسي.
وحتى نشعر – مجرد الشعور – بأن ما حدث تم النظر إليه بعين المسؤولية، كان لا بد من فتح “تحقيق رسمي” من وزارة التعليم والتربية الوطنية ووزارة الخارجية يقدم المتقاعسين وقليلي الخبرة الإدارية للمحاسبة، ومراجعة الجانب المالي، إما بإعادة الرسوم المستلمة من الطلاب أو تقديم الضمانات بعدم فرضها مرة أخرى عليهم.
الوزارة والقنصلية ملزمتان بإصدار توضيح رسمي وشفاف أكثر من الذي جاء في الإعلان الأول، يحترم الرأي العام ويحفظ حقوق الطلاب.
ما حدث يمكن تصنيفه بالعبث بمستقبل جيل كامل، واستهتار بحجم المعاناة التي تتحملها الأسر مع أبنائها مع “كابوس” اسمه الشهادة السودانية، ظل هاجسًا يؤرقهم في كل عام بالتأجيل مرة وبأسباب أخرى، والضحية في كل مرة هم الطلاب والطالبات، دون أن يحرك ما يحدث الساكن في إدارة التخطيط في الوزارة للتفكير في معالجة الاختلالات الجوهرية في هذا الأمر المتكرر.



