صمود الإرادة في وجه الحصار: قراءة في الموقف الفكري والاستراتيجي الإيراني

بقلم/ المهندس محمد عبد اللطيف هارون
يبرز الدكتور محمد مرندي كأحد أهم الأصوات الفكرية والأكاديمية التي تتصدر جبهة المواجهة الدبلوماسية والإعلامية بين طهران والغرب؛ فهو ليس مجرد أستاذ للدراسات العالمية في جامعة طهران، بل هو مفكر نشأ في قلب الغرب وامتلك أدواته اللغوية والثقافية، مما مكنه من تفكيك السرديات الغربية ببراعة فائقة. وباعتباره مستشاراً للفريق المفاوض الإيراني ومحارباً سابقاً صقلته تجربة الحرب والدفاع عن السيادة، يمثل مرندي اليوم “اللسان الأكاديمي” الذي لا يكتفي بالدفاع، بل يشن هجوماً فكرياً يكشف ازدواجية المعايير الدولية. ومن خلال طروحاته، نلمس رؤية مفكر يرى أن الصراع الحالي ليس مجرد صدام عسكري، بل هو معركة وجودية ضد “الاستعلاء العرقي” والتضليل الممنهج الذي يسعى لتغييب الحقيقة وشيطنة تطلعات الشعوب في نيل استقلالها الكامل.
تبدأ هذه المواجهة الفكرية من “حرب المصطلحات”؛ حيث يرى المفكرون الإيرانيون أن الإعلام الغربي يمارس عملية تزييف ممنهجة تهدف لتجريد الدولة من حقها في الدفاع عن النفس بتصوير صمودها كـ “نشاط نظام” معزول. إن هذا التضليل الذي يتبناه الإعلام الغربي—كما ظهر في حدة النقاش مع منصات مثل سكاي نيوز وبيرس مورغان—يتجاهل الحشود المليونية التي تلتف حول قيادتها في اللحظات المصيرية، ويحاول استبدال الواقع بفيديوهات مضللة ومجتزأة لإيهام العالم بوجود تصدع داخلي. الحقيقة من وجهة نظر طهران هي أن الغرب يعيد تدوير أكاذيب “أسلحة الدمار الشامل” التي دمرت العراق، محاولاً تبرير استهداف المدنيين والبنية التحتية تحت غطاء “دعم الديمقراطية”، بينما الحقيقة هي محاولة لكسر إرادة استقلال وطني ترفض التبعية لمحور واشنطن وتل أبيب.
وعلى الصعيد الميداني والاجتماعي، يراهن المخطط الغربي دائماً على استنزاف الجبهة الداخلية عبر العقوبات والاستهدافات المباشرة، إلا أن النتائج على الأرض تعكس واقعاً مغايراً تماماً؛ فاستهداف المدارس والمستشفيات وسيارات الإسعاف في مدن مثل أصفهان وطهران لم يولد ثورة ضد الدولة، بل أنتج “تلاحماً وطنياً تحت القصف”. يوضح المفكر الإيراني أن حتى جيل الشباب الذي قد يتأثر أحياناً بالروايات الثقافية الغربية، يغير موقفه جذرياً حين يرى دمار مدنه ومنشآته المدنية، مما يحول الصراع من خلاف سياسي داخلي إلى “معركة وجود وطني”. إن محاولات ترهيب الأكاديميين والمفكرين عبر المنصات الرقمية، كما حدث من تهديدات ممولة لاختطاف مرندي على منصة “إكس”، تثبت أن العدوان يتجاوز القصف العسكري إلى “إرهاب عابر للحدود” يسعى لتكميم الأفواه التي تكشف زيف السردية الصهيونية واستعلائها العرقي.
أما في البعد الجيوسياسي، فإن الرؤية الإيرانية تعتبر أي حديث أمريكي عن “المفاوضات” مجرد خديعة تكتيكية تهدف للتلاعب بالأسواق وكسب الوقت لاستكمال العدوان. المعادلة الاستراتيجية التي يطرحها المفكرون الإيرانيون اليوم هي معادلة “توازن الرعب”؛ فلا يمكن الحديث عن أمن ملاحي في مضيق هرمز أو استقرار في أسواق الطاقة العالمية طالما أن العمق الإيراني مستهدف. إن ربط أمن الخليج ومضيق هرمز بوقف المجازر في غزة ولبنان ليس مجرد تضامن سياسي، بل هو رؤية أمنية متكاملة تؤكد أن إيران لن تقبل بالعودة إلى قواعد اللعبة القديمة. التحذير الإيراني هنا شديد الوضوح: أي مغامرة عسكرية شاملة ستحول أزمة الطاقة العالمية إلى “كارثة دائمة”، فإيران التي استعدت لعقود بمدن صاروخية ومنشآت حصينة تحت الأرض، تمتلك القدرة على تحويل العدوان إلى انتحار اقتصادي للغرب وحلفائه في المنطقة.
وفي الختام، تتلخص القراءة الإيرانية للأزمة الحالية في أن زمن “الاستجداء” قد ولى، وأن أي تسوية مستقبلية يجب أن تمر عبر بوابة الاعتراف بالسيادة الكاملة والتعويضات عن الأضرار الناجمة عن العدوان. يرى المفكرون في طهران أن إدارة ترامب أو أي إدارة أمريكية أخرى واهمة إذا اعتقدت أن “الضغوط القصوى” ستؤدي لانهيار الدولة؛ فالتاريخ يسجل أن الأزمات الكبرى كانت دائماً هي المحرك لتطوير القدرات الدفاعية الذاتية وتحقيق الاكتفاء الذاتي. إن الرسالة التي يوجهها مرندي وأقرانه للعالم هي أن إيران اليوم، بحلفائها في محور المقاومة وبجبهتها الداخلية المتماسكة، لم تعد لقمة سائغة، وأن الاستمرار في دعم “دولة الإبادة الجماعية” في تل أبيب سيجر المنطقة بأكملها نحو صدام لن يخرج منه الغرب منتصراً، بل سيخرج منه مثقلاً بأوزار أكاذيبه وفشله الأخلاقي والاستراتيجي.



