«ماراثون الشهادة».. أكثر من نصف مليون طالب يرفعون شعار العلم فوق صوت الرصاص

قطار التعليم يتحدى الحرب.. 564 ألف طالب يطرقون أبواب المستقبل في ظروف استثنائية
الخرطوم والنيل الأبيض والشمالية تنهي ترتيباتها النهائية
«التربية» تفتح أبوابها حتى اللحظات الأخيرة بـ «أرقام الطوارئ»
«لجنة الأمل».. رحلة العودة للحاق بـ«قطار الشهادة»
ديوان الزكاة والمخابرات.. “تحالف الخدمة” يذلل عقبات النقل بمدني والمحليات
تقرير – عماد النظيف
تتجه أنظار السودانيين في الداخل والخارج، بقلوبٍ ملؤها الرجاء وعزائم لا تلين، صوب قاعات الامتحانات التي تفتح أبوابها اليوم ؛ حيث تستعد وزارة التربية والتعليم لإطلاق امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026 في ظروف استثنائية بالغة التعقيد، تضع الدولة والمجتمع أمام اختبار الإرادة الأكبر. إن انطلاق هذا الماراثون التعليمي في ظل التحديات الأمنية الراهنة يمثل أكثر من مجرد إجراء أكاديمي روتيني؛ فهو بمثابة “ملحمة تعليمية” ، وإعلان صريح عن استعادة الدولة لهيبتها ومسارها المعرفي. وسط أزيز الرصاص وهدير الأزمات، اختار نصف مليون طالب وطالبة أن يكون القلم سلاحهم، في رسالة بليغة تؤكد أن مستقبل الأجيال خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن إرادة البناء دائماً ما تصرع معول الهدم، وسط تكاتف شعبي ورسمي غير مسبوق يهدف لتذليل الصعاب اللوجستية وتأمين عبور آمن نحو المستقبل.
ملامح الماراثون الحالي
كشف وزير التربية والتعليم، الدكتور التهامي الزين حجر محمد، عن طفرة نوعية في أعداد الجالسين لامتحانات هذا العام، حيث سجلت الوزارة 564,000 طالب وطالبة، وهي زيادة تعكس بوضوح تعافي الدولة السودانية مقارنة بالأعوام السابقة؛ إذ بلغ عدد الممتحنين في عام 2021م نحو (480,519) طالباً، وفي عام 2022م نحو (518,712) طالباً، بينما اقتصر عدد طلاب الدفعة المؤجلة إبان الحرب على (226,684) طالباً. واعتبر الوزير أن هذا التصاعد العددي يمثل مؤشراً حيوياً على “العودة الطوعية وتطبيع الحياة”، مشيداً بالجهود الاستثنائية التي بذلتها اللجان الإشرافية الاتحادية لتأمين حق الجلوس لطلاب ولايات دارفور والنازحين في ولايات الشمالية، ونهر النيل، والنيل الأبيض، مما مكنهم من التسجيل وأداء الامتحانات بانتظام رغم تحديات النزوح.
جاهزية فنية وتدابير استثنائية
وعلى الصعيد التنظيمي، أكد بيان الوزارة اكتمال كافة الاستعدادات الفنية واللوجستية وفق مصفوفة زمنية دقيقة، شملت عمليات طباعة وتأمين وصول الامتحانات إلى 3,333 مركزاً داخل البلاد وخارجها، بجانب إصدار أرقام الجلوس وتعيين الكوادر الرقابية. وفي لفتة إنسانية ووطنية تعزز مبدأ تكافؤ الفرص، أعلن الوزير عن جدولة امتحانات خاصة للطلاب اللاجئين بشرق تشاد تبدأ في 11 مايو 2026م، كما طمأن الطلاب الذين قد تحول ظروفهم دون اللحاق بجلسات الثالث عشر من أبريل، بمنحهم فرصة استثنائية للجلوس في ملحق خاص مقرر في الحادي عشر من مايو المقبل.
وفي سياق متصل، حمل البيان نبرة اعتزاز بالدور البطولي للمعلمين، “حملة مشاعل النور”، الذين خاضوا معارك الوعي جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة في “معركة الكرامة”، معرباً عن تقديره للدعم اللامحدود الذي قدمه رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لإنجاح العملية التعليمية. واختتمت الوزارة بيانها برسائل مجتمعية دعت فيها الأسر السودانية لتهيئة البيئة النفسية للطلاب، كما ناشدت أئمة المساجد ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات الشبابية لإحياء سنة “فضل الظهر”، والمساهمة الفاعلة في ترحيل الطلاب وتسهيل وصولهم إلى المراكز، بما يضمن سلاسة هذه الملحمة التعليمية الوطنية.
هواجس الشمول والعدالة التعليمية
في تعليقه على هذا الحدث، وصف الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، في تصريح خاص لـ (العودة)، وصول العدد إلى هذا السقف بـ “الخطوة الممتازة”، معتبراً أنها تقترب من إحصائيات ما قبل الحرب وتفتح آفاقاً جديدة للطلاب لتجاوز عقبات التعطيل القسري.
ظلال الحرب على دارفور وكردفان
ورغم التفاؤل، وضع الباقر إصبعه على “الجرح” التعليمي، معرباً عن قلقه البالغ من حرمان طلاب إقليمي دارفور وكردفان من الجلوس للامتحانات بسبب استمرار العمليات العسكرية هناك، وقال: “هذه الخطوة ينقصها شمول جميع أبناء الوطن؛ فحرمان طلاب دارفور وكردفان اليوم هو ضياع لمستقبلهم وجهود أسرهم، وهو في المحصلة ضياع للسودان ككل”.
نداء للعدالة والشمول
واختتم الباقر حديثه بمطالبة الجهات المعنية بوضع قضية طلاب المناطق المتأثرة بالحرب كأولوية قصوى، مؤكداً أن لجنة المعلمين ستواصل العمل من أجل أن تكون الامتحانات “شاملة وعادلة”، مشدداً على أن التعليم “حق شامل لا يتجزأ” ولا يجب أن يكون رهيناً للظروف الأمنية.
وبالعودة إلى تفاصيل الخارطة الجغرافية للجالسين، نجد أن العاصمة كانت حاضرة بقوة، حيث يتراوح عدد الجالسين فيها ما بين 148 إلى 153 ألف طالب وطالبة، وهو ما اعتبره والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، دليلاً قوياً على عودة المواطنين إلى الولاية. وأكد الوالي اكتمال كافة الترتيبات الفنية والإدارية، موجهاً باستنفار الجهود لتأمين المياه والكهرباء والوقود وتسهيل حركة ترحيل الممتحنين بالتنسيق مع الجهات النظامية والاتحادية.
تحديات قائمة ومخاوف
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك عقبات جدية؛ إذ تشير تقارير “مبادرة إنقاذ طلاب الشهادة السودانية” إلى أن حوالي 280 ألف طالب في إقليمي دارفور وكردفان يواجهون صعوبة بالغة في الجلوس للامتحانات، إما لوقوع مناطقهم خارج سيطرة الدولة أو بسبب اشتداد العمليات العسكرية. ويضطر مئات الطلاب لقطع مسافات طويلة وشاقة للوصول إلى المدن الآمنة، وسط مخاوف أمنية مستمرة تتعلق بسلامة التنقل.
وفي هذا الصدد، يرى الخبير التربوي الهادي السيد عثمان، في حديثه لـ(العودة)، أن إقامة الامتحانات في هذا التوقيت هو “مؤشر جيد للحياة الأمنية واستقرار الوطن”، واصفاً إياها بأنها شارة مفرحة لاستعادة عجلة الحياة. وأثنى عثمان على دور القوات المسلحة والمعلمين الذين وصفهم بـ “جنود الفكر والقلم” الذين تصدوا للشائعات، مشدداً على ضرورة توفير الأمن والخدمات الطبية وسبل المواصلات لضمان راحة الطلاب النفسية.
جاهزية الولايات
وبالانتقال إلى الولاية الشمالية، أنهت وزارة التربية الترتيبات لجلوس 21,177 طالباً وطالبة في 118 مركزاً بمحليات الولاية السبع. وأكد المدير العام للوزارة، تجاني إبراهيم، أن الخطط تهدف لتهيئة أجواء مثالية تراعي المعايير التربوية وتضمن سلامة الإجراءات.
أما في الجبهة الغربية، فقد أعلن وزير التربية المكلف بغرب كردفان، كرار عبد الهادي الباشا، جاهزية مدينة الأبيض لاستقبال الطلاب، حيث قفز عددهم من 312 طالباً العام الماضي إلى 1200 طالب هذا العام. وأشار الوزير إلى اعتماد “أرقام طوارئ” بقرار اتحادي تتيح للطلاب العالقين الجلوس للامتحان حتى قبل ساعة من بدايته، نافياً في الوقت ذاته وجود أي تنسيق مع المليشيا أو منظمات دولية لتجليس الطلاب في المناطق غير الخاضعة للدولة.
وعلى صعيد العودة الطوعية، كشفت لجنة “الأمل للعودة الطوعية” عن وصول الفوج الأول من الطلاب وأسرهم القادمين من مصر عبر معبر أرقين. وأوضح منتصر عثمان عمر وعاصم البلال الطيب أن الرحلة تمت بتسهيلات مباشرة من الرئاسة المصرية لمساعدة الطلاب الذين تعذر عليهم الامتحان في مصر لأسباب تتعلق بالإقامة.
الجزيرة تستنفر أجهزتها
أعلن والي ولاية الجزيرة، الطاهر إبراهيم الخير، عن استنفار كامل لكافة محليات الولاية لضمان وصول طلاب الشهادة السودانية إلى مراكزهم بيسر وسهولة. وشدد الوالي على ضرورة توفير وسائل النقل لكل الممتحنين، مشيداً بالمبادرات الوطنية التي أطلقتها الأجهزة الأمنية والديوانية لتهيئة الأجواء للطلاب.
100 مركبة من “المخابرات”
من جانبه، كشف مدير جهاز المخابرات العامة بالولاية، العميد أمن مأمون الزين، عن تدشين مبادرة كبرى تشمل توفير 100 مركبة لترحيل الطلاب، بمشاركة فاعلة من شرطة الولاية وإدارة المواد البترولية ونقابات الحافلات، مؤكداً أن المبادرة تأتي ضمن المسؤولية المجتمعية للجهاز تجاه أجيال المستقبل.
مساهمة ديوان الزكاة
وفي ذات السياق، أعلن أمين ديوان الزكاة بالولاية، عصام الدين موسى دفع الله، عن تخصيص 11 حافلة كدفعة أولى (9 للمحليات وحافلتان لمدني الكبرى)، مؤكداً أن العدد قابل للزيادة وفقاً للحاجة الميدانية. وحدد الديوان يوم الإثنين موعداً لتسليم الحافلات للجان المختصة، لتبدأ فوراً في نقل الطلاب ذهاباً وإياباً.
سند معنوي ونفسي
بدوره، وصف وزير التربية والتعليم بالجزيرة، عبد الله أبو الكرام، هذه التحركات بأنها “سند حقيقي ودعم نفسي كبير” للطلاب في هذه المرحلة الحرجة، مشيراً إلى أن تكاتف القوات المسلحة والمخابرات والشرطة والخيرين يمثل لوحة وطنية تضمن نجاح العملية التعليمية رغم التحديات.
محطات متباينة
وبالموازاة مع ذلك، كشفت مصادر عن اكتمال ترحيل 350 طالباً وطالبة من شرق دارفور إلى مدينة جوبا بجنوب السودان للامتحان هناك بمركز “ناكوري”، تحت إشراف إدارة التعليم الخاص.
أما في ولاية النيل الأبيض، فقد أكد الوزير المكلف الدكتور الطيب علي عيسى أن الولاية ستستقبل 43,779 طالباً وطالبة موزعين على 294 مركزاً. وأشار إلى أن الولاية تستضيف أيضاً طلاباً من ولايات دارفور، حيث تم توفير السكن والبيئة الملائمة لهم، مع تشكيل لجان طوارئ وإسناد مجتمعي لضمان سير العملية بسلاسة، وتأكيد تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لإنجاح هذا الحدث الوطني.
رسالة تتجاوز قاعات الامتحانات
يُشكل انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية لعام 2026م انتصاراً رمزياً وإدارياً للدولة السودانية في معركة الوعي والبناء. فبينما نجحت الوزارة في رفع أعداد الجالسين إلى أكثر من نصف مليون طالب وتسهيل عودة المهاجرين، تظل معضلة الطلاب في المناطق غير الآمنة بدارفور وكردفان جرحاً يحتاج لمعالجات استثنائية. إن هذا الماراثون هو بمثابة “جسر عبور” نحو الاستقرار، يؤكد فيه السودانيون أن مسيرة التعليم لن تتوقف مهما بلغت التحديات الأمنية.



