تورط عملاق صناعة السيارات الألمانية (فلكسواجن) في سفك الدم السوداني
من اجل الحصول على الذهب..

متابعات: (العودة)
كشفت ورقة بحثية صادرة عن مركز الدراسات البيئية والاجتماعية (CESS) عن استمرار ظهور مصفاة السودان للذهب في الخرطوم، ضمن أُطُر تقارير سلاسل التوريد العالميّة بما في ذلك تقرير المواد الخام المسؤولة لعام 2024 الصّادر عن مجموعة فولكسفاغن الألمانية- عملاق السيارات الاوروبية.. وتشير الورقة البحثية إلى أن ذلك جرى، على الرُّغم من استيلاء مليشيا الدعم السّريع على المصفاة في مايو 2023، وتعطّلها لاحقًا عن العمل إلى أن تم تحريرها بواسطة قوات الجيش، مما يثير تساؤلًا جوهريًّا كيف يمكن أنْ يستمر ظهور ذهبٍ منسوبٍ إلى مصفاة اُسْتُوليَ عليها عسكريًّا ونُهِبَت ودُمِّرت فعليًّا ضمن سلاسل التّوريد الدوليّة ؟
التقرير الكامل
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 أصبح الذهب الركيزة المركزية لتمويل الحرب.. ومع انهيار نظام التصدير الرسمي واتساع شبكات التهريب عبر الحدود، برز الذهب باعتباره المصدر الأساسي للعملة الأجنبية لدى الأطراف المتحاربة.. وتقدّر تقارير رسمية ودولية أن الجهات العسكرية تحقق ملايين الدولارات يومياً من الأنشطة المرتبطة بالذهب، بما يعزز اقتصاداً موازياً يطيل أمد النزاع ويضعف مؤسسات الدولة.
مصفاة الذهب
في عام 2024 استمرت مصفاة الذهب السودانية في الخرطوم (رقم المصفاة: CID002567) في الظهور داخل أطر الإبلاغ الخاصة بسلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك تقرير مجموعة فولكسفاغن للمواد الخام المسؤولة لعام 2024، وهو إفصاح سنوي يوضح جهود الشركة في العناية الواجبة لتحديد المخاطر وإدارتها داخل سلاسل توريد المواد الخام.. وقد حدث ذلك رغم أن المصفاة كانت قد استولت عليها مليشيا الدعم السريع في مايو 2023 ثم أصبحت غير تشغيلية.. وتؤكد صور الأقمار الصناعية من 2023 إلى 2025 تدميراً متدرجاً للبنية التحتية وتوقفاً كاملاً للنشاط الصناعي.
كيف يمكن أن يستمر ظهور ذهب منسوب إلى مصفاة جرى الاستيلاء عليها عسكرياً ونهبها وتدميرها مادياً داخل سلاسل الإمداد الدولية؟

حالة شركة فولكسفاغن
التحقق من الأدلة عبر الأقمار الصناعية
اعتمد هذا التحقيق على تحليل زمني لصور أقمار صناعية عالية الدقة تغطي موقع مصفاة الذهب السودانية في الخرطوم خلال الفترة من أبريل 2023 إلى يونيو 2025، إلى جانب مقابلات مع موظفين في المصفاة.. ويمكن العثور على دليل إضافي في التغييرات التي طرأت على سياسة تصدير الذهب السوداني، وبالتحديد التعديلات التشغيلية بتاريخ 11 يونيو 2023 الصادرة عن بنك السودان والتي قضت بأن تمر صادرات الذهب عبر الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس أو وزارة التعدين، وليس عبر المصفاة.. ويُظهر التحليل المقارن تغيرات بنيوية جوهرية داخل الموقع تدل على تدمير تدريجي وتوقف كامل للنشاط الصناعي.. ومن المرجح بدرجة كبيرة أن الذهب المرتبط بالرقم CID002567 والذي ظهر في تقرير فولكسفاجن للمواد الخام لعام 2024 هو الذهب الذي أُبلغ عن وجوده مخزناً في المصفاة.

مسارات تهريب الذهب السوداني وإعادة إدخاله إلى الأسواق العالمية
بعد الاستيلاء على مصفاة الذهب السودانية في عام 2023 وثقت تقارير مستقلة نقل بعض الذهب المنهوب عبر مسارات تهريب إلى تشاد باعتبارها نقطة عبور رئيسية قبل الوصول إلى أسواق إعادة التصدير.. كما أشارت عدة تقارير إلى أن قوات الدعم السريع سارعت إلى تأمين خطوط الإمداد غرباً إلى تشاد وجنوباً عبر جنوب السودان بعد الاستيلاء على كميات كبيرة من الذهب وتثبيت الصادرات، بما يعكس تحول الذهب إلى قناة تمويل عابرة للحدود على نطاق أوسع. وخلصت تحقيقات حديثة صادرة عن منصات موثوقة، تحققت منها CESS أيضاً عبر مقابلات مع تجار ذهب، إلى أن كميات كبيرة من الذهب السوداني ومواد أخرى عبرت إلى تشاد وجنوب السودان منذ اندلاع الحرب قبل إعادة تصديرها عبر دبي، في نمط تهريب يفسر الفجوة بين أرقام الإنتاج المحلي وحجم الصادرات المسجل في البلدان المجاورة.
لم يتوقف تدفق الذهب عند حدود الإقليم، بل تجاوزها ليعاد إدماجه في دوائر تجارة الذهب العالمية. ووفقاً لتقرير SWISSAID تطورت أسواق الذهب في دبي لتصبح مستورداً رئيسياً للذهب القادم من البلدان الأفريقية، حيث تعمل كمحطة انتقال للذهب الأفريقي قبل إعادة إدخاله إلى الأسواق العالمية مثل سويسرا.. كما أن ضعف إجراءات العناية الواجبة في الإمارات يخلق بيئة مواتية لتجارة الذهب غير المشروعة، بما في ذلك الاتجار في ذهب النزاع. ويقلل الاتجار غير المشروع بالذهب من السودان إلى الإمارات من الدور الرئيسي للدولة السودانية في تنظيم تجارة الذهب، سواء عبر السماح بتدفقه إلى الأسواق العالمية أو منعه، وبالتالي يضعف متابعة تدفق ذهب النزاع.
وتُظهر الصور والخرائط والتتبع الذي قمنا به ما يلي: تشير الأدلة المستندة إلى صور الأقمار الصناعية إلى أن مصفاة الذهب السودانية لم تعد قادرة تشغيلياً على إنتاج أو تكرير ذهب جديد منذ مرحلة مبكرة، على الأقل قبل اكتمال مظاهر التوقف والدمار التي تظهرها الصور الجوية. ولذلك فإن أي ذهب يُنسب إلى هذه المصفاة بعد توقفها الفعلي لا يمكن اعتباره ناتجاً عن نشاط صناعي مشروع أو منظم. والأرجح أن يكون هذا الذهب قد أتى من احتياطيات سابقة جرى نهبها قبل أو أثناء سيطرة قوات الدعم السريع، أو من مخزونات كانت محفوظة ثم صودرت بعد تصفية من قبل مالك خاص.
وبذلك تنتقل المساءلة من مستوى “عدم العلم” إلى مستوى الأدلة الموثقة، خاصة حين تستمر المصفاة في الظهور ضمن سلاسل الإمداد الدولية رغم توقفها على الأرض، بما لا يترك مجالاً يذكر للشركات كي تدعي الجهل.
حتى بعد أبريل 2023 ظلت مصفاة الذهب السودانية مكوناً ضمن شبكات موردي شركات عالمية كبرى رغم عدم امتثالها لمعايير RMI. وفيما يلي قائمة غير حصرية بالشركات التي ظهر فيها ذهب منسوب إلى المصفاة بعد توقفها: وبحسب تقرير المواد الخام المسؤولة لعام 2024 الصادر عن مجموعة فولكسفاغن، كانت مصفاة الذهب السودانية في الخرطوم من بين مصاهر 3TG التي تعامل معها موردو المجموعة في 2024، كما كانت جزءاً من هذه القائمة منذ 2021 على الأقل. كما أبرز تحقيق Deutsche Welle لعام 2025 هذه المسارات وغيرها من المسارات المحتملة لذهب النزاع إلى سلسلة توريد الشركة. وفي ردها على DW أشارت الشركة بشكل مبهم إلى “تعقيد” سلاسل الإمداد وادعت أن ظهور المصفاة السودانية في تقارير المواد الخام الخاصة بها “لا يعني بالضرورة أنها جزء من سلسلة التوريد لدينا”.
الشركات الواردة في التقرير
SWISSAID. (2024). On the trail of African gold: Quantifying production and trade to combat illicit flows. SWISSAID.
de Simone, S. (2025). The role of gold in the Sudanese war. ISPI.
Volkswagen Group. (2025, 26 March). Responsible raw materials report 2024. Volkswagen Group.
Volkswagen Group Responsible Raw Materials Report 2024 (earlier uploaded version).
Deutsche Welle. (2025). Are Volkswagen’s EVs made with African conflict minerals?
ما الذي نطالب به من فولكسفاغن
ندعو المجتمع الدولي والهيئات التنظيمية والمؤسسات المالية إلى فتح تحقيق شفاف ونشر نتائجه ومساءلة فولكسفاغن وجميع الشركات والمؤسسات المشتبه في تعاملها مع الذهب السوداني المرتبط بالنزاع، وفقاً لمبادئ العناية الواجبة المنصوص عليها في إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن سلاسل توريد المعادن من المناطق المتأثرة بالنزاع.
الكشف عن الموردين والوسطاء الذين يواصلون الاتجار في الذهب المرتبط بمصفاة الذهب السودانية (CID002567) وبإنتاج الذهب في السودان الذي تهيمن عليه الجهات المسلحة، والسماح بمراجعة مستقلة لهذه المعلومات.
الالتزام الصارم والعلني بمعايير العناية الواجبة الدولية (OECD) ومعايير الشفافية ذات الصلة وربط أي انخراط مستقبلي بآليات تحقق خارجية قابلة للتدقيق.
التعاون مع المنظمات المستقلة في جهود كشف تجار ذهب النزاع لضمان ألا يستمر الذهب السوداني وغيره من الموارد كأداة لتمويل الحرب والمعاناة.
إن مسؤولية تجفيف موارد الحرب لا تقع على عاتق المؤسسات الدولية وحدها، بل هي مسؤولية جماعية. ولذلك ندعو منظمات المجتمع المدني السودانية والدولية والشخصيات العامة والروابط المهنية وجميع فئات الشعب السوداني في الداخل والخارج إلى التنظيم والمطالبة الجماعية بمساءلة جميع الأطراف المنخرطة في تجارة ذهب النزاع.
الخلاصة: الذهب والحرب في السودان
لم تكن حرب 2023 بداية النشاط الاقتصادي للمؤسسات العسكرية، التي عملت طويلاً بالتوازي مع الاقتصاد الرسمي وبشكل مستقل عنه. وقد شهد قطاع تعدين الذهب خلال العقد الأخير توسعاً كبيراً في انخراط الجهات العسكرية. وأسهمت الحرب في تعميق السيطرة العسكرية على تعدين الذهب وتجارته، باعتباره أهم صادرات البلاد والمصدر الرئيسي للعملة الأجنبية.
وتشير التقارير والتحقيقات الإعلامية إلى أن الاستيلاء على مصفاة الذهب السودانية لم يكن حادثة معزولة، بل جزءاً من سلسلة عمليات مترابطة جعلت الحرب أداة لنهب هذه الثروات ونقل الذهب إلى أسواق التصدير. وقد استمر هذا الدور، مع تقارير أخرى أفادت بأن مواقع تابعة لقوات الدعم السريع استوعبت أكثر من 860 مليون دولار من الذهب السوداني في 2024، بما يعكس تحول الذهب إلى مصدر رئيسي لتمويل النزاع.



