عضو وفد التفاوض للمنطقتين د.حسين حمدي يقرأ مع (العودة) وقائع الحرب ومآلاتها

*حرب السودان ليست طارئة ولكنها مخطط لتفكيك الدولة جغرافياً وديموغرافياً*
*موقف حمدوك وتحالف “تأسيس” يؤكد الارتباط العضوي مع الدعم السريع*
*المؤسسة العسكرية بإرثها التاريخي وتجربتها الممتدة قادرة على حماية أي شبر من الوطن مهما تعاظمت المكائد والمؤامرات*
*الحوار هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب رغم تصاعد العنف*
*حرب 15 ابريل تجاوزت تعريف النزاع الداخلي لتهديد الأمن الإقليمي والدولي*
*حاوره: عبود عبدالرحيم*
الحوار مع الدكتور حسين محمد حمدي، عضو وفد التفاوض للمنطقتين ووزير الدولة بوزارة الشباب والرياضة، يحتاج الى حلقات وحلقات نسبة للمعرفة العميقة بواقع الاوضاع في البلاد عامة والتخصصية في المنطقتين، لكن ركزنا في هذا الجانب من ذكرى اندلاع الحرب في 15 ابريل وما تلا ذلك، على وعد بلقاء آخر..
ضيف (العودة) د. حسين محمد حمدي من مواليد غرب كردفان، يصف نفسه بتواضع ويقول انه نشأ في بيئة بدوية قبل أن يتدرج في مسيرته التعليمية بين المجلد والفولة والنهود، وصولاً إلى جامعة الخرطوم حيث نال درجتي البكالريوس والماجستير في الطب البيطري. ويعمل أستاذاً ومدرباً في البرمجة اللغوية العصبية بالمعهد الكندي للتنمية البشرية، كما يواصل إعداد الدكتوراه في دراسات السلام وفض النزاعات بجامعة السلام التابعة للأمم المتحدة.
خبراته المهنية الواسعة تنوعت بين العمل في السودان والمملكة العربية السعودية، كما شغل مواقع نقابية واجتماعية بارزة، من بينها الأمين العام لاتحاد الأطباء البيطريين بالسعودية، ورئاسة المكتب التنفيذي للجالية السودانية بالرياض.
وتقلد د. حسين مناصب عدة منها وزير الصحة بجنوب كردفان، وعضوية المجلس الوطني، والمشاركة في وفد التفاوض الحكومي للمنطقتين، ووزير دولة بالشباب والرياضة، فإلى محاور حديثنا في ذكرى الحرب:
*مزيج من التعقيدات*
*أكملت الحرب عامها الثالث، كيف يمكن وصفها وما جرى فيها؟
الحرب السودانية الحالية ذات أبعاد داخلية وإقليمية ودولية، وهي مزيج من التعقيدات السياسية والعسكرية والاجتماعية، وقد بلغت مرحلة الكارثة الإنسانية، وهي إفراز للأزمة السودانية الكلية الناجمة عن تراكم تجارب تاريخية سالبة مردها إلى قصور الوعي والإدراك وفشل في السلوك والممارسة. وفقاً للمواثيق والأعراف الدولية تعتبر نزاعاً داخلياً، إلا أن التدخل السافر جعلها تتجاوز تصنيفها أو تعريفها.
هذه الحرب بمآلاتها المشؤومة وآثارها السالبة، ما لم يتم احتواؤها، لن تقتصر على السودان فحسب، وإنما ستتسع في رقعتها وتتمدد في تأثيرها لتصبح مهدداً للأمن الإقليمي والدولي.
ينبغي الوعي بأن الحرب الحالية ليست طارئة أو عارضة، وإنما هي نتاج عوامل مركبة تم التخطيط لها بمكر سيئ ونوايا خبيثة واستغلال بشع لنفوس ضعيفة، الهدف الأساسي منها تمزيق الوطن جغرافياً وديموغرافياً.
*تخطيط خبيث*
*منذ تمرد الدعم السريع واطلاق رصاصة الحرب، شهدت البلاد تحولات كبيرة على مستوى المجتمع والسياسة؟
التخطيط الخبيث المحكم جعلها حرباً خارجة عن المألوف بتجاوزها للتطور المرحلي للنزاعات (نزاع – أزمة – صراع – كارثة).
فهي حرب متسارعة في وتيرتها، متصاعدة في طبيعتها، متدحرجة في ظواهرها السلوكية والأخلاقية، محدثة خسائر بشرية ومادية وجروحاً اجتماعية.
*عوامل التعافي*
*كيف يمكن أن يتعافى أهل السودان من آثار الحرب التي طالت أسرته ومجتمعه؟
يتم ذلك بعدد من العوامل من بينها الوعي والإدراك: وهو ان المجتمع السوداني عليه أن يدرك أهداف ومقاصد صناع هذه الحرب وأنها تتجاوز الأفراد إلى تمزيق الوطن.
ثم الإقرار والاعتراف وعدم المكابرة.
والإيثار: بأن بتم تغليب مصلحة الوطن على مصلحة الفرد والجماعة.
وتاتي أخيرا: المساءلة، المحاسبة، جبر الضرر المعنوي، التسامي والتسامح.
*اعتراف ضمني*
*أنتجت حرب 15 أبريل مشهداً سياسياً معقداً بتحالف سياسي مع مليشيا الدعم السريع، ما تقييمكم لخطوة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وتحالف “تأسيس”؟
هذا التحالف هو بمثابة اعتراف ضمني من حمدوك ومجموعة تأسيس بارتباطها العضوي، وأنها العنصر الأساس في هذه الحرب، وتؤكد أنها الحاضنة السياسية للدعم السريع وتتحمل جميع أوزارها.
ورسالتي لهم أن السودانيين وحدهم من يمتلك الحل، وأن أي دعم مادي أو معنوي وراءه غرض، وسيصبح قيداً وديناً واجب السداد.
*سيادة الدولة مقدسة*
*هل يتم الاستسلام للواقع الحالي غير القانوني بوجود ما يسمى بإدارة تنفيذية تابعة للمليشيا في نيالا؟
بحكم المواثيق الدولية فإن سيادة الدولة مقدسة والشرعية واحدة، وكل ما هو غير ذلك لا أساس له. ولكن علينا جميعاً أن ندرك أن العالم اليوم لا تحكمه المواثيق بالقدر الذي يحقق العدل والمساواة ووحدة المعايير.
*الإرث التاريخي للجيش*
*القوات المسلحة تمكنت من دحر الجنجويد وتحرير الخرطوم والجزيرة ومناطق واسعة من البلاد، ما تقييمكم لتلك الانتصارات؟
المؤسسة العسكرية بإرثها التاريخي وتجربتها الممتدة عبر التاريخ ومهنيتها المستندة إلى العلم والمعرفة، قادرة على حماية أي شبر من الوطن مهما تعاظمت المكائد والمؤامرات.
*الحرب ليست غاية*
*اختلف المراقبون في سبل إنهاء الحرب بين التفاوض على أساس إعلان جدة والحسم العسكري؟
أثبتت التجارب الإنسانية قديماً وحديثاً أن أي نزاع مهما بلغ من درجات العنف والوحشية، فإن السبيل الوحيد لتحقيق السلام والأمن والاستقرار هو الحوار والتفاوض.
الحرب هي عرض وليست مرضاً، وهي وسيلة قذرة وليست الغاية، لذلك ينبغي العمل على معالجة الأزمة السودانية حتى لا تتكرر الحروب، وهذا يتطلب:
الإقرار والاعتراف وعدم المكابرة.
ثم التشخيص الصحيح الصادق للأزمة.
وإعداد الوصفة العلاجية المناسبة وإن اقتضى الأمر الجراحة.
ثم البناء على ما تم الاتفاق عليه سابقاً (جدة) وتطويره ليصبح وثيقة شاملة للمعالجة الكلية وتحقيق سلام دائم.
*تصحيح مفاهيم*
*هل تتفق مع التحليل القائل إن الدعم العسكري الخارجي هو السبب في استمرار الحرب؟
أولاً ينبغي تصحيح المفاهيم وإدراك الحقيقة.
والتوجه الى السؤال المحوري: هل هذه هي حرب الدعم السريع بالأصالة أم أن الدعم السريع قد استُدرج وزُج به في أتون الحرب؟
ثانياً: الحرب تبدأ في الأذهان قبل أن تتنزل إلى الميدان، وصانع الفكرة أخطر من منفذها، لذلك النصر فإن الحقيقي لا يتأتى إلا بالوصول والتعامل مع صاحب التفكير والتدبير.
والحرب الحالية ذات أبعاد وعناصر مركبة متداخلة ومتكاملة، في البعد الداخلي والإقليمي والدولي، ولكل منها وظيفته وتأثيره، ويُعد العنصر الخارجي الأكثر تأثيراً في التخطيط والتمويل واستمرار الحرب، وهو عنصر حاكم.
*استسلام المليشيا*
*ما هي قراءتكم لتواصل تسليم قادة المليشيا أنفسهم وقواتهم وعتادهم للقوات المسلحة؟
هذا أمر بديهي وتطور منطقي أملته عدة عوامل، أهمها: منهج إدارة الحرب من قبل المؤسسة العسكرية المستند إلى المهنية والتجارب الراسخة.
وطبيعة التكوين البنيوي الهش للدعم السريع كمنظومة.
كذلك غياب المرجعية الحاكمة، وتعدد وتشظي المجموعات الحاملة للسلاح.
*رسائل لهؤلاء*
في الذكرى الثالثة للحرب، ما هي الرسالة التي توجهها إلى:
أ/ القوات المسلحة؟
-إنما النصر صبر ساعة.
ب/ الحكومة الانتقالية؟
-الإبداع يأتي من عظم التحديات.
ج/ الشعب السوداني؟
-الشعب السوداني واعٍ ومدرك وفطن، وقادر على تفويت الفرصة على من فكر وقدر ودبر لهذه الحرب، وأن الغاية منها هي ترسيخ الصبغة العرقية والجهوية من أجل إحداث جروح معنوية وشروخ مجتمعية وتخريب ممنهج للموارد البشرية والمادية المؤدية إلى تمزيق الوطن. فالعاقل لا يُنصح، والحكيم لا يُوصى.. فهل من مدكر؟



