الدولار الجمركي.. “كرة الثلج” التي تهدد موائد السودانيين
تسونامي... يضرب الأسواق: زيادة جديدة تُعمّق جراح المعيشة

تقرير: هيام المغربي
في خطوة تفتح الباب أمام موجة جديدة من الغلاء الطاحن، وضعت سلطات الجمارك السودانية المواطن أمام واقع اقتصادي معقد، بعد قرارها الأخير بتحريك سعر صرف “الدولار الجمركي”. هذه الزيادة التي تأتي في توقيت حرج، لا تمثل مجرد أرقام في مستندات رسمية، بل هي صدمة مباشرة لهيكل الأسعار المترنح أصلاً، وتهديد صريح للقوة الشرائية لما تبقى من الطبقة الوسطى والفقيرة.
قفزة في الأرقام والواقع
تحصلت (العودة) على مستندات رسمية تكشف عن قفزة كبيرة في سعر الصرف المعتمد لتقييم السلع المستوردة، حيث ارتفع من 2,769.06 جنيه إلى 3,222.80 جنيه للدولار الواحد، بزيادة صافية بلغت 453.74 جنيه، أي بنسبة ارتفاع تجاوزت 16.38%
هذه الزيادة ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة من التعديلات؛ فبحسب الخبير الاقتصادي كمال كرار، شهدت الفترة من يناير 2025 وحتى أبريل 2026 تعديلات متتالية رفعت السعر بنسبة إجمالية قاربت 61%، مما يعكس حالة من التخبط الاقتصادي ومحاولة السلطات ملاحقة تدهور العملة الوطنية عبر جيوب المستهلكين.
الأثر المباشر على “معاش الناس”
تُصنف زيادة الدولار الجمركي كـ “ضريبة غير مباشرة” تقع تبعاتها النهائية على عاتق المواطن، حيث تؤدي هذه السياسة إلى موجات من التضخم الجامح نتيجة الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ومدخلات إنتاج؛ وهو ما يترجم أي زيادة جمركية إلى قفزات فورية في الأسعار النهائية بالأسواق. ويتزامن هذا الارتفاع مع ثبات الأجور وانهيار القوة الشرائية للجنيه، مما يتسبب في تآكل الدخول وعجز الأسر عن تلبية الحد الأدنى من الالتزامات المعيشية، وهو ما يُدخل الاقتصاد في حالة من “الركود التضخمي” التي تجمع بين الغلاء الحاد وتوقف حركة البيع والشراء. وعلاوة على ذلك، تفرض هذه الزيادات مخاطر تتعلق بـ الندرة والاحتكار، إذ تدفع التكاليف الباهظة صغار المستوردين نحو الخروج من السوق، مما يفسح المجال أمام كبار التجار للسيطرة على الساحة وخلق اختناقات في الإمداد، الأمر الذي يعمق الأزمة المعيشية ويزيد من حدة الضغوط الاقتصادية على الفئات الأكثر هشاشة.
تشوهات هيكلية
أبدى عدد من الخبراء الاقتصاديين مخاوف جادة حيال القرارات الأخيرة المتعلقة بزيادة سعر الدولار الجمركي بنسب مقدرة واصفين هذه الخطوة بأنها غير موفقة في ظل الظروف الراهنة. وأكد الخبراء في إفادات لمنصة العودة أن هذه الزيادات ستلقي بظلال سالبة على القوة الشرائية للمواطنين وتؤدي إلى تشوهات هيكلية في حركة الاستيراد والتجارة الخارجية.
تفتح الباب للاحتكار
حذر الخبير الاقتصادي كمال كرار من التداعيات الخطيرة للزيادات المتتالية في سعر الدولار الجمركي، مؤكدًا في حديثه لـ “العودة” أن تحريك هذا السعر يمثل ضربة مباشرة لحركة الاستيراد ومعيشة المواطنين. وكشف كرار أن الفترة من يناير 2025 وحتى أبريل 2026 شهدت تعديلات متكررة قفزت بسعر الدولار الجمركي بنسبة تقارب 61%، ليتجاوز حاجز 3200 جنيه سوداني، مما أحدث ارتباكًا واسعًا في الأسواق.
وأوضح كرار أن رفع الدولار الجمركي يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الرسوم والضرائب على كافة السلع المستوردة، مما يفرض على المستوردين توفير رؤوس أموال ضخمة لاستيراد نفس الكميات السابقة. ونبه إلى أن السلع ذات الهامش الربحي الضعيف ستصبح غير مربحة، مما سيؤدي حتمًا إلى انخفاض حجم الواردات، لاسيما السلع غير الأساسية.
خروج صغار التجار
وفي استعراضه للمخاطر الهيكلية، أشار كرار إلى أن الزيادات الكبيرة والمفاجئة ستؤدي إلى عجز صغار التجار عن تمويل عملياتهم الاستيرادية، مما يجبرهم على الخروج من السوق. وحذر من أن هذه الوضعية تخلق نوعًا من الاحتكار النسبي لصالح كبار التجار، مما يضعف المنافسة ويسبب اختناقات حادة في الإمداد ونقصًا في العديد من السلع الضرورية.
اضطراب سلاسل الإمداد
وذكر الخبير الاقتصادي أن غياب الاستقرار في السياسات الجمركية يدفع المستوردين إلى التردد في اتخاذ قرارات الشراء وتأجيل الشحنات، مما يهدد بحدوث تكدس أو نقص مفاجئ في الأسواق. وأكد أن هذه الحالة من “عدم اليقين” تؤثر سلبًا على بيئة الأعمال وتعرقل أي فرص للاستثمار أو الاستقرار التجاري.
تآكل القوة الشرائية
وحول الأثر المباشر على المواطن، جزم كرار بأن زيادة التكلفة ستنعكس فورًا على أسعار السلع الغذائية والدوائية والمنتجات الاستهلاكية، مما يفاقم معدلات التضخم ويزيد من الأعباء المعيشية في ظل ضعف الدخول. واختتم حديثه بالإشارة إلى أن هذه السياسات تعمّق حالة الركود الاقتصادي وتؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، فضلًا عن رفع تكلفة الإنتاج المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على مدخلات مستوردة.
خطوة غير موفقة
انتقد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير القرارات الأخيرة المتعلقة بزيادة قيمة الدولار الجمركي بنسبة كبيرة، واصفا إياها بأنها خطوة غير موفقة في ظل الظروف الراهنة. وأوضح الناير أن سعي الدولة لتوحيد سعر الصرف كان يتطلب إجراءات موازية تضمن عدم الإخلال بالتوازن الاقتصادي، وذلك عبر خفض الفئات الجمركية لضمان ثبات التكلفة التي يدفعها المخلصون والشركات، بما يحافظ على استقرار أسعار السلع في الأسواق.
وأشار الناير إلى أن رفع الدولار الجمركي يلقي بعبء ثقيل على المستهلك السوداني الذي يعاني أصلا من تراجع القوة الشرائية وتدهور قيمة العملة الوطنية، مما انعكس سلبا على قدرة المواطنين والموظفين على تلبية احتياجاتهم. وحذر من أن الزيادات الرأسية في الرسوم والضرائب غالبا ما تأتي بنتائج عكسية، حيث تشجع على انتشار ظاهرة التهريب للهروب من التكاليف الباهظة، داعيا الدولة إلى التوجه نحو التوسع الأفقي ومكافحة التهرب الضريبي بدلا من الجبايات المباشرة.
وفيما يخص تجارة الحدود، أكد الخبير الاقتصادي على ضرورة تنظيمها عبر القنوات المصرفية الرسمية وفتح الاعتمادات اللازمة لضمان اكتمال دورتي الاستيراد والتصدير بشكل قانوني وسليم. ونبه إلى أن تحريك الدولار الجمركي يضغط بشكل مباشر على المستوردين، مما يؤدي حتما إلى قفزات كبيرة في أسعار السلع المستوردة، مقترحا أن تلجأ الدولة إلى حظر استيراد السلع الكمالية إذا كانت ترغب في تقليل فاتورة الاستيراد، بدلا من رفع الرسوم على كافة السلع.
كما تطرق الناير إلى وضع مدخلات الإنتاج، مبينا أنها وبالرغم من الميزات التفضيلية التي تمنح لها، إلا أنها تتأثر بارتفاع الدولار الجمركي نتيجة التعقيدات الإدارية في تصنيف السلع، مما يرفع تكلفة الإنتاج المحلي.. واختتم حديثه بالإشارة إلى اتساع الفجوة مجددا بين السعر الرسمي والسوق الموازي، مشددا على ضرورة تبني سياسات عاجلة لترشيد الواردات ووضع قائمة محددة للسلع الضرورية لتقليص هذه الفجوة واستعادة الاستقرار النقدي.

خلاصة القول
إن استمرار سياسة تحريك الدولار الجمركي دون حزمة إجراءات تحمي المستهلك، يحول السياسات المالية إلى “مقصلة” لمعاش الناس. إن الفجوة المتسعة بين السعر الرسمي والموازي تتطلب ترشيداً حقيقياً للواردات، ومنع استيراد السلع الكمالية، بدلاً من إثقال كاهل المواطن برسوم تلاحق عملة لا تعرف الاستقرار..



