مؤتمر برلين..هل يُمكن فرض السلام على شعب يقاتل من أجل بقاء دولته ؟

من يملك حق التوقيع نيابةً عن الإرادة الوطنية السودانية؟..

هل تحولت بعض المنابر الدولية إلى أدوات ضغط بدلاً عن منصات حلول؟..

ولماذا تحتفي قوى سياسية فاقدة للشرعية بكل طاولة تُعيد تدويرها؟

تقرير تحليلي/علم الدين عمر 

تمهيد إستراتيجي.. مؤتمر برلين… هندسة الأزمة أم محاولة إدارتها؟..

 

لا ينبغي قراءة مؤتمر برلين لقضايا السودان كحدث دبلوماسي معزول.. هو إمتداد لحلقة ضمن سلسلة من محاولات “إدارة الأزمة السودانية” أكثر من حلها..

الجهات الداعية والداعمة – من الحكومة الألمانية إلى الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة –وبعض الدول والكيانات الأفريقية والإقليمية الأخري.. تنطلق من مقاربة تقليدية تختزل الأزمة في وقف إطلاق نار وترتيبات سياسية لاحقة..لكنها تتعثر عند السؤال الأهم.. ما طبيعة الصراع؟

فحين تُعرَّف الأزمة باعتبارها “نزاعاً بين طرفين”..وليس تمرداً مسلحاً على الدولة.. تصبح كل المخرجات اللاحقة مختلة في بنيتها.. ومفتوحة على إعادة إنتاج الأزمة.. وليس مؤتمر برلين سوى إمتداد لمحطات سابقة مثل محادثات جدة لوقف إطلاق النار ومبادرة الإيغاد حول السودان..ومباحثات جنيف التي فشلت – رغم زخمها – في بناء تعريف دقيق للأزمة.. فكان من الطبيعي أن تفشل في تقديم حل مستدام..ومنطقي..

 

العودة عبر النوافذ.. قوى بلا رصيد تبحث عن شرعية

 

في هذا السياق تبرز ظاهرة أكثر خطورة من الضغوط الخارجية نفسها.. وهي محاولة بعض القوى السياسية السودانية العودة إلى المشهد عبر “نافذة المؤتمرات” والمنابر الهلامية..بعد أن أُغلقت في وجهها أبواب الداخل..

هذه القوى – وعلى رأسها بعض مكونات قوى الحرية والتغيير.. وتيارات مدنية تحالفت لاحقاً ضمن أطر مثل تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدم) – لم تغادر المسرح السياسي بإرادتها..بل غادرته نتيجة فشل متراكم في إدارة المرحلة الإنتقالية عقب ثورة ديسمبر .. وعجزها الواضح عن تقديم مشروع وطني جامع في الحد الأدنب..

لقد اختبرت هذه القوى نفسها في اللحظة التاريخية الفارقة..حين كانت تمتلك الشرعية السياسية والدعم الدولي.. لكنها أخفقت في تحقيق الحد الأدنى من التوافق الوطني..وفشلت في بناء مؤسسات إنتقالية مستقرة..بل وسمحت – بوعي أو بدونه – بتغول مراكز قوى موازية داخل الدولة..كانت لاحقاً أحد أسباب الإنفجار الكبير..

اليوم..تعود هذه القوى عبر منصات مثل مؤتمر برلين..بلا رؤية جديدة..بل باعتبارها “مكوناً جاهزاً” في الوصفات الدولية الجاهزة..

غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في أن هذه العودة لا تستند إلى مراجعة نقدية حقيقية..ولا إلى برنامج متماسك يعالج جذور الأزمة.. بل إلى رهان متجدد على الخارج كبديل عن الداخل..

 

أزمة المصداقية.. التاريخ يسبق الحاضر..

 

المتلقي السوداني – الذي أصبح أكثر وعياً وصلابة بفعل التجربة – لم يعد يتعامل مع الخطاب السياسي بمعزل عن سجل أصحابه..

وهنا تحديداً..تواجه هذه القوى أزمة مصداقية عميقة..

فشل سابق في إدارة الإنتقال..

عجز عن بناء توافق وطني..

مواقف رمادية أو متناقضة تجاه التمرد..

إرتهان واضح لبعض الأجندات الخارجية..

كل ذلك يجعل من الصعب إقناع الشارع بأنها قادرة على تقديم طرح “معقول ومقبول”.. خاصة في ظل واقع يتطلب وضوحاً لا لبس فيه.. دعم الدولة في إنهاء التمرد وليس التفاوض معه على حسابها..

 

الداخل أولاً… معادلة العمل الوطني..

 

إن أي طرح سياسي لا ينطلق من الداخل.. ولا يضع في أولوياته إنهاء التمرد واستعادة الدولة..يظل طرحاً معزولاً عن الواقع.. مهما حظي بدعم خارجي..

السودان اليوم بحاجة إلى مسارات واضحة بدل الشعارات..

يقدم حسم التمرد كمدخل لأي عملية سياسية..

وإعادة بناء مؤسسات الفترة الإنتقالية على أسس جديدة تتجاوز أخطاء الماضي..

والمضي في إطلاق برامج إعمار حقيقية تعالج الدمار المادي..

والتعافي المجتمعي عبر معالجة التشظي الإجتماعي والنزوح..

وتهيئة بيئة العودة للملايين من المتضررين..

هذه الأولويات لا يمكن صياغتها في قاعات المؤتمرات وحدها.. بل تُبنى من داخل المجتمع.. عبر تفاعل حقيقي مع قواه الحية بعيداً عن التمثيل النخبوي لقوي فقدت صلتها بالشارع…

 

السياسة كفعل وطني..

 

الخلل الأكبر في سلوك هذه القوى لا يكمن فقط في ضعف طرحها..بل في تصورها للسياسة نفسها..

هل هي أداة لبناء الدولة؟ أم مجرد وسيلة للبقاء في المشهد؟

الإحتفاء بأي منبر – بغض النظر عن مخرجاته – يكشف عن أزمة عميقة في تعريف الدور السياسي.. فالقوى التي ترى في كل مؤتمر فرصة للظهور.. لا تختلف كثيراً عن القوى التي ترى في كل أزمة فرصة للتمدد..

وفي الحالتين..تغيب الدولة كفكرة..ويغيب الشعب كمرجعية..

 

شرعية الداخل وإغراء الخارج..

 

إن محاولة بعض القوى السياسية العودة إلى المشهد عبر النوافذ الدولية بتجاوز الباب الداخلي .. ودون إمتلاك مشروع وطني حقيقي.. ليست مجرد أزمة تكتيك.. بل أزمة وعي سياسي..

فالسودان لا يمكن إعادة بناؤه من الخارج..بينما يحاول المجتمع إستعادة نبض الحياة من الداخل ..ولا تُستعاد دولته عبر منصات لا تعكس واقعه،د..ولا تُفرض عليه حلول لا تعبر عن إرادته..

الشرعية الحقيقية تُبنى في الداخل.. وسط الناس..عبر مواقف واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ..وليس بين طاولات و قاعات المؤتمرات الباردة..

وبينما تتزاحم الخيوط الواهنة في الردهات الدولية.. يبقى السؤال الحاسم..

من يعمل فعلاً من أجل السودان… ومن يعمل من أجل العودة إليه علي أي حال؟.. نهاية هذه الفعالية خلال الثمانية وأربعين ساعة القادمة ستجيب.. ومعها ملحق أسئلة حول قدرة الداخل السوداني بقواه السياسية والمجتمعية علي تحسس الجبهة الداخلية بقدر معقول من المسؤولية الوطنية..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى