رحلة النزوح والعودة..من الخرطوم إلى بورتسودان.. ومن بورتسودان إلى الخرطوم 

(العودة) تكشف تفاصيل قرار الانتقال من العاصمة أثناء الحرب إلى عروس البحر 

جبريل و مناوي وعقار والتوم هجو خلف كواليس القرار التاريخي

 الناظر ترك ساهم في عودة الحياة السياسية من خلال مبادرة أهل الشرق

هل تواصل البرهان مع قيادات الحركات المسلحة أثناء تواجدهم في عمارة الشيخ هجو بسنار ؟

جهاز المخابرات العامة برئاسة مفضل قدم الإمكانيات للدولة لتفادي الانهيار  

بورتسودان – طلال إسماعيل 

منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023 بالعاصمة السودانية الخرطوم، بدأ وكأن السودان يدخل في نفق مظلم، بعد أن حاصرت مليشيا الدعم السريع رأس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وأركان حربه، واختفت معالم السيادة لعدة شهور.

تلك الأوضاع أغرت بعض دول الجوار لإصدار تصريحات تطالب بتعيين قيادة للبلاد.

ففي العاشر من شهر يوليو من العام 2023، قال رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد: “السودان يعاني فراغا في القيادة ويجب ألا نقف مكتوفي الأيدي فالعواقب وخيمة عليه وعلى المنطقة”.

لكن هنالك رجال أعادوا للسودان هيبة دولته رغم ظروف الحرب، وعزموا على أن تعود مؤسسات الدولة مرة أخرى بعد أن خفت صوت السودان لعدة شهور.

يقف هذا الطريق حول من هو صاحب فكرة انتقال الحكومة السودانية من الخرطوم إلى بورتسودان بسبب الحرب، وكيف ساهم في بقاء الدولة؟

يقول بشارة سليمان مستشار رئيس حركة العدل والمساواة السودانية في تصريحات صحفية له سابقة :”

كنت في منزلي بالمعمورة بالقرب من المدينة الرياضية عند اندلاع الحرب. في يوم 20 أبريل، كوّنت غرفة عمليات من ستة أشخاص لجمع المعلومات من مناطق الخرطوم المختلفة، ولا يعرفه الكثيرون هو أن قادة اتفاق جوبا مثل د. جبريل إبراهيم، مالك عقار، مني أركو مناوي، والتوم هجو، عقدوا لقاءات في سكر سنار لبحث كيفية إدارة الدولة وسط الأزمة. قرروا الانتقال إلى بورتسودان لتسيير الحكومة، وكنتُ ضمن الوفد الذي ذهب مع د. جبريل إلى هناك في منتصف مايو 2023 ”

وتابع :” بعد وصولنا بيومين، بدأ د. جبريل في تفعيل وزارة المالية، باعتبارها من أهم الوزارات، وجمع الموارد المالية لدعم المجهود الحربي، مما ساهم بشكل كبير في عدم انهيار الدولة. هذه الخطوة كانت في المرتبة الثانية بعد ثبات القيادة العسكرية”.

تقول مصادر متعددة للعودة بأن جبريل إبراهيم عقب عملية خروج قادة الحركات المسلحة من الخرطوم، امضى يوما في مدينة الحصاحيصا قبل أن يصل لمدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة ومنها إلى عمارة الشيخ هجو بولاية سنار، وكان يرغب في اتخاذ منطقة الجنيد لوجود خدمات الكهرباء مقرا مؤقتا بدلا عن عمارة الشيخ هجو.

من سنار إلى بورتسودان

لكن حاكم إقليم دارفور مني اركو مناوي يقول في جلسة حوارية لمركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب مع عدة إعلاميين :” بعد إندلاع الحرب انتقلت مع مالك عقار والدكتور جبريل إبراهيم لولاية سنار لعمارة الشيخ هجو واجتمعنا هناك بحضور التوم هجو للنظر فى أهمية إستمرار عمل مؤسسات الدولة ، واتخاذ عاصمة إدارية بديلة”

ورشح مناوي مدينة ود مدنىي لتكون العاصمة الإدارية البديلة للخرطوم مع توزيع العمل الإدارى بين ولايات سنار والنيل الأزرق، وأضاف :” الرأى الغالب رجح بورتسودان ، كاشفا عن تواصلهم من عمارة الشيخ هجو بسنار مع قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتى فى محاولات لإستدراك ما يمكن تداركه ، ولكنه يرد مطالبهم بالإنتظار حتى تحقيق الهدف وقد كان حسب المعلن وليس من إفادات الجلسة مع مناوى إستلام البرهان او الإستسلام .

وفى تلك الجلسة يفصح مناوى عن اتخاذ قرار الحياد مع اعتراض عقار واستبعاد حركتى حجر والهادى إدريس.

وفي 19 مايو 2023، أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مرسوماً دستورياً بتكليف مالك عقار بمنصب نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، خلفاً لمحمد حمدان دقلو “حميدتي” الذي أُعفي من منصبه، وذلك في ظل المواجهات العسكرية المستمرة

لكن مصدر آخر قال للعودة بأن البرهان هو من وجه أحد قادة الحركات المسلحة بالذهاب إلى مدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر شرقي البلاد لتكون العاصمة المؤقتة إلى حين استباب الأوضاع.

ويقول القيادي بالحزب الإتحادي خالد الفحل للعودة :”بعد تمرد مليشيا الدعم السريع كان لابد من انتقال العاصمة الى إحدى الولايات الامنه فوقع الخيار على ولاية البحر الأحمر لاهميتها الاستراتيجية وضمان تأمين البحر الأحمر ،انتقال الحكومة الى بورتسودان فى المرحلة واجهته كثير من التحديات ولكن كان هنالك رجال اقوياء اشداء على قدر هذه التحديات”.

وتابع :” أول من وصل ولاية البحر الأحمر هو محافظ بنك السودان المركزي السابق الاستاذ برعي الصديق بعد عشرة أيام من الحرب ثم لحق به وزير مجلس الوزراء عثمان حسين، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول احمد إبراهيم مفضل، ووكيل المالية عبد الله ابراهيم، ووزير المالية دكتور جبريل إبراهيم والدكتور أشرف محمد عثمان كانت هذه اول نواة للحكومة فى الايام الأولى للحرب”.

ويقول رئيس تحرير صحيفة الحاكم نيوز الصافي سالم وهو أحد الشاهدين على وصول الحكومة الى مدينة بورتسودان :” بعد أن فقدت الدولة مكاتبها بالعاصمة الخرطوم، تَجَلَّى الفريق الركن دكتور محمد الغالي علي يوسف كأحد أولئك الذين اختاروا أن يكونوا في المقدمة لا حاملين للسلاح فحسب، بل حاملين سلاح بناء وتثبيت المؤسسات من العاصمة الإدارية بورتسودان.ظل يعمل بصمتٍ وإخلاص، ليلًا ونهارًا، من أجل استقرار السودان ونهضته”

وتابع في مقال له :” ولأن الأوطان لا تُبنى بالأفراد وحدهم، فقد كان إلى جانبه رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ منهم الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، الذي حمل عبء الاقتصاد في ظروفٍ استثنائية، والأستاذ عبد الله إبراهيم، وكيل الوزارة، الذي ظل يعمل بصمتٍ وكفاءة، إلى جانب الفريق إبراهيم مفضل، مدير عام جهاز الأمن والمخابرات، الذي كان حضوره جزءًا أصيلًا من معادلة الاستقرار.وفي بورتسودان، حيث كانت الدولة تُعاد صياغة توازناتها، كان هؤلاء من أوائل من ثبّتوا أركانها، ووضعوا الأسس لمرحلة جديدة، شهدت جهودًا حثيثة لإعادة الحياة إلى طبيعتها، بما في ذلك العمل على عودة المواطنين إلى الخرطوم، في خطوة تعكس إيمانًا راسخًا بأن الدولة لا تكتمل إلا بعودة شعبها”

وزاد بالقول :” لقد كنت شاهدًا من يوم 15 مايو 2023 على كثيرٍ من تلك الجهود، وعلى حجم العمل الذي جرى خلف الكواليس، وهو ما يجعل من الإنصاف، بل من الواجب، أن يُقال إن الفريق الركن دكتور محمد الغالي علي يوسف ليس مجرد امين عام لمجلس السيادة ، بل هو قصة التزامٍ وطني، ونموذج يُحتذى في العطاء والتجرد”.

 

بداية العمل السياسي

لم تكن عملية استعادة الدولة السودانية وعودة المؤسسات والنشاط السياسي والمجتمعي بالأمر الهين، في ظل خروج قيادات من السودان إلى خارج البلاد، وبقاء قيادات أخرى داخل مدن تتعرض للخطر.

في 22 يونيو 2023، أعلن مؤتمر شرق السودان لتوحيد الصف الوطني الذي بمحلية سنكات تكوين جبهة موحدة باسم (الجبهة الوطنية السودانية) برئاسة الناظر سيد محمد الامين ترك.

وأكد المؤتمر الانحياز التام للقوات المسلحة السودانية، والعمل على دعمها وإسنادها. كما رفض المؤتمر التدخل الخارجي بكل أشكاله في شؤون البلاد.

ودعا المؤتمر لإنهاء مهمة مبعوث الأمم المتحدة المتكاملة في السودان، والتحقيق في كشف دوره في تأجيج أسباب الحرب.

كما أعلن تفويض القوات المسلحة التي تشغل المستوى السيادي بتشكيل حكومة قومية لتصريف الأعمال.

ويقول القيادي بالمؤتمر الشعبي تاج الدين بانقا للعودة :” أول من قدم دعوة للقوى السياسية بعد شهور من اندلاع الحرب لتشكيل موقف مساند للقوات المسلحة هو الناظر ترك، حضرت قيادات القوى السياسية من مدينة ود مدني ومن عطبرة ومن سنار في شهر يوليو 2023 إلى مدينة بورتسودان لأول مرة لتشكيل جبهة سياسية بمواقف محددة، وهنالك من جاء من خارج السودان من أسمرا والقاهرة”.

كانت مبادرة أهل شرق السودان التي اجتمعت بتاريخ 14 يونيو /2023 بمدينة بورتسودان، هي أولى اللبنات في استعادة الحياة السياسية بالسودان عقب تشكيل اللجنة العليا للجبهة الوطنية السودانية (مبادرة اهل الشرق) للاعداد لمؤتمر اركويت برئاسة الناظر محمد احمد محمد الامين ترك رئيس المجلس الاعلي لنظارات البجا والعموديات المستقلة ورئيس تنسيقية شرق السودان وبحضور ممثلي كل الكتل السياسية في البلاد والادارة الأهلية.

حضرت قيادات سياسية من ضمنها التجاني سيسي ومبارك الفاضل المهدي وتاج الدين بانقا وبحر إدريس أبوقردة وموسى محمد أحمد ومحمد سرالختم الجاكومي والتوم هجو بالإضافة إلى قيادات الحركات المسلحة إلى بورتسودان لتطوير آليات العمل السياسي عقب نجاح الجبهة الوطنية برئاسة ترك في استعادة البوصلة بالبلاد.

في سبتمبر 2023 تشكل مؤتمر الجبهة الوطنية السودانية الثاني في منتجع أركويت بولاية البحر الأحمر بمشاركة ابرز الكتل السياسية والمجتمعية وقيادات الادارة الاهلية ومن ضمنها الحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية، الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل،المؤتمر الشعبي،حركة تحرير السودان،حركة الاصلاح الآن،تحالف السودان العدالة بحر ادريس ابوقردة، تحالف القوى السياسية السودانية ابوبكر عبدالرازق،الحركة الشعبية تيار السلام دانيال كودي،تحالف احزاب الامة الديمقراطي وحركة المستقبل للاصلاح والتنمية تشارك برئاسة الامين العام محمد الامين احمد محمد

 

ويواصل تاج الدين قوله :” بعد ذلك انطلقت اجتماعات الكتل السياسية في أسمرا والقاهرة وجوبا، لتخرج بعدة اعلانات ومطالب”.

 

عودة الحياة للخرطوم

ومنذ شهر ديسمبر 2025، بدأت الحكومة في العودة تدريجيا إلى العاصمة السودانية الخرطوم قبل أن يعلن رئيس الوزراء كامل ادريس في اليوم الحادي عشر من شهر يناير الماضي انتقال الحكومة رسميا للخرطوم مزاولة أعمالها.

 

سبق ذلك قرار من رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في 11 فبراير 2026، بحل اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة مواطني الخرطوم التي يرأسها عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر.

 

وكان البرهان أصدر في 16 يوليو 2025 قراراً بتشكيل لجنة قومية عليا لتهيئة ولاية الخرطوم للعودة العاجلة للمؤسسات الاتحادية والمواطنين.

 

وعملت اللجنة على استعادة خدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء، كما نشطت في إعمار المرافق الحكومية بما في ذلك مطار الخرطوم، إضافة إلى إبعاد التشكيلات العسكرية من الأحياء السكنية.

 

ويتابع خالد الفحل قوله للعودة وهو يتجول في شوارع العاصمة السودانية بعد غيبة :”الآن الخرطوم عادت لها الحياة ونجحت لجنة اعادة الإعمار فى تطبيع الحياة واستعادة الخدمات الرئيسية الكهرباء والمياة والمؤسسات الصحية والتعليمية واخراج كل المظاهر العسكرية من العاصمة القومية ما عدا شرطة فى مناطق التأمين”

ويضيف :”جهود عظيمة بذلت من اجل اعادة اعمار الخرطوم وتهيئة الأوضاع لضمان عودة المواطنين، وتشهد الآن العاصمة تدفق كبير للمواطنين العائدين من داخل وخارج السودان وبالاخص بعد عودة الحكومة الى مباشرة مهامها الرسمية من داخل العاصمة القومية ،وقد اسمهت عودة الحكومة فى سرعة تنفيذ اعادة الإعمار وما زال العمل مستمر فى قطاع الكهرباء ورصف الطرق واعادة اعمار الكباري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى