بين مطرقة “المنشور السيادي” وسندان “النقل التعسفي”.. 

صراع في أروقة تنمية الخرطوم

تحقيق: عثمان الطاهر

تفتح “العودة” ملفاً شائكاً يتعلق بقضايا الخدمة المدنية في ظل الحرب الدائرة، حيث تبرز على السطح قضية تنقلات الموظفين بين المؤسسات الحكومية، وهي معضلة وضعت “الوزير” في مواجهة “الموظف”. في هذا التقرير، نستعرض فصول الأزمة بين وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، والدكتور عثمان بشير طمبل، المدير العام السابق والمكلف بالوزارة.

طمبل: “التنصل من الوعود والاستهداف الشخصي

يسرد دكتور عثمان بشير طمبل تفاصيل أزمته، موضحاً أنه تدرج في هيكل الوزارة وصولاً لمنصب مدير عام مكلف في عام 2022، ومديراً للشؤون المالية والإدارية. ويقول طمبل: “التزمت بموجهات والي الخرطوم بالعودة للعمل في يونيو 2026، وكان المنشور صريحاً بضرورة عودة كل موظف لموقعه السابق قبل الحرب”.

ويضيف طمبل أن وعود الوزير فريني بعودته لمنصبه ظلت تتكرر دون تنفيذ، حتى تفاجأ بتعيين “ضابط إداري” في مكانه، بل وصدر قرار بنقله إلى محلية الخرطوم كموظف عادي، وهو ما اعتباره “تشفيّاً وإساءة وظيفية” لا تليق بمؤهلاته الأكاديمية (دكتوراه في علم الاجتماع ودبلوم من هولندا). وتساءل بمرارة: “كيف يُنقل استشاري في علم الاجتماع وخبرة جامعية تفوق 9 سنوات إلى وظيفة في محلية، متجاهلين قرار الوالي بالعودة للمواقع السابقة؟”.

الوزير فريني: “حوجة الميدان فوق الاعتبارات الشخصية”

في الطرف الآخر، جاء رد وزير التنمية الاجتماعية، الأستاذ صديق فريني، حاسماً ومدافعاً عن قرارات الإدارة. وانتقد فريني ما وصفه بـ”استعجال” طمبل في رفع الشكاوى للوالي، مؤكداً أن التنقلات أمر طبيعي تحكمه المادة 70 من قانون الخدمة المدنية.

وقال فريني: “المحليات بحاجة للكوادر أكثر من الوزارة في هذه الظروف، ونحن في حالة حرب، وهناك من يعملون تحت القصف ولم يشتكوا”. ورفض الوزير تمسك الموظف بمنصب “مدير الشؤون المالية”، مشيراً إلى أن العمل بالنظام القديم لم يعد مجدياً وأن ظروف الحرب فرضت واقعاً جديداً.

كما كشف الوزير عن جوانب أخرى للقصة، مشيراً إلى أن طمبل أبلغه سابقاً بعدم حرصه على العودة للوزارة لرغبته في العمل بالجامعات العربية، مؤكداً: “لو قدر الظروف وانتظر قليلاً لكنت وفيت بوعدي، لكنه اختار طريق التصعيد”.

أزمة إدارية أم صراع صلاحيات؟

تطرح هذه القضية تساؤلات قانونية وإدارية معقدة:

قانونياً: هل يلغي قانون الخدمة المدنية (المادة 70) المنشورات الاستثنائية الصادرة من والي الولاية بخصوص عودة الموظفين لمواقعهم ما قبل الحرب؟

مهنياً: كيف يتم التوفيق بين “الدرجة العلمية” للموظف (دكتوراه واستشاري) وبين “الدرجة الوظيفية” (الثامنة) عند اتخاذ قرارات النقل؟

أخلاقياً: هل يبرر وضع الحرب “تجاوز” الوعود الإدارية أم أن “فقه الضرورة” يحتم مرونة أكبر في إدارة الموارد البشرية؟

يبقى ملف “طمبل وفريني” نموذجاً لعشرات القضايا المشابهة في أروقة الخدمة المدنية بولاية الخرطوم، حيث تضيع الحلول بين نصوص القانون وتقديرات المسؤولين، وينتظر الموظف إنصافاً يراه “حقاً مكتسباً” بينما يراه الوزير “عرقلة لمسيرة العمل” في زمن الأزمات.

رأي المحرر: إن إعلاء قيمة “الاستحقاق الوظيفي” المقرون بالمؤهل العلمي هو الضمان الوحيد لاستقرار الخدمة المدنية، لكن في المقابل، تظل مرونة المؤسسة في إعادة توزيع كوادرها حقاً أصيلاً لاقتضاء المصلحة العامة، شريطة ألا يتحول “النقل” إلى أداة للعقاب أو تصفية الحسابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى