الإرهاب بين المفهوم والبنية: في تفكيك البنية التمهيدية للإرهاب

*البعد الخامس*.

*الجزء الأول*

*الإرهاب بين التعريف والوظيفة: كيف نفهم المصطلح؟*

*بقلم. صباح المكي*

*مقدمة*

ليس الإرهاب من المصطلحات التي تكتفي بوصف ظاهرة، بل هو من المفاهيم التي تتحول سريعًا إلى أداة إدانة، ونزع شرعية، وتوزيع أخلاقي، وسياسي للفاعل، والضحية. ولهذا، فإن السؤال عن الإرهاب لا يبدأ من صورته الدموية وحدها، بل من معناه أيضًا: ما الذي يجعل فعلًا ما إرهابًا؟ ولماذا ظل العالم عاجزًا عن الاتفاق على تعريف واحد جامع له؟ وأين ينتهي العنف السياسي، وأين يبدأ الإرهاب؟ في جوهره، يمكن فهم الإرهاب بوصفه استخدامًا متعمدًا للعنف أو التهديد به من أجل بث الرعب في جمهور أوسع من الضحية المباشرة، وتحويل الخوف إلى وسيلة ضغط سياسي أو أيديولوجي أو عقائدي. ومن هنا، لا يكون الإرهاب مجرد فعل قتل أو تخريب، بل فعلًا مصممًا بحيث تتجاوز آثاره موقعه المباشر إلى المجال العام كله، لأن الضحية المباشرة ليست دائمًا الهدف النهائي، بل كثيرًا ما تكون وسيطًا لإيصال رسالة أوسع: أن الأمان يمكن اقتحامه، وأن المجتمع كله قابل لأن يعيش تحت وطأة الخوف.

*لماذا يصعب تعريف الإرهاب؟ ومن يملك حق التسمية؟*

رغم الحضور الكثيف لمصطلح الإرهاب في الخطاب السياسي والإعلامي والقانوني، فإن العالم لم يصل حتى الآن إلى تعريف دولي موحّد ومتفق عليه بالكامل. وليس سبب ذلك نقصًا في القدرة على الصياغة أو عجزًا في اللغة، بل لأن المصطلح نفسه يقع في قلب نزاع يتجاوز الوصف إلى الشرعية وسلطة التسمية. فحين يُطرح سؤال: ما الإرهاب؟ لا يكون الخلاف على طبيعة الفعل وحدها، بل أيضًا على هوية الفاعل، وعلى ما إذا كان عنف الدول يدخل ضمن التعريف أم يُستثنى منه، وعلى موقع حركات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وعلى ما إذا كان التعريف ينبغي أن يُبنى على الوسيلة المستخدمة، أم على نوع الهدف، أم على الغاية السياسية أو الأيديولوجية الكامنة وراء الفعل.

ولهذا، لم يكن تعثر الوصول إلى تعريف شامل ونهائي مسألة تقنية، بل نتيجة مباشرة لهذا التشابك بين القانون والسياسة. وقد دفع ذلك النظام الدولي عمليًا إلى تجريم أفعال محددة ترتبط بالإرهاب بدل حسم تعريف كلي جامع. فهناك اتفاق واسع على إدانة خطف الطائرات، وأخذ الرهائن، وتمويل الإرهاب، والتفجيرات الإرهابية، والهجمات على المدنيين، لكن هذا الاتفاق يضعف كلما اقترب النقاش من سؤال الدولة، أو المقاومة، أو الانتقائية في إنزال الوصف على بعض الفاعلين دون بعض.

ومن هنا، لا يكون الإرهاب مجرد ظاهرة عنف فحسب، بل أيضًا ساحة صراع على المعنى. فالمصطلح لا يعمل بوصفه أداة وصف قانوني فقط، بل بوصفه وسيلة لتوزيع الشرعية ونزعها، ورسم الحدود بين الجريمة والمقاومة، وبين الردع والعدوان، وبين العنف الذي يُدان والعنف الذي يُعاد تغليفه تحت عناوين أخرى. ولهذا قد تُستخدم تهمة الإرهاب أحيانًا لعزل خصم سياسي، أو نزع الشرعية عن حركة مقاومة، أو مصادرة سياق نزاع معين، في حين قد يُستبعد عنف الدول من الدائرة نفسها لأسباب تتعلق بموازين القوة والمصلحة أكثر مما تتعلق بمنطق المفهوم نفسه.

لهذا كله، فإن النقاش الجاد حول الإرهاب يقتضي قدرًا عاليًا من الدقة، لا التوسع الفضفاض في المصطلح، ولا استخدامه بصورة انتقائية. فاختلال التسمية لا يربك الفهم فقط، بل قد يربك العدالة نفسها، لأن من يملك سلطة تعريف الإرهاب يملك، إلى حد بعيد، سلطة رسم الخريطة الأخلاقية والسياسية للصراع.

*أنواع الإرهاب وخصائصه: تصنيف إجرائي لا تعريف نهائي*

نظرًا إلى غياب تعريف دولي موحّد ومتفق عليه بالكامل للإرهاب، تميل الأدبيات السياسية والقانونية إلى التعامل معه عبر تصنيفات إجرائية وخصائص متكررة تساعد في فهم الظاهرة وتمييز أنماطها المختلفة. وهذه التصنيفات ليست نهائية ولا محل إجماع كامل، لكنها تظل مفيدة في التحليل والفهم والمقارنة، لأنها تكشف أن الإرهاب ليس نمطًا واحدًا مغلقًا، بل ظاهرة متعددة الأشكال والوظائف والسياقات.

فمن حيث الجهة المنفذة، يمكن الحديث عن إرهاب تمارسه الدولة أو من يعمل باسمها، وإرهاب تمارسه جماعات غير حكومية تسعى إلى تحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية من خلال العنف والترويع، كما يمكن أن يظهر في صورة إرهاب فردي ينفذه أشخاص يعملون بمفردهم دون ارتباط تنظيمي مباشر، لكنهم يتأثرون عادة بأفكار متطرفة أو عنصرية أو عقائد عنيفة. وهذا التمييز مهم، لأنه يوضح أن الإرهاب لا يرتبط بصورة تنظيمية واحدة، ولا يقتصر على جماعات مسلحة ذات هياكل واضحة، بل قد يصدر أيضًا عن أفراد أو عن أجهزة دولة كاملة.

ومن حيث الدافع أو الخلفية الأيديولوجية، يتخذ الإرهاب صورًا متعددة. فقد يكون سياسيًا يهدف إلى تغيير النظام، أو الضغط على الحكومة لاتخاذ قرار معين، أو تقويض سلطة قائمة، أو طرد قوة احتلال. وقد يتخذ صورًا فرعية مثل الإرهاب اليساري، أو اليميني، أو الانفصالي. وقد يكون دينيًا حين يُستخدم الدين، أو تفسير متطرف له، لتبرير العنف وإضفاء مشروعية مقدسة عليه. كما قد يظهر في صورة أقل شيوعًا في الخطاب العام، مثل الإرهاب البيئي، أو يقترب من منطقة التداخل مع الجريمة المنظمة حين يُستخدم الترويع على نطاق واسع لخدمة مصالح مادية أو لحماية شبكات تهريب وابتزاز وتجارة غير مشروعة.

ومن حيث النطاق الجغرافي، قد يكون الإرهاب محليًا محصورًا داخل حدود دولة واحدة، وقد يكون دوليًا أو عابرًا للحدود حين تتعدد الدول الداخلة في الفعل، أو الدعم، أو التمويل، أو الاستهداف، وقد يكون عابرًا للأقاليم داخل نطاق جغرافي أوسع من دولة واحدة من دون أن يبلغ بالضرورة مستوى الانتشار العالمي. وهذا التمييز ليس مجرد تفصيل تقني، لأن اتساع النطاق يغيّر طبيعة المواجهة نفسها: فما يُدار أمنيًا داخل دولة واحدة لا يشبه ما يستدعي تعاونًا استخباريًا وماليًا وقانونيًا عابرًا للحدود.

أما من حيث الخصائص أو السمات المتكررة، فالأدق ألا نتعامل معها بوصفها شروطًا قطعية ونهائية، بل بوصفها عناصر تساعد على التمييز بين الإرهاب وغيره من أشكال العنف. ومن أبرز هذه السمات: استخدام العنف أو التهديد به، واستهداف المدنيين أو غير المقاتلين أو الفضاءات المدنية، وإنتاج الخوف العام، والارتباط بدافع سياسي أو أيديولوجي أو عقائدي، والطابع الرمزي للأهداف، والسعي إلى الأثر الإعلامي، وكون الرسالة موجهة دائمًا إلى جمهور أوسع من الأشخاص الذين أصابهم الفعل مباشرة. وبهذا المعنى، فإن الإرهاب لا يكتفي بإيقاع الضرر، بل يحرص على أن يكون الضرر نفسه رسالة.

وفي العصر الحديث، اتسعت أشكال الإرهاب أيضًا لتشمل أنماطًا خاصة مثل الإرهاب السيبراني الذي يستهدف البنى التحتية الحيوية عبر الهجمات الإلكترونية، والإرهاب البيولوجي والكيميائي، والإرهاب النووي أو الإشعاعي. وهذا يبين أن الإرهاب ليس بنية جامدة تنتمي إلى نمط تقليدي واحد، بل ظاهرة تتكيف مع أدوات العصر، وتستعير من تطوره التقني وسائل جديدة لإنتاج الذعر والتخريب والضغط. ولا تعني هذه التعددية غياب الجوهر، بل تكشفه بصورة أوضح. فمع تعدد الفاعلين والدوافع والأشكال، يبقى هناك خيط ناظم يربط بينها جميعًا: توظيف العنف أو التهديد به لإنتاج الخوف العام وتحقيق غايات تتجاوز الضحية المباشرة. ولهذا، فإن فهم أنواع الإرهاب وخصائصه ليس ترفًا نظريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي مقاربة جادة، لأن مواجهة إرهاب الدولة لا تشبه تفكيك شبكات الإرهاب العابر للحدود، كما أن التعامل مع الذئب المنفرد يختلف جذريًا عن مواجهة الإرهاب السيبراني أو التنظيمات العقائدية المسلحة.

*ليس كل عنفٍ إرهابًا*

لكن تعدد الأنواع والخصائص لا يعني أن كل عنف يدخل تلقائيًا في باب الإرهاب. فالعنف السياسي، مثلًا، مفهوم أوسع يشمل الانقلابات، والاغتيالات السياسية، والقمع الدموي، والتمردات المسلحة، والحروب الأهلية، وسواها. أما الإرهاب فهو نوع خاص من هذا العنف، يتميز بأن الخوف العام جزء مركزي من بنيته ووظيفته. وكذلك لا يجوز الخلط بين الإرهاب والجريمة المنظمة، لأن الأخيرة، رغم ما قد تستخدمه من عنف شديد، تسعى أساسًا إلى الربح والسيطرة والنفوذ غير المشروع، لا إلى فرض رسالة سياسية أو أيديولوجية عامة. أما العلاقة بين الإرهاب والمقاومة فهي الأكثر حساسية، لأن عدالة القضية لا تمنح حصانة مطلقة لأي وسيلة، كما أن وصم كل مقاومة بالإرهاب ليس تعريفًا محايدًا، بل استخدام سياسي للمصطلح. والفاصل الحاسم هنا ليس الشعار المرفوع، بل طبيعة الهدف والوسيلة: فعندما يكون الاستهداف متعمدًا للمدنيين أو للفضاء المدني بقصد الترويع، نكون في منطقة الإرهاب، مهما كانت القضية التي يُرفع اسمها فوق الفعل.

*إرهاب الدولة: حين يصبح الخوف سياسة داخلًا وخارجًا*

إذا كان الإرهاب، في صورته الأكثر شيوعًا، يُنسب إلى جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، فإن الصورة الأشد تعقيدًا والأكثر خطورة تظهر حين تتحول الدولة نفسها إلى منتج منهجي للخوف. وهنا يبرز ما تصفه الأدبيات السياسية والحقوقية بمفهوم إرهاب الدولة: أي استخدام أجهزة الدولة، أو من يعمل باسمها وتحت حمايتها، للعنف المنظم والترويع ضد المدنيين أو المعارضين أو جماعات بشرية بعينها، سواء داخل حدود الدولة أو خارجها، بهدف الإخضاع، أو الردع، أو العقاب، أو فرض الإرادة السياسية والعسكرية. وصحيح أن هذا المفهوم لا يحظى بإجماع قانوني دولي كامل بالصيغة نفسها، وأن القانون الدولي يفضّل في كثير من الأحيان أوصافًا مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو العدوان، بحسب السياق، لكن قيمته التفسيرية تبقى كبيرة، لأنه يكشف اللحظة التي لا يعود فيها الخوف أثرًا جانبيًا للقوة، بل يتحول إلى أداة حكم وهيمنة.

وقد يأخذ إرهاب الدولة صورتين متكاملتين: صورة داخلية، حين تستخدم السلطة الخوف لإخضاع المجتمع الذي تحكمه، عبر الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والإخفاء القسري، والعقاب الجماعي، والقصف المتعمد أو العشوائي للمجالات المدنية، وصورة خارجية، حين تُستخدم أدوات الرعب نفسها ضد شعوب أو دول أخرى، من خلال القصف الممنهج للمدنيين، والحصار، والتجويع، والاغتيالات العابرة للحدود، وتخريب البنى المدنية، بهدف كسر الخصم أو فرض وقائع سياسية وعسكرية بالقوة. وهنا لا يكون الإرهاب مجرد انحراف في استخدام السلطة، بل يصبح جزءًا من منطقها نفسه: لا تحكم بالخوف فقط، بل به أيضًا، ولا تفرض الإرادة بالقوة فقط، بل عبر جعل الرعب رسالة مستمرة تتجاوز الضحايا المباشرين إلى مجتمع كامل أو شعب كامل.

*خطاب الكراهية: البنية التمهيدية للإرهاب*

لكن الإرهاب لا يبدأ دائمًا بالقنبلة أو الرصاصة. كثيرًا ما يبدأ بالكلمة التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وتعيد تعريفه بوصفه خطرًا جماعيًا أو عنصرًا دخيلاً أو عدوًا يستحق الإقصاء. ومن هذه الزاوية، لا يكون خطاب الكراهية والعنصرية إرهابًا بالمعنى الضيق في كل الأحوال، لكنه قد يكون مقدمته الأخطر، لأنه يصنع المناخ الذي يصبح فيه العنف ممكنًا، بل قابلًا للتبرير. فحين تُستخدم اللغة لنزع الإنسانية عن جماعات بعينها، وتقديمها بوصفها تهديدًا وجوديًا، وتبرير استهدافها، وبث الخوف في صفوفها، فإن الخطاب يغادر حدود التمييز اللفظي ويدخل في البنية التمهيدية للإرهاب. إنه لا يريق الدم مباشرة دائمًا، لكنه يفتح المسافة الأخلاقية والنفسية بين الجاني وضحيته، ويجعل الاعتداء أكثر سهولة في التخيل والتبرير والقبول العام.

*خاتمة*

الإرهاب، إذن، ليس مجرد فعل دموي معزول، ولا مجرد انفجار في شارع أو هجوم على هدف مدني، بل بنية أعقد من ذلك بكثير: بنية تستخدم الخوف لتشكيل السياسة، وتوظف العنف لإعادة ترتيب المجال العام، وتتحرك في منطقة ملتبسة يتداخل فيها القانون مع الأخلاق، والتعريف مع السلطة، والحدث مع الرواية التي تُبنى حوله. ومن هنا، فإن فهم الإرهاب لا يكتمل بمجرد إدانته، بل يقتضي تفكيك منطقه، وضبط حدوده، والتمييز الدقيق بينه وبين سائر أشكال العنف، كما يقتضي الانتباه إلى أن المعركة عليه ليست معركة أمنية فقط، بل معركة على المعنى أيضًا.

وإذا كان هذا الجزء قد انشغل بالسؤال النظري: ما الإرهاب؟ وكيف يُعرَّف؟ ولماذا يظل مفهومًا متنازعًا عليه؟ فإن الخطوة التالية لا تكون البقاء في مستوى التعريف، بل الانتقال إلى حقل التطبيق، حيث تُختبر المفاهيم في الواقع لا في المعاجم. هناك، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يعمل الإرهاب فعليًا؟ وكيف تتحول اللغة، والوصم، ونزع الإنسانية، وخطاب الكراهية، إلى تمهيد مباشر للترويع والعنف الجماعي؟ هنا يبدأ الجزء الثاني، لا من التنظير للمفهوم، بل من تتبع تجلياته الحية، حين تُستباح اللغة أولًا، ثم يُستباح الإنسان بعدها.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى