خطاب الكراهية.. مسبباته ومعالجاته

بقلم: عميد م. دكتور عبد العظيم نور الدين الحسن

*مدخل*

ظل المجتمع السوداني بكل مكوناته، وفي جميع عصوره محافظاً على نسيجه الاجتماعي ذلك الارث الذي بلورته حضاراته الأولى الممتدة في أعماق التاريخ، وصقلته قيمه الدينية وأعرافه وتقاليده السمحة التي تميز بها بين الشعوب. ولكننا نجد أن بعض تلك القيم قد أصابتها بعض الخدوش تركت أثارها على جبين ذلك المجتمع الناصع. ولاشك أن هذه الحرب اللعينة المفروضة على الشعب السوداني كان لها الأثر المباشر في توليد وانتشار خطاب الكراهية. حيث وجدت الحاضنة المساعدة في بث روح الكراهية واعمال معاول الهدم لتفتيت وحدة الشعب واشعال أوار حرب الكراهية.

هذه المقالة محاولة لفهم خطاب الكراهية، وسماته وخصائصه، والعوامل المساعدة في انتاج ذلك الخطاب -ثم ما الدور المتكامل للإعلام والدوائر الرسمية والمنظمات الوطنية في مواجهة خطاب الكراهية؟

وخطاب الكراهية يعني أي تعبير أو تصرف يروج للكراهية أو التمييز أو العنف ضد فرد أو جماعة يسبب خصائصهم العرقية أو الدينية أو اللون أو النوع. ويتميز خطاب الكراهية بأنه:-

1.خطاب عاطفي مثير للمشاعر، من أجل كسب عقول الجمهور والتركيز على القضايا الخلافية والنبش في المخزون التاريخي. واستحضار أكثر القضايا حساسية واثارة للكره والبغضاء.

2.التعبير الفض عن وجهة النظر الخاصة وتوظيفها من قبل الجهات المتطرفة في خلق العديد من الأزمات في ظل غياب منظومة قوانين تنظم استخدام وسائل الاتصال. وتحمي المجتمعات.

3.توظيف الصورة والفيديوهات بطريقة صارمة . وجعل من الصورة الأداة الأبرز لبث الكراهية في عالم تسوده ثقافة الصراع ، اذ توظف الصورة لمخاطبة الموروث الثقافي المتشكل بفعل ممارسات وتراث فرعي مشوش. والتركيز على الصور والفيديوهات التي تدعو للتحريض وإشاعة العنف وتفشي الكراهية بين نسيج المكونات الاجتماعية، متسترة بعناوين عنصرية، أو دينية وأحيانا. ً ترتدي ثوب الوطنية كمنطلق لنشر خطابها الرامي إلى بث سموم التحريض واشعال نيران الفتنة بين أبناء المجتمع.

 

*مؤشرات خطاب الكراهية*

1.خطاب تصعيدي: وقد شكلت اللغة التصعيدية العنيفة أحد أبرز معالم الخطاب الإعلامي حتى تركت تلك اللغة أثرها واضحا ً على أنها لغة تصعيدية عنيفة مثيرة للكراهية. التي تناولت ذلك الخطاب وصنفته تصنيفات متعددة على أسس مختلفة الابعاد جميعا

2.خطاب تحريضي وانفعالي ، وقد يكون ذلك من مستلزمات العمل السياسي في ظرف ما باستخدام التحريض والكراهية، بديلاً عن الخطاب الاعلامي المتوازن.

3.الانتقائية بالتوجه الى جمهور محدد، وترك الاخر ورأيه دون الوصول إليه أو إهماله وذلك يؤدي إلى فرض لغة التطرف واستخدامها بتفسيرات لها أبعاد عنصرية أو مذهبية تحاكي مصالح جماعة محددة.

4.المغالطة واخفاء الحقائق من خلال اظهار جزء منها أو اخفاء عائديه الوسيلة الاتصالية أو مصدر المعلومات، فضلاً عن عدم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية واستخدام العبارات المبهمة لتحقيق مقصدها

5.التشويش وعدم الوضوح أو تطابق المعنى المقدم، ويدخل في ذلك الخطأ في اختيار الوسيلة المناسبة للنص، والضعف في استخدام الكلمات ومعانيها، وصعوبة الحصول على رجع الصدى من طرف الجمهور بما يسمح للمرسل بالتعديل أو الاستمرار-

6.خطاب مواجهات صدامية بما يؤجج روح الكراهية. وكذلك الاسفاف والابتذال للعديد من البرامج المقدمة على حساب الجودة والمبالغة في تصوير الممارسات الكراهية.

7.المبالغة في تصوير الممارسات الكراهية والحرص على نقل ردة الفعل الناتجة عن الممارسات الوحشية وإظهارها بصيغة أفعال ً محلية منظمة ومقصودة وهو أمر يسهم في التأجيج والدفع بشرائح محايدة إلى اتخاذ مواقف معادية انطلاقاً من نزعة قومية أو دينية وأحيانا مناطقية وهي بموجبها تولد مشاعر كراهية وتخلق ثقافة الانتقام في التعاطي مع الأزمات، وتفتح باباً لمروجي الاشاعات وبالتالي يساعد في نسف التعايش السلمي. وضرب السلام الاجتماعي.

8 خطاب لتشويه الفكر وإغلاق منافذ الرؤى لدى الجمهور اذ يتعرض إلى إعلام يتحدث معه بلغة تكتيكية تحمل أدوات لها وزنها الفكري والسياسي، تتظاهر بأنها تتوخى الحيادية ً.

9. خطاب أيديولوجي فالمنخرطين فيه ينتمون عادة الى أيديولوجيات معينة، يسعون الى ترويجها، والتعديل في انجازاتها مما يخالفها من أيديولوجيات اخرى، وبالتالي فإنها تسعى إلى بناء منظومة لغوية تحاكي المتنفذين مع إظهار الحيادية في الطرح وبتحديد ذلك تجدها تصب في صالح الايدولوجيات القائمة على العنف والاحادية الفكرية . ويتشكل في السعي إلى ابراز على ما (لدينا) من محاسن. وما لدى (الخصم) من مساوئ واغفال ما لدينا من مساوئ. مع اغفال ما لدى الخصم من محاسن.

 

*عوامل أنتشار خطاب الكراهية*

الاضطراب السياسي، وضعف الثقافة والتعليم في المجتمعات.

أنشاء قنوات ومواقع للتواصل الاجتماعي لغرض الترويج للكراهية وبث روح العنصرية والطائفية

ضعف التشريعات والقوانين التي تحد من خطاب الكراهية.

 

*العوامل المساعدة في انتاج خطاب الكراهية*

1/ دخول الساحة الاعلامية، وكذلك السياسية والمجتمعية في ظل ازدواجية معقدة تنتج خطابين متناقضين كل منهما يدعي الأحقية والصواب . فضلاً عن بناء منظومة من الأفكار بلغة دعائية مجحفة لتمرير واقع جديد وادخال مفاهيم غريبة على المجتمع.

2/ الانحياز تجاه خطاب اعلامي في شكل حوار منفرد في سيناريو معد لجمهور سلبي يستقرئ فيه تلقي الحقائق المطلقة الجاهزة دون مراجعة، فالجمهور في نظر هذه القنوات مستهلكا لذا تقدم له فتاوى جاهزة لكل ما يتعرض من قضايا وأحداث.

3/ التغطية غير المتوازنة للأحداث: وذلك من أجل دس الافكار الايديولوجية ، والانتقال الى النفعية دون شروط أخلاقية، وكذلك انتقاء الأحداث بدلاً من عرض الوقائع.

 

استراتيجية مواجهة خطاب الكراهية

تعتمد الخطوط الرئيسة

 

الاستراتيجية لمواجهة الكراهية على مستويين : الاول يختص بالخطاب الاعلامي على المستوى المهني، والثاني يختص بالخطاب الاعلامي على مستوى المضمون. وهما كالآتي:-

 

أولاً: استراتيجية مواجهة الكراهية على المستوى المهني

 

تعد صناعة المعلومة من المهام الاساسية لوسائل الاعلام بكونها وسيلة جماهيرية. ولمواجهة خطاب الكراهية لابد من:

1 –الفاعلية: أي القدرة على ايصال المعنى بإبعاد المعنى ودلالات لها وقع الانتباه لدى الجمهور. ويدخل هنا نوع الوسيلة المستخدمة، وطرق العرض المبتكر فيها ومساعدة العناصر غير اللفظية في صور وإيضاحات ورسوم ومؤثرات صوتية في تقديم خطاب تصالحي متسامح مستند على المشتركات الجامعة لأطياف ومكونات المجتمع المختلفة.

2 -التنويع والالتزام: ان القوة التأثيرية لوسائل الاعلام تتطلب الارتقاء بوسائل الابهار والتشويق والارتقاء بمستوى الفهم لدى الجمهور، ويتوجب ذلك الابتعاد عن العبا ارت الجاهزة أو التجريد الغامض، والالفاظ المشحونة بالكراهية ذات دلالات تاريخية مقصودة، فضلاً عن الابتعاد عن الكلمات المبتذلة والحادة، التي تسيء الى مصالح قطاع معين من الجمهور وتجعله ينفر من الوسيلة الاعلامية والجهات التي تدعم هذه الوسيلة سواء كان مذهب وطائفة أو حزب.

3 -التدرج والمناشدة: أي استثارة الرغبات العقلية، العاطفية، الحركية، وخلق روح التفاؤل لدى الجمهور وعدم محاولة اخفاء المقاصد وراء السطور واعطاء المعنى والقيم الدلالية المطلوبة على أن تكون الغايات نبيلة وذات قصد مشروع، وبالتالي تشترك هذه الأساليب في إيصال لغة تصالحية سليمة المعنى واضحة الاهداف.

4 -مراعاة التوقيت الزماني والمكاني واعتماد لغة خطاب يناسب الجميع، فضلاً عن احترام دور الجمهور الاجتماعي ودعم قيمه الذاتية بما يولد الرغبة لديه في المشاركة الفعالة مع الوسيلة الاعلامية

5 -عدم التذبذب في المضمون: هناك بعض القيود التي تفرض التعامل مع الجمهور كمستهلك لا مشارك، لذا يستوجب الدقة والجودة وعدم التذبذب في المضمون حتى الا تتضارب الآراء والاتجاهات، وكي لا تخلق حالات من عدم اليقين وفقدان الاطمئنان وبالتالي فقدان الثبات على موقف جامع موحد يجمع مختلف ابناء المجتمع على صعيد واحد.

6 -الموضوعية: اي اظهار الاهتمام عن طريق الجدية في الطرح، والدقة في التعبير، والوضوح في المعنى المقدم، والتحقيق من مصادر المعلومات.

7 -الايجاز: أي اعتماد المفردات والجمل المختصرة والتي تقدم معنى واسعا، ذلك ان وقت الجمهور لا يتناسب مع الحشد والتطويل، ويتطلب ذلك المعرفة بدلالات الالفاظ واستخدامها بشفافية وابعاد المعقد منها.

8 -التكامل والمطابقة مع فكر الجمهور باختيار العبارات التي لها دلالات مشابهة للتي يتداولها أو يفهمها، ذلك أن صعوبة الفهم والتفسير تقود إلى النفور عن المواقع والبحث عن غيرها، ويدخل في ذلك مراعاة الخلفية الفكرية والاوضاع الانسانية لذلك الجمهور.

9 -التجديد: باستخدام مفردات ورموز متجددة تتناغم وتلائم روح العصر دون المساس بأصالة اللغة وبلاغتها.

10 -تجاوز الذاتية المتضخمة: هذا يستدعي النظر بمنظور أن الناس سواسية واستحضار الكون بأسره لا الانزواء داخل ذاتيات عشائرية أو قبلية أو عنصرية

11 -إجادة مهارة التواصل مع فئات الجمهور المختلفة: والعمل على تشجيع التواصل والحوار بين أفراد هذا الجمهور المختلف والمتنوع.

 

ثانياً: استراتيجية مواجهة الكراهية على مستوى مضمون الخطاب الاعلامي

 

إن الثقافة الجديدة تتجه نحو حول المشاركة في صنع القرار مما يجعل من المهم جدا توظيف التقنيات الحديثة في بث وصياغة الرسائل الاعلامية ضد الكراهية.

1 -الاهتمام بحملات الدعاية المضادة لمواجهة الدعاية التي يشنها مروجو خطابات الكراهية لأجل خلق حالة توازن فكري ومعلوماتي ونفسي للوقاية من دعاية مروجي الكراهية.

2. تنظيم حملات واسعة تشمل تغطيات اعلامية متواصلة لإبراز المآسي الانسانية والفواجع التي يخلفها الكره على الناس الابرياء، والاطفال والامهات.

3 -إنتاج تقارير وأفلام وثائقية لتفنيد الجهد الاعلامي لمروجي الكراهية وكشف بطلان وزيف الافكار التي يروجون لها ويبررون بها جرائمهم ضد الناس والحياة في كل مكان.

4 -معرفة خصائص الجمهور وتقديم رسالة اعلامية مضمونها الامل في المستقبل وحتمية الانتصار على الكراهية لرفع الروح المعنوية للمواطنين،

5 – الحرص على عدم تحويل مواقع التواصل الاجتماعي الى وسط ناقل لرسائل الكراهية من أصحاب الفكر المأزوم ورسائل التطرف الديني التي تكسب المأزومين والمتشددين في كل أنحاء العالم نفسياً.

6- النظر بمستوى متوازن الى فئات المجتمع والتعامل بموضوعية مع أحداثها وقضاياها لتحقيق السلام والتعايش السلمي في ظل التنوع الثقافي.

7. اجراء الندوات والورش الحوارية للتثقيف ضد خطابات الكراهية, توضح كيفية الحد من آثاره.

8. انشاء قنوات اعلامية تقوم على الاعتدال والوسطية. ومن منح النشطاء مساحة كافية من الحرية للتوعية بالمخاطر والاثار الناجمة عن خطابات الكراهية ضد الاخر.

 

دور الاتحادات والمنظمات باتخاذ خطوات لمواجهة الكراهية

 

هنالك حاجة الى يقظه مجتمعية ومسؤولية سياسية والدعوة لتعزيز قيم التنوع المجتمعي وشيوع ثقافة التسامح والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع وعدم التمييز بين فئاته. واظهار دور مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة خطاب الكراهية. وتثقيف الجمهور حول المجموعات المختلفة التي تسهم في نسج وشيوع ثقافة خطاب الكراهية لمواجهة ذلك بنوع من الشجاعة الادبية والثقافية. ولذلك لا بد من:

1/ العمل على الحفاظ على التمايز الثقافي والتوجه نحو استيعاب متطلبات المجتمع والتعايش معها، وذلك لضمان الا يكون الحوار ساحة للجدل العقيم. وتعزبز ثقافة التسامح التي توجه المجتمع الى ولاء عام يعلو على الولاءات الفردية.

2/ قامة المساواة بينهم في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الجنس، أو القومية، أو العرق، والدين، وتقديم قاعدة للاندماج الاجتماعي بالقضاء على التعصب ورفع قيمة المشاركة الجماعية في كل نشاطات الدولة والمجتمع.

3/ على مؤسساتها الدولة التربوية، والتشريعية، والقانونية، وبمعاونة قادة الرأي من رجال الدين ومالكي المنافذ الاعلامية والاكاديميين ومنظمات المجتمع المدني إجراء حوارات معمقة من اجل وضع تدابير لتنفيذ خطة عمل لمكافحة مظاهر الكراهية الدينية، والقومية، والعرقية، التي تحرض على التمييز او العداوة أو العنف.

 

اجراءات فنية وقانونية

 

1.الكشف على المواقع التي تحرض على الكراهية. وتوعية الجمهور حتى لا ينجرف وراء كل ما ينشر من معلومات مزيفة ومغرضة. وتعديل البرمجيات بشكل يسمح بإزالة منشورات المحرضة على الكراهية قبل مشاهدتها.

2.تكثيف الضغط الدولي على شبكات التواصل الاجتماعي.. ووضع مدونة سلوكية بين وسائل التواصل والاتحاد الدولي.

3.اصدار تشريعات تهدف للحد من شيوع خطاب الكراهية. ووضع لوائح ومدونات سلوكية للالتزام بها وتبرز أخلاقيات الاعلام وتنبع من واقع المسؤولية الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى