منى أبو زيد تكتب :هناك فرق – نتيجة راجحة..!

“هناك فرق بين أن ننجو وأن نعيش”.. الكاتبة..!
بعد مرور سنوات على اندلاع هذه الحرب لن يعود الشباب في هذا البلد أبداً كما كانوا، ولن تعود السياسة كما كانت. شيء ما قد انكسر في الداخل، شيء جميل لا يُروى في القصص المجردة، لكن فقدانه يعيد ترتيب المعاني كلها “الوطن، السلطة، الخوف، والأمل”..!
جيل ما بعد الحرب لن يثق بسهولة لأنه قد رأى بأم عينه كيف يمكن أن تتحول الشعارات إلى ركام، وكيف يمكن أن تُختزل الأوطان في بيانات عسكرية متبادلة، ثم تُعاد صياغتها في خطابات نصر لا تشبه إلياذة الخراب التي عاشها..!
هذا الجيل لم يقرأ عن فجيعة البلاد والعباد في أصحاب الشعارات السياسية وهو يتصفح الكتب، بل عاشها كاختبار يومي للبقاء، ولذلك فهو لا يتعامل معها كفكرة، بل كمسؤولية ثقيلة أو كخدعة يجب تفكيكها. ومن هنا يبدأ التحول..!
جيل ما بعد الحرب لن يبحث عن الزعيم بقدر ما يبحث عن المعنى. لقد تعب من فكرة “المُنقذ” التي تُباع في أوقات الخوف، ثم تُستبدل بخيبات طويلة. هذا الجيل سوف يشكّ في البطولة، وسوف يخاف من التصفيق، وسوف يعيد النظر في كل ما يُقدَّم له كحقيقة نهائية..!
السياسة بالنسبة له لن تعود خطاباً فوقياً، بل تجربة شخصية. لن تُقاس شعبية الأحزاب بعدد مقاعدها في البرلمانات، بل بقدرتها على أن تجتنب كل المثالب، وأنا تمنع وقوع كل المصائب التي يمكنها أن تجعل التاريخ يعيد نفسه بمثل هذه الحرب..!
سوف تحدث المفارقة التي لا ينتبه لها كثيرون.
هذا الجيل الذي يبدو أقل حماسة للسياسة هو في الحقيقة أكثر وعياً بها، والذي يبدو أقل صخباً هو في العمق أكثر راديكالية. إنه لا يريد أن يهدم الدولة، بل يريد أن يفهم لماذا انهارت أصلاً. لا يريد أن يثور فقط، بل يريد أن يعرف “ضد ماذا ولماذا وإلى أين”..!
جيل ما بعد الحرب سوف يعيد تعريف السياسة من كونها صراعاً على السلطة، إلى كونها سؤالاً عن العدالة. من كونها لعبة مصالح، إلى كونها اختباراً للأخلاق. وربما لهذا السبب تحديداً سوف يبدو مزعجاً للأنظمة القديمة، لأنه لا يلعب بالقواعد نفسها، ولا يصدق اللغة نفسها، ولا يخاف بالطريقة نفسها..!
هذا الجيل سوف يتقن الصمت حين يكون الكلام بلا معنى، وسوف يتقن الرفض حين يصبح القبول خيانة. ولن يرى في الاستقرار قيمة مطلقة إذا كان ثمنه الصمت، ولن يرى في الفوضى خياراً إذا كانت تعيد إنتاج الألم نفسه..!
لكن ربما كانت هذه هي المعضلة الأعمق، أن هذا الجيل سوف يحمل داخله تناقضات موجعة، سوف يبدو وكأنه يريد أن يثق لكنه لا يستطيع.، كأنه يريد أن يبني لكنه لم يرَ نموذجاً يحتذى. كأنه يريد أن يؤمن لكنه سوف يكون قد خرج من هذه الحرب وهو أقرب إلى الكفر بمعظم الشعارات منه إلى الإيمان بجدواها..!
إعادة تعريف هذا الجيل للسياسة لن تكون مشروعاً مكتملًا، بل رحلة شاقة بين الذاكرة والاحتمال، وبين ما عاشه وما يحاول ألا يكرره. ربما لن يكتب هذا الجيل دساتير مثالية، ولن يصنع أنظمة بلا عيوب، لكنه – على الأقل – لن يقبل بالكذب بسهولة، ولن يمنح ثقته مجاناً، ولن ينسى أن السياسة في النهاية ليست لعبة للكبار فقط، بل حياة كاملة تُدفع أثمانها من أعمار وأقدار كل الناس..!
حتماً سوف يكون هناك فرق بين جيل فهم السياسة من الشعارات والخطب، وجيل آخر فهمها من الدانات والمسيرات والذخائر الحية، واللجوء والنزوح ومعايشة كافة أشكال الظلم والفقد والخذلان. فكيف ينسى إذاً وكيف يغفر!.
munaabuzaid2@gmail.com



