هل السودان في مفترق طرق.. ؟
تحديد الأطراف وهندسة الانتقال.. تحديات ما بعد الرصاص

استعصاء سياسي في انتظار “مبادرة وطنية”
محلل سياسي: “الاتفاق الإطاري” قاد للصدام
مصباح: الحوار السوداني–السوداني هو المخرج الوحيد لإنهاء “عسكرة الدولة”
أسمهان إسماعيل: التدخلات الخارجية أشعلت الحرب
تقرير: عماد النظيف
بينما تطحن الحرب ما تبقى من بنية الدولة السودانية، يتصاعد في الأفق ضجيج الأسئلة المؤجلة حول “كيف يُحكم السودان؟” ومن هم “أصحاب الحق” في الجلوس على طاولة التفاوض. لم تعد الأزمة مجرد صدام عسكري، بل تحولت إلى استعصاء سياسي ناتج عن تراكمات الفشل في إدارة التنوع وإقصاء المكونات، مما يضع القوى الوطنية أمام اختبار تاريخي: هل ينجح السودانيون هذه المرة في إنتاج “وصفة استقرار” وطنية خالصة، أم سيعيدون إنتاج الأزمة بذات الأدوات القديمة؟
تتجلى الأزمة السودانية اليوم كصراع محتدم بين شرعيات متصادمة، حيث يتجاوز الخلاف مجرد السلاح إلى رؤى سياسية متناقضة حول شكل الدولة ومستقبل الحكم. ورغم الإجماع الصوري على ضرورة وقف القتال وتدفق المساعدات، إلا أن “الشيطان يكمن في التفاصيل” السياسية والترتيبات الدستورية.
ثلاثة مسارات لتفكيك الاستعصاء
يمكن قراءة المشهد السياسي السوداني الحالي من خلال ثلاثة مسارات متباينة في منطلقاتها وأهدافها: مسار “الرباعية الدولية” يركز على إيجاد صيغة توفيقية تنهي العنف عبر “مدخل إنساني” يمهد الطريق للسياسة، معتمداً على هدنة زمنية (3 أشهر) وفترة انتقال (9 أشهر) لتشكيل حكومة مدنية.. ومسار “الشرعية القائمة”: يمثل وجهة نظر مؤسسات الدولة الحالية، ويرهن البدء في أي عملية سياسية بترتيبات أمنية صارمة تشمل انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمراكز الحيوية، مع الحفاظ على هيكلية المؤسسات الحالية.. ومسار “التحالف التأسيسي”: يضم (الدعم السريع، الحركة الشعبية جناح الحلو، والجبهة الثورية)، ويدعو لإعادة بناء الدولة من الجذور عبر “ميثاق السودان التأسيسي” و”الدستور الانتقالي لعام 2025″، بهدف تأسيس سودان علماني ديمقراطي فدرالي.
إن التباين بين هذه المسارات ليس تقنياً فحسب، بل هو صراع على هوية الدولة؛ فبينما تسعى “الرباعية” لترميم المسار المدني، وتتمسك “الحكومة” بسيادة المؤسسات القائمة، يذهب “التحالف التأسيسي” نحو فرض واقع دستوري جديد كلياً.

الحوار السوداني هو المخرج الوحيد
وفي سياق البحث عن الحلول، يؤكد القيادي في التحالف المدني لقوى الثورة “صمود”، ورئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي، مصباح أحمد، أن الحوار السياسي السوداني–السوداني يشكّل المدخل الصحيح والوحيد لإنهاء الحرب، ووضع الأساس لبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على قيم الحرية والسلام والعدالة والمساواة، وترتكز على حكم القانون والمؤسسات.
ويشدد مصباح في حديثه لـ (العودة)على أن الحوار المنشود ينبغي أن يُبنى على مبادئ ثورة ديسمبر، ويستند إلى إرادة وطنية خالصة لا تقبل الإقصاء إلا لمن أفسدوا الحياة السياسية وارتبطوا بمشاريع تقويض الدولة المدنية، وفي مقدمتهم الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وواجهاتهما. ولضمان المصداقية، يطالب بالشروع في تشكيل لجنة تحضيرية سودانية جامعة للإعداد لحوار شامل يفضي لوقف الحرب وإنهاء “عسكرة الدولة”، وإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية على أسس مهنية بدمج كافة التشكيلات في جيش واحد يخضع للسلطة المدنية، معتبراً تأسيس سلطة مدنية انتقالية ذات صلاحيات كاملة خطوة محورية نحو نظام منتخب.
وعن الدور الخارجي، يرى مصباح أن الدورين الإقليمي والدولي يجب أن ينحصرا في دعم الحلول السلمية وتوفير ضمانات وقف إطلاق النار والاستجابة الإنسانية دون فرض أجندات خارجية.

اقتصاد الحرب والعدالة الانتقالية
من منظور أكاديمي، تقول أستاذة العلاقات الدولية أسمهان إسماعيل لـ (العودة) “بعد وقف الحرب نتوقع التوجه لمرحلة انتقال سياسي معقدة وصعبة تهدف لرأب الصدع الذي تسببت فيه الحرب”. وترى أسمهان أن إطلاق عملية سياسية شاملة ترتكز على ترتيبات دستورية لمسألة تقاسم السلطة وتوزيع مناصب الحكم بصورة لا تستثني أحداً هو أمر حيوي لتفادي تجديد الصراع.
وتضيف أسمهان أن الإصلاح الأمني بنزع سلاح الميليشيات ودمج الفصائل في جيش قومي موحد هو “صمام أمان”، لأن تعدد الجيوش يعيد إنتاج النزاعات. كما تعتبر “العدالة الانتقالية” ومحاسبة مرتكبي الجرائم بلا استثناء خطوة أساسية للاستقرار المستدام.
وفيما يخص الجانب المعيشي، تؤكد أسمهان أن الإصلاح الاقتصادي هو “رأس الحربة” في تحقيق الاستقرار، بهدف خفض البطالة وتنشيط الإنتاج وإعادة إعمار البنية التحتية. وبشأن المجتمع الدولي، تحذر من التدخلات التي تفرض رؤى خارجية، مشيرة إلى أن بعض التدخلات كانت سبباً في نشوب النزاع، مطالبة بحصر الدور الدولي في الدعم المالي والفني.
تختتم اسمهان إسماعيل رؤيتها برسم جدول زمني، حيث تتوقع تكوين حكومة انتقالية لمدة عامين. وتصف هذه الفترة بـ “الحاسمة”، فإما إدارة رشيدة تقود إلى انتخابات ديمقراطية وحكم مدني مستدام، أو إدارة خاطئة تؤدي إلى تمديد الآجال وفتح الباب لعودة النزاعات. وتظل “السيادة الوطنية” هي المعيار؛ فالدعم الإقليمي مطلوب، ولكن التدخل في التفاصيل الدستورية حسب مصالح الخارج هو ما قد يعيد إنتاج الأزمة السودانية من جديد.

معضلة الأطراف وتحالفات “الإطاري”
بالمقابل، يعتقد المحلل السياسي محيي الدين إبراهيم جمعة في حديثه لـ (العودة) أن قضية “تحديد الأطراف” كانت أحد الأسباب الرئيسة التي قادت للحرب الحالية. ويستعرض جمعة تجربة “قوى الحرية والتغيير” التي فشلت في إحداث وحدة حقيقية بسبب تباين الأفكار، منتقداً “تحالف المجلس المركزي” الذي اتهمه باستقطاب الدعم السريع لإحداث انقلاب ضد الجيش عبر “الاتفاق الإطاري”.
ويضيف جمعة أن المشهد تعقد ببروز كتل سياسية أخرى وفشل التيار الإسلامي العريض في إنتاج واقع يتماشى مع التغيير. ويقول صراحة: “لا أحد يستطيع تحديد الأطراف بمفرده، ولابد من اجتماع لكافة الأطراف لتحديد الأجندة”. ويؤكد انحيازه للأطراف التي تدعم القوات المسلحة ضد الميليشيا، رافضاً أي قوى لها أجندات خارجية.
ويرى جمعة أن الحوار يجب أن يبدأ بمناقشة “الدستور الدائم”وتحديد كيف يُحكم السودان، ثم الانتقال لمسألة توزيع الموارد والعدالة. ويشدد على أن الاستقرار السياسي سيقود تلقائياً للإصلاح الاقتصادي وعودة المنتجين الذين هجرتهم الحرب. وبشأن التمثيل، يطالب بتمثيل معقول يضمن إشراك المرأة والشباب وكافة المكونات دون عقلية “الأكثرية والأقلية” التي تقود للصراع، مؤكداً أن المجتمع الدولي لا يهتم إلا بمصالحه ويجب أن يقتصر دوره على الدعم الفني.
المجتمع الدولي: “دعم فني” أم “تدخل سافر”؟
اتفق الخبيران على ضرورة الحذر في التعامل مع القوى الخارجية:
محيي الدين جمعة: يدعو لتقليص الاهتمام بالمجتمع الدولي الذي “لا يهتم إلا بنفسه”، وحصر دوره في الدعم الفني فقط.
أسمهان إسماعيل: تحذر من أن التدخلات الأجنبية كانت سبباً في نشوب الحرب، وتؤكد أن أي إصلاح يتم بضغوط خارجية سيؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج الأزمة.
خلاصة القول،يتضح من القراءات الثلاث أن هناك اتفاقاً عاماً على ضرورة “الجيش الواحد” و”التحول المدني”، إلا أن الفجوة ما زالت عميقة حول “من يشارك في الحوار؟”. فبينما يطالب تيار “صمود” بإقصاء الإسلاميين والمؤتمر الوطني، يرى تيار آخر أن الحل في شمولية لا تستثني أحداً إلا من يرفضون السيادة الوطنية، وما بين الرأيين يبقى المواطن السوداني بانتظار “لجنة تحضيرية” قادرة على جسر الهوة قبل أن يبتلع الانهيار ما تبقى من الدولة.



