ترامب ولعبة الحافة: حين تغدو الفوضى أداة لإعادة تشكيل العالم
الجزء الثالث: من تطبيقات لعبة الحافة إلى دروسها الاستراتيجية

*البعد الخامس*
*بقلم.: صباح المكي*
إذا كان الجزء الأول قد انشغل بتفكيك منطق ترامب بوصفه فاعلًا لا يكتفي بمخالفة القواعد، بل يسعى إلى إعادة كتابتها وفق ثلاثية السيطرة، والإبهار، والتصفية، وكان الجزء الثاني قد تتبّع تطبيقات هذا المنطق في ثلاث ساحات كبرى: إيران، والخليج، وأوروبا، فإن الجزء الثالث ينتقل من مستوى التشخيص والتطبيق إلى مستوى الاستخلاص. فلا تعود المسألة هنا محصورة في كيفية تصرف ترامب داخل هذه الملفات، بل فيما تكشفه هذه السلوكيات عن طبيعة النظام الدولي نفسه، وعن موقع الدول الأضعف داخله، وعن مستقبل الحماية الأمريكية في منطقة لم تعد ترى في المظلة الأمنية ضمانة ثابتة بقدر ما تراها أداة ضغط وإعادة تشكيل.
فما كشفته إيران، والخليج، وأوروبا، ليس مجرد تباين في الساحات، بل وحدة في المنهج. وما بدا في خطاب ترامب مواقف متفرقة لم يكن في الحقيقة إلا تجليات متعددة لمنطق واحد: رفع الكلفة، وإنتاج اللايقين، وفرز الخصوم والحلفاء وفق قدرتهم على الدفع، والتحمل، والإذعان. ومن هنا، لا يعود السؤال فقط: كيف يعمل هذا المنطق؟ بل: ماذا يكشف عن بنية القوة في العالم، وعن هشاشة التحالفات، وعن الحدود الفعلية للاعتماد على الخارج؟
*أولًا: الخيط الناظم بين الملفات الثلاثة*
*منطق واحد بأقنعة متعددة*
على الرغم من اختلاف الساحات، فإن المنطق الذي يحكمها واحد. ففي إيران، أُدير التهديد بوصفه أداة لفرض صورة الحسم، لكن النتيجة لم تكن إخضاعًا، بل فشلًا في كسر الخصم، ومن ثم منجزًا استراتيجيًا لإيران التي منعت خصومها من تحويل فائض القوة إلى ركوع سياسي. وفي الخليج، أُعيد تعريف التحالف باعتباره علاقة حماية مدفوعة الكلفة، تُنتج التبعية بقدر ما تُنتج الأمن. أما في أوروبا، فلم يكن الضغط وسيلة لصيانة الشراكة، بل لإبقاء الشريك داخل سقف الطاعة ومنع تحوله إلى قطب أكثر استقلالًا.
وفي الحالات الثلاث، لم تعد السياسة الخارجية مجرد إدارة للتوازنات، بل إعادة توزيع للأدوار: من يدفع، ومن يخضع، ومن يظل محتاجًا، ومن يُمنع من التحول إلى شريك كامل السيادة داخل العلاقة. فالمسألة لم تعد من هو حليف ومن هو خصم بالمعنى التقليدي فحسب، بل من يملك قدرة فرض شروط الأمان، ومن يحدد سقف الحركة، ومن يبقى مجبرًا على التكيف مع قواعد يضعها غيره.
وما يجمع هذه الملفات، في الجوهر، هو حزمة من الآليات المتداخلة. أولها اللايقين بوصفه أداة نفوذ، إذ لا يُستخدم التهديد فقط عندما تقع الحرب، بل قبلها وبعدها، وأحيانًا بدلًا منها، بحيث يتحول الترقب نفسه إلى وسيلة للإخضاع. وثانيها الكلفة بوصفها أداة إخضاع، فالقوة هنا لا تُمارَس فقط عبر الحرب أو التهديد بها، بل أيضًا عبر إدارة الفوضى، والتلويح بسحب الحماية، وفرض أثمان سياسية وأمنية ومالية على كل من يتردد أو يعترض أو يطلب هامشًا أوسع من الاستقلال. ومن ثم، يظل داخل الدائرة من يدفع أكثر ويذعن أكثر، أما من يعجز عن الدفع أو الإذعان فيُدفع إلى الهامش أو يُترك مكشوفًا.
وتدخل في هذا المنطق أيضًا الإهانة بوصفها آلية فرز، لأنها ليست انفعالًا عابرًا، بل اختبارًا للعلاقة: من يتحملها ويستمر يُقرأ باعتباره أكثر قابلية للإذعان.، أما من يطلب الاحترام أو الندية فيتحول سريعًا إلى طرف مشكوك في التزامه. ثم يأتي تحويل التحالف إلى امتثال مدفوع الكلفة، بحيث لا يعود التزامًا متبادلًا داخل بنية مؤسسية مستقرة، بل صيغة مشروطة: حماية مقابل طاعة، ومظلة مقابل تبعية، واستمرار في العلاقة مقابل بقاء الحاجة قائمة. ولهذا لا تكون الحماية، في كثير من الأحيان، طريقًا إلى الاستقلال، بل وسيلة لإعادة إنتاج الارتهان.
أما الأعمق من ذلك كله، فهو تعريف القوة بوصفها حقًا في تحديد شروط الأمان للآخرين. فليست المسألة فقط من يملك السلاح أو الاقتصاد، بل من يملك حق القول: متى تشعر بالأمان، ومتى تخاف، ومتى تدفع، ومتى يُسمح لك بالاعتراض. وبهذا المعنى، لا تعود إيران، والخليج، وأوروبا ثلاث قصص منفصلة، بل ثلاثة وجوه لمنطق واحد يعيد تعريف العلاقة بين القوة والاعتماد، وبين التحالف والكلفة، وبين الحماية والسيادة.
*ثانيًا: ما الذي ينبغي أن تتعلمه الدول الأقل تطورًا؟*
إذا كان هذا النمط يكشف شيئًا يتجاوز ترامب نفسه، فهو أن الدول الأضعف لا تتعرض بل أيضًا عبر بنية الاعتماد التي تجعل قرارها قابلًا للاختراق. فالضعف في النظام الدولي لا يُقاس فقط بغياب السلاح أو محدودية الموارد، بل كذلك بدرجة الارتهان للخارج في الأمن، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والتمويل، والشرعية السياسية.
وأول ما ينبغي أن تدركه الدول الأقل تطورًا هو أن التبعية أخطر من التهديد المباشر. فالدولة قد تنجو من الضربة، لكنها قد لا تنجو من حاجتها الدائمة إلى من يحميها، أو يموّلها، أو يحدد لها حدود أمنها وموقعها. وعندما تصبح الحماية مستوردة، يصبح القرار نفسه رهينة لمن يوفّر الحماية.
ويضاف إلى ذلك أن الغموض الاستراتيجي يضر الضعيف أكثر مما يضر القوي. فالدول الكبرى تستطيع أن تستخدم اللايقين بوصفه أداة مناورة، أما الدول الأضعف فغالبًا ما تتحول هي نفسها إلى ضحية لهذا اللايقين، لأن افتقارها إلى القدرة الذاتية يجعل كل تبدل في مزاج الحليف أو أولوياته تهديدًا مباشرًا لأمنها واستقرارها.
ومن هنا أيضًا، لا يتحول الأمن المستأجر أبدًا إلى أمن سيادي. فقد يمنحك مهلة، أو يخفف ضغطًا، أو يردع خصمًا في لحظة بعينها، لكنه لا يبني استقلالًا طويل الأمد، ولا ينتج مناعة ذاتية، ولا يخرجك من دائرة الابتزاز. والحماية التي تُشترى تظل قابلة لإعادة التسعير، وإعادة التفاوض، وإعادة التوظيف ضد من يدفع ثمنها نفسه.
ولا تقل الهشاشة الاقتصادية خطورة عن ذلك، لأنها ليست شأنًا تنمويًا فقط، بل ثغرة سياسية وأمنية أيضًا. فكل اقتصاد هش هو قرار سياسي مكشوف، وكل تبعية مالية أو غذائية أو تقنية يمكن أن تتحول، في لحظة التوتر، إلى أداة ضغط وإخضاع. وما يبدو في أوقات السلم مجرد ضعف في البنية الاقتصادية، يتحول في أوقات الأزمات إلى نقطة اختراق في بنية القرار الوطني.
ثم إن التحالفات التي لا تسندها قدرة ذاتية تتحول بسهولة إلى أدوات ابتزاز واستنزاف سياسي ومالي. فهي لا تكتفي بإنتاج حماية غير مستقرة، بل قد تفرز أيضًا نمطًا كاملًا من السلوك السياسي المبني على الخوف، والتنازل الاستباقي، وتكييف السيادة مع رضا الخارج. وعند هذه النقطة، لا تعود الدولة حرة في تحالفها، بل حبيسة حاجتها إليه.
ومن ثم، فإن ما ينبغي أن تتعلمه الدول الأقل تطورًا ليس فقط أن العالم غير عادل، بل أن العدالة لا تُنتزع بالرغبة وحدها، وأن السيادة لا تُحمى بالشعارات، بل ببناء قدرة تقلّل الحاجة، وتخفف الارتهان، وتمنع الآخرين من تحويل الضعف البنيوي إلى نفوذ دائم.
*ثالثًا: ماذا ينبغي أن يتعلمه الخليج؟*
لعل الخليج هو الساحة الأكثر حساسية في هذا كله، لأنه يمثل الحالة التي تتوافر فيها الثروة من دون أن تتوافر بالضرورة المناعة الاستراتيجية المكافئة لها. وقد كشفت السنوات الأخيرة، وجاءت لحظة ترامب لتكشف بوضوح أكبر، أن المال لا يشتري دائمًا حماية مستقرة، وأن الحليف الذي يطلب الفاتورة اليوم قد يرفعها غدًا، أو يبدّل شروطها، أو يلوّح بسحب المظلة نفسها عندما تتغير أولوياته.
وفي مقدمة ما ينبغي أن يتعلمه الخليج أن الثراء لا يساوي الحصانة. فالقوة المالية قد تشتري أسلحة، وصفقات، ونفوذًا داخل عواصم القرار، لكنها لا تضمن وحدها التزامًا ثابتًا من قوة عظمى تتعامل مع الحماية بوصفها خدمة قابلة لإعادة التسعير.
ويكشف هذا أيضًا أن الإفراط في الاعتماد على الأمن الأمريكي ينتج هشاشة دائمة. فكلما ارتفعت الحاجة إلى الضامن الخارجي، تراجعت القدرة على التفاوض معه من موقع مريح، واتسع هامش ابتزازه، وازدادت كلفة الخروج من عباءته. وهنا يتحول التحالف من مصدر قوة إلى مصدر قلق مزمن.
ومن هنا، لم يعد التنويع ترفًا، بل ضرورة. فتنويع الشراكات، ومصادر التسليح، والخيارات الاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد مجرد تحسين للموقع التفاوضي، بل صار جزءًا من بناء المناعة نفسها. فالخليج الذي يضع كل أمنه في سلة واحدة سيظل عرضة لابتزاز الجهة التي تمسك بتلك السلة.
ولا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن الوجاهة الرمزية لا تعني مناعة استراتيجية. فالدولة قد تكون لامعة اقتصاديًا وإعلاميًا، لكنها تظل مكشوفة إذا كان أمنها النهائي معتمدًا على قرار يُتخذ خارج حدودها. لا تكفي الصورة، ولا الضخامة العمرانية، ولا الثروة، إذا بقيت معادلة الردع النهائية خارج السيطرة الوطنية.
غير أن الدرس الأعمق هو أن الأمن الوطني لا يمكن أن يبقى مؤجرًا إلى ما لا نهاية. فالمعضلة لا تتعلق فقط بالتسليح أو الاتفاقات الدفاعية، بل أيضًا بطبيعة العلاقة بين المجتمع والأمن. إذ لا يمكن بناء مناعة استراتيجية مستقرة إذا ظل الدفاع يُفهم بوصفه خدمة تُشترى من الخارج، لا عبئًا وطنيًا تتقاسمه الدولة والمجتمع. وكلما ضعفت صلة المجتمع بفكرة الدفاع، وقلّ الاستعداد لتحمل كلفته البشرية والمؤسسية، ازداد الاعتماد على الحماية الخارجية، واتسعت معه قابلية الابتزاز.
فإسرائيل ومصر، مثلًا، تجعل كلٌّ منهما من الخدمة العسكرية الإلزامية ونظام الاحتياط جزءًا من بنية المجتمع نفسه، بما يجعل الأمن وظيفة مجتمعية لا خدمة تُشترى عبر الاتفاقات الدفاعية وحدها. أما حين يُفصل الأمن عن المجتمع، ويتحول إلى عبء يُراد تفويضه بالكامل إلى الخارج، فإن الاعتماد على الحماية الأجنبية يصبح نتيجة بنيوية لا خيارًا عابرًا.
ومن هنا، لا يكون المطلوب قطيعة وهمية مع الحماية الغربية، بل تقليص الارتهان البنيوي لها عبر تنويع الشراكات والاتفاقات الدفاعية، وتوسيع هامش المناورة في التسليح، وبناء قدرة أكبر على حماية المصالح والمنشآت والممرات الحيوية. وإلا بقي الخليج رهينة لمعادلة مكلفة: يدفع أكثر كلما ازداد قلقه، ويزداد قلقه كلما ازداد ارتهانه.
وبهذا المعنى، فإن سؤال الخليج لم يعد: كم يدفع ليضمن الحماية؟ بل: كيف يخفف حاجته إلى أن تُباع له الحماية أصلًا؟ وهذا هو التحول الحقيقي الذي تفرضه المرحلة: الانتقال من منطق شراء الأمان إلى منطق بناء المناعة.
*رابعًا: ما مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة؟*
السؤال هنا ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر المنطقة غدًا، بل ما إذا كانت ستبقى فيها بالقوة نفسها، والوظيفة نفسها، والمصداقية نفسها. فالمؤشرات لا تقول إن واشنطن بصدد انسحاب كامل، لكنها تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا: قد تبقى عسكريًا، لكنها لم تعد تُقرأ سياسيًا بالطريقة نفسها التي كانت تُقرأ بها من قبل.
فالحضور الأمريكي مرشح لأن يظل مركزيًا في الخليج من حيث القواعد، والردع، والممرات، والتأثير في موازين السلاح والطاقة. غير أن هذا الحضور قد لا يحتفظ بالدرجة نفسها من الثقة الاستراتيجية التي تمتع بها في السابق. أي إن واشنطن قد تبقى اللاعب الأهم، لكنها قد تتراجع بوصفها الضامن الذي لا يُشكك في ثباته.
ومن هنا، قد تتجه المنطقة إلى الانتقال من الاعتماد الكامل إلى التحوط الأوسع. لا قطيعة مع الولايات المتحدة، لكن لا تسليم كامل لها أيضًا. لا خروج من المظلة دفعة واحدة، لكن لا اطمئنان إلى أنها ستظل مفتوحة بالشروط نفسها. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة يبقى فيها الحضور الأمريكي مركزيًا، لكن من دون أن يحتفظ بالدرجة نفسها من الاحتكار السياسي أو الطمأنينة الاستراتيجية التي تمتع بها في السابق.
وهذا يعني أن المستقبل الإقليمي لن يُبنى على سؤال: هل تبقى أمريكا أم ترحل؟ بل على سؤال أدق: كيف تبقى، وبأي ثمن، وبأي مقدار من الثقة؟ وإلى أي حد تستطيع دول المنطقة، والخليج خصوصًا، أن تقلّص ارتهانها لها من دون أن تغادر مظلتها بالكامل؟ وهل نحن أمام مرحلة تظل فيها واشنطن قوة مركزية، لكنها لم تعد قادرة على منع الآخرين من البحث عن بدائل، أو من بناء هوامش أوسع خارج إرادتها؟
وقد لا يكون التحول المقبل في شكل انسحاب أمريكي مباشر، بل في شكل بقاء متراجع الهيبة: قواعد موجودة، وجيوش حاضرة، ونفوذ قائم، لكن في بيئة أقل طاعة، وأكثر شكًا، وأشد ميلًا إلى اختبار البدائل. وهذا في ذاته تحول كبير، لأن النفوذ لا يتآكل فقط حين يغيب، بل أيضًا حين يبقى من دون اليقين الذي كان يحيط به.
*الخاتمة*
بهذا المعنى، لا يكون الجزء الثالث مجرد امتداد لما سبقه، بل ذروة استخلاصه. فما كشفته إيران، والخليج، وأوروبا، ليس فقط طريقة ترامب في إدارة العالم، بل أيضًا هشاشة عالم يُعاد فيه تعريف التحالف باعتباره فاتورة، والحماية باعتبارها أداة ضغط، والسيادة باعتبارها قدرة متفاوتة لا حقًا متساويًا.
ومن هنا، لا تقف أهمية هذه السلسلة عند تفسير سلوك رجل أو إدارة، بل في كشفها لدرس أوسع: أن العالم الذي يتشكل تحت ضغط الفوضى والابتزاز ليس عالمًا أقل استقرارًا فحسب، بل عالمًا تصبح فيه الدول الأضعف أكثر عرضة للإدارة من الخارج، ما لم تبنِ لنفسها قدرة تقلّل الحاجة، وتخفف الارتهان، وتحول الأمن من خدمة تُشترى إلى مناعة تُبنى.
bitalmakki@gmail.com



