الشهادة السودانية 2026: معركة الوعي وصمود الهوية في وجه الحصار

بقلم المهندس: محمد عبد اللطيف هارون
يتوجه غدا الأثنين الثالث عشر من أبريل 2026م في تمام الساعة الثانية ظهرا بتوقيت السودان ، الالاف من أبناء و بنات سوداننا الحبيب للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية و في المقابل استعدت دولتنا السودانية لخوض واحدة من أدق معاركها الوطنية متمثلة في اقامة هذه الامتحانات و اكمال كافة الترتيبات المتعلقة بها في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد ، وهي المحطة التي لم تكن يوماً مجرد اختبار أكاديمي، بل هي ركن ركين في بنية الهوية السودانية وممسك جوهري من ممسكات القومية. فمنذ عام 1905 حين بدأت النواة الأولى في كلية غردون، ومروراً بالارتباط التاريخي بجامعة “كمبردج” البريطانية عام 1938، وصولاً إلى تمصيرها وسودنتها الكاملة، ظلت هذه الشهادة هي “الوثيقة الوطنية” التي يتساوى أمامها الجميع. إن عراقة الشهادة السودانية تنبع من صرامة معاييرها وقدرتها على البقاء كخيط ناظم يربط وجدان السودانيين ببعضهم البعض، حيث تتوحد في أيامها المشاعر وتختفي النعرات الجهوية خلف دعوات الأمهات بالتوفيق، مما يجعل منها رمزاً لسيادة الدولة ومؤسساتها التعليمية التي لم تنحنِ لعواصف الزمان، وظلت هي المعيار الأوحد للكفاءة والتميز في الداخل والخارج.
وتأتي امتحانات هذا العام في ظل ظروف استثنائية لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً، حيث يشد الرحال نحو مراكز الامتحانات ما يقارب 560 ألف طالب وطالبة، و نحن نستشرف العام الرابع من انقضاض الاوباش على الأرواح و الاعراض و الممتلكات ، على القيم و الاخلاق و المروءة ، يدمرون دور العلم و مراكز البحوث و المكتبات ، يتوجه ابناءنا و بناتنا في مشهد ملحمي يجسد إرادة البقاء. هؤلاء الطلاب، الموزعون بين ولايات السودان المختلفة وعواصم الشتات ومخيمات النزوح، يمثلون “الجيش المدني” الذي يحمل أقلامه ليرسم ملامح مستقبل السودان الجديد. إن جلوس هذا العدد الهائل من الطلاب داخل وخارج البلاد هو رسالة سياسية وثقافية بليغة، مفادها أن مؤسسة التعليم السودانية عصية على الانهيار، وأن “الشهادة السودانية” هي المظلة التي تجمع شتات أبناء الوطن تحت راية واحدة مهما تباعدت المسافات أو قست ظروف اللجوء، وهي تأكيد عملي على أن الدولة السودانية لا تزال تملك زمام المبادرة في رعاية أجيالها وحمايتهم من الضياع الأكاديمي.
وفي قلب هذا المشهد الوطني، يبرز التحدي الأكبر والأكثر إيلاماً الذي يواجه طلابنا في ولايات دارفور و بعض مناطق كردفان القابعة تحت وطأة احتلال مليشيا الجنجويد، التي تبرهن يومياً على افتقارها لأدنى المعايير الأخلاقية والإنسانية. ففي الوقت الذي ينتظر فيه العالم توفير ممرات آمنة للطلاب للوصول إلى حلمهم، تتعمد هذه المليشيات ترهيب التلاميذ ومنعهم من الوصول إلى مراكز الامتحانات، معتبرةً أن الانخراط في العملية التعليمية الرسمية هو نوع من الاستسلام للجيش الوطني أو اعتراف بمؤسسات الدولة التي يسعون لهدمها. إنهم لا يدركون أن التعليم هو حق إنساني تسمو قيمته فوق الصراعات العسكرية، بل يمعنون في سياسة “التجهيل الممنهج” واغتيال مستقبل آلاف الشباب في مناطق سيطرتهم، ضاربين بعرض الحائط كل المواثيق والأعراف التي تحمي حق الطالب في التعليم والأمان، مما يضع هؤلاء الطلاب في مواجهة بطولية بين رغبتهم في العلم وخطر الموت أو التنكيل.
ختاماً، إن صمود طلاب دارفور وإصرارهم على اختراق الحصار للوصول إلى مراكز الامتحان، يمثل ذروة السنام في ممسكات القومية السودانية، وردًا حاسماً على كل من يحاول طمس هوية هذا الإقليم أو فصله عن وجدانه الوطني. إن كل طالب يجلس للامتحان هذا العام، سواء كان في الخرطوم، أو بورتسودان، أو في دول المهجر، أو القادمين من رحم المعاناة في دارفور وكردفان، هو بطل في ملحمة استعادة الدولة. ستظل الشهادة السودانية لعام 2026 هي “شمس السودان” التي لا تغيب، والبرهان الساطع على أن إرادة الشعوب المستنيرة بالعلم هي دائماً أبقى وأقوى من رصاص الجهل والظلام، وأن فجر الخلاص يبدأ بصرير الأقلام على دفاتر الإجابة، معلناً للعالم أن السودان باقٍ بعلم أبنائه وصمودهم الأسطوري. و أمنياتنا القلبية الصادقة مقرونة بالتضرع للمولى عز و جل أن يوفق أبناءنا و بناتنا لبلوغ المقاصد و تحقيق رغباتهم في مستقبل زاهر مشرق يعملون فيه لرفعة البلاد و العباد .. آمين.




