رغيف الخبز في “الخرطوم “..
نار الأسعار تلتهم "لقمة المواطنين"

الخرطوم: هيام المغربي
تواجه مائدة المواطن السوداني اختباراً قاسياً مع موجة غلاء جديدة ضربت قطاع المخابز، حيث لم يقتصر الأمر على زيادة السعر فحسب، بل طال “وزن الرغيفة”؛ إذ تراجعت حصة الـ (1000) جنيه من (5) أرغفة إلى (4) فقط في معظم المخابز، وسط مخاوف من استمرار هذا التصاعد الناتج عن تقاطعات حادة بين الأزمات الدولية والواقع المحلي المرير.

يعزو أصحاب مخابز ومراقبون هذا الارتفاع إلى القفزة الكبيرة في تكاليف مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الوقود والغاز، مما انعكس مباشرة على تكاليف الترحيل والتشغيل. وتأتي هذه الزيادات متأثرة بالمناخ السياسي الدولي الملبد بالغيوم، لا سيما التوترات العسكرية الحالية في المنطقة، والتي ألقت بظلالها على أسعار الطاقة عالمياً وتأمين سلاسل الإمداد.
وما يزيد الطين بلة، هو الهشاشة الهيكلية في تأمين القمح؛ إذ يعتمد السودان على الاستيراد لتغطية نحو 90%من احتياجاته، بينما لا يغطي الإنتاج المحلي سوى10% فقط، مما يجعل “لقمة عيش” السودانيين رهينة للتقلبات الخارجية وسعر الصرف.

مدخلات الإنتاج
في جولة ميدانية لصحيفة “العودة” بمنطقة شرق النيل أمس الأربعاء ، رصدنا واقع المخابز والأسواق للوقوف على الأرقام الصادمة خلف هذه الأزمة.
كشفت الجولة عن أرقام مخيفة في تكاليف التشغيل، حيث أكد **عبدالرحمن عبدالله محمد(صاحب مخبز الريان) أن جوال الدقيق قفز من (51) إلى(66) ألف جنيه، مشيراً إلى أن هذه الزيادات، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الأكياس والعمالة، أدت لتراجع القوة الشرائية، مما دفع بعض المخابز لتقليل الحجم للحفاظ على الاستمرارية.
من جانبه، رسم معتصم حسن(صاحب مخبز الجوهرة) صورة أكثر قتامة، موضحاً أن:
سعر جوال الدقيق: ارتفع من (52) إلى (68) ألف جنيه.
وسعر الجازولين: قفز من (78) إلى(130) ألف جنيه.
هذه الأرقام أدت فعلياً إلى إغلاق بعض المخابز التي لم تعد قادرة على موازنة المصروفات مع الإيرادات.
وفي مخبز “الشاكرين”، لفت العامل أحمد إبراهيم إلى أن دخول “الحطب” كبديل للغاز لم يحل الأزمة، بل أضاف أعباءً جديدة بسبب رسوم الترحيل والرسوم المحلية.

“الخميرة” أزمة إضافية”
لم يختلف المشهد لدى الباعة المتجولين، حيث كشف عمر(بائع متجول) أن سعر كرتونة الخميرة وصل إلى 155 ألف جنيه، وهو رقم قياسي يضاف إلى فاتورة الإنتاج المنهكة، بينما شدد محمد حارن على أن تكلفة ترحيل الحطب والوقود أصبحت تخنق قطاع التوزيع، مطالباً بضرورة تدخل الدولة رغم إشادته باستقرار الأوضاع الأمنية التي تتيح التحرك.
غياب الدولة والارتهان للخارج
في سياق تحليل الأزمة حذر الخبير الاقتصادي، كمال كرار، من خطورة الارتفاع المتزامن في أسعار الخبز والوقود، واصفاً إياه بـ “الاستغلال” للتوترات الراهنة في منطقة الخليج، ومحاولة لتحميل المواطن السوداني أعباءً تفوق طاقته في ظل الظروف المعيشية المعقدة.
سلع استراتيجية
وأكد كرار في تصريحات خاصة لـ”العودة، أن القمح والدقيق يمثلان سلعاً استراتيجية لا ينبغي بأي حال من الأحوال تركها لتقلبات السوق والمضاربات. وأشار إلى وجود جهات تستغل الأزمات لتحقيق مكاسب خاصة، مستفيدة من حالة غياب الدولة وتداعيات الحرب المستمرة التي أضعفت الرقابة على الأسواق.
غياب التخطيط والاحتياطي
وأعرب كرار عن أسفه لتحول ملف توفير الدقيق إلى يد التجار بشكل كامل، قائلاً: “للأسف، الأمر بات متروكاً لتجار الدقيق والقمح، وسط غياب تام للتخطيط الحكومي الهادف لتوفير مخزون أو احتياطي استراتيجي يمكنه مجابهة الأزمات الطارئة”

تراجع الإنتاج المحلي
و لفت الخبير الاقتصادي إلى أن الوضع يزداد سوءاً نتيجة لضعف إنتاجية المواسم الزراعية الماضية، مؤكداً تسجيل تراجع كبير في إنتاج القمح السوداني، وهو ما فاقم من الفجوة الغذائية وزاد من الاعتماد على الاستيراد المنهك للميزانية.
واختتم كرار حديثه بالتأكيد على أن معالجة أزمة الخبز تتطلب تدخلاً عاجلاً لاستعادة دور الدولة التخطيطي وحماية السلع الأساسية من جشع المضاربين، لضمان استقرار الأمن الغذائي للمواطن.
البحث عن مخرج
يخلص التقرير إلى أن أزمة الخبز الحالية ليست مجرد ندرة عابرة، بل هي نتاج تداخل جشع المضاربين مع ضعف الإنتاج المحلي والاضطراب العالمي. وبحسب الخبراء، فإن المخرج الوحيد يكمن في استعادة دور الدولة التخطيطي وحماية السلع الأساسية من سطوة السوق، لضمان أدنى مستويات الأمن الغذائي للمواطن الذي بات يحاصره الغلاء من كل جانب..



