الرئاسة على حافة الهاوية : بين مطرقة الحرب وسندان الاقتصاد
هل تخلع أمريكا رداء ترامب بالتعديل ٢٥؟

بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون
لا يمكن قراءة المشهد السياسي الأمريكي في ربيع 2026 بمعزل عن سيكولوجية الرجل القابع في البيت الأبيض، فالدولة التي صُممت مؤسساتها لتكون “حكومة قوانين لا رجال”، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي؛ حيث تتصادم نرجسية القيادة مع صرامة الدستور، وتتحول الدبلوماسية الدولية إلى “عرض مسرحي” محفوف بمخاطر الانفجار الشامل. وفي هذا السياق، ينقسم الخبراء في تفسير سلوك ترامب المتناقض، خاصة مع تهديداته الأخيرة “بمحو حضارة كاملة” في إيران ثم التراجع عنها بمهلة “أسبوعين”، فبينما يرى الأخصائي النفسي مروان دويري أن هذا التقلب هو “تكتيك في الحرب النفسية” يهدف لإرباك الخصم، يذهب الخبير النفسي الدكتور جمال دقدوقي إلى تشخيص الحالة كـ “نرجسية مرضية” وانفصام في الشخصية يجعل ترامب يضحي بأقرب الناس في زمرته للحفاظ على صورة “البطل” الذي لا يخطئ.
هذا الخلل في الأهلية النفسية يتجاوز السمات الشخصية ليدخل في منطقة مظلمة من “الهوس الديني” والغيبيات التي ارتكب فيها ترامب جرماً في حق نفسه ومنصبه؛ إذ استسلم لغواية “إنجيل الرخاء” الصهيوني الذي تروج له القسيسة باولا وايت، مهندسة ترامب الروحية التي حولت السياسة إلى “دراما ثيولوجية”. هذا التحالف البراغماتي بين “تسليع الدين” و”تأليه السلطة” حقن الوعي الرئاسي بجرعات من أوهام “نهاية العالم” وعودة المسيح، حيث لم تعد وايت مجرد مرشدة، بل جسراً عبر فوقه ترامب ليصبح “مختاراً إلهياً” تُصور ملاحقاته القانونية وكأنها “آلام المسيح” وعودته للسلطة بمثابة “قيامة” سياسية. إن طقوس “المسح الإلهي” التي تُمارس في المكتب البيضاوي ليست صلاة تقليدية، بل هي “تجييش للغيب” ومنح غطاء روحي لقراراته الصدامية، محولةً الصراع مع إيران إلى فصل من فصول معركة “هرمجدون” الوشيكة، في مقامرة كبرى بمصير العالم تحت شعار “النهضة العالمية” التي لا تخدم في الحقيقة إلا أصحاب الطائرات الخاصة وعشاق العروش.
هذا الانجراف نحو الغيبيات أدى لتسييس مفاصل الدولة بشكل فج؛ فعندما تمت إقالة المدعية العامة السابقة بام بوندي لعدم تحقيقها “انتقامات قانونية” كافية ضد الخصوم، واستبدالها بـ تود بلانش (محامي ترامب السابق) بصفة مؤقتة، بدا واضحاً أن “الولاء المطلق” المعزز بالحصانة الروحية المفترضة أصبح المعيار الوحيد داخل الإدارة. وقد أدى هذا التخبط إلى انكسار هيبة الدولة أمام واقع اقتصادي خانق لم يعد معه التململ الشعبي مجرد شعارات؛ فبينما يطوف جي دي فانس (نائب الرئيس الأمريكي) في مهام خارجية لدعم حلفاء الإدارة، يواجه المواطن ميزانية حرب انفجارية (1.5 تريليون دولار) تم تمويلها بـ “ذبح” البرامج الاجتماعية واقتطاع 440 مليار دولار من الرعاية الصحية وإسكان ذوي الاحتياجات الخاصة، مما خلق حالة غليان فاقمتها أزمة طاقة وارتفاع جنوني في أسعار الغاز بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي يراه ترامب بعين “الغيبيات” ويراه الشعب بعين “المعاناة”.
وعلى وقع هذا الانهيار الداخلي، يصف البروفيسور روبرت بيب (أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو) الوضع بـ “أسوأ هزيمة استراتيجية منذ فيتنام”، بعد أن استنزفت الحرب الطائرات المتطورة من طراز (F-35 وF-22) وانتهت بقبول خطة سلام تكرس صعود إيران كمركز رابع للقوة في العالم وتمكنها من فرض رسوم على الملاحة في المضيق. وهو ما دفع جو كينت (المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب) للتحذير من “غرفة المعلومات المغلقة” التي تضلل الرئيس وتستبدل الحقائق والتقارير الاستخباراتية الرسمية بأوهام اللوبيات الصهيونية التي تسعى لدفعه نحو مواجهة عسكرية شاملة بناءً على معلومات موجهة، مما أدى إلى حالة من “الشلل الاستراتيجي” وفقدان الثقة بين القيادة السياسية والقوات في الميدان التي تعاني من استنزاف مرير فوق جبال زاجروس.
ومع تزايد الشكوك حول اتزانه العقلي، لم تعد انتقادات الإعلاميين مثل لورانس أودونيل (مقدم البرامج في MS NOW) لتهديدات ترامب النووية مجرد رأي معارض، بل أصبحت تعبيراً عن “وصمة عار” تلاحق الرئاسة الأمريكية. إذ يعكس انقلاب حلفاء سابقين مثل تاكر كارلسون (الإعلامي الأمريكي البارز)، وتنديده بالسخرية من الأديان أو التبعية المطلقة لسياسات نتنياهو، انهيار الثقة داخل النواة الصلبة للنظام. حتى الدوائر اللصيقة لم تسلم من هذا التصدع، حيث اضطرت ميلانيا ترامب (السيدة الأولى) للخروج في دفاع استباقي عن نفسها في قضايا جانبية مثل ملفات إبستين، في وقت ينشغل فيه البيت الأبيض بصراع وجودي، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هناك تقارير تخشى ظهورها لتزيد من عزلة الرئيس الذي تراجعت شعبيته إلى 39% حسب استطلاعات مجلة نيوزويك.
إننا اليوم أمام لحظة الحقيقة، حيث لم يعد الحديث عن التعديل رقم 25 مجرد ترف قانوني، بل هو “انفجار من الداخل” تلوح به مؤسسة الدولة العميقة لانتزاع السلطة من رئيس بات يُنظر إليه كخطر على الأمن القومي. فالمادة الرابعة من هذا التعديل، التي تسمح لـ نائب الرئيس (جي دي فانس) وأغلبية الوزراء بإعلان عجز الرئيس، تظل هي “طوق النجاة” الأخير لوقف الانحدار نحو “الهاوية المقدسة”. وبين من يرى في ترامب صوتاً يكسر النفاق، ومن يراه نموذجاً للتنمر السياسي وتآكل الأعراف، تظل تجربته في ربيع 2026 درساً قاسياً في كيفية تداخل الشعبوية مع الهوس الديني، في انتظار اللحظة التي يقرر فيها الدستور استعادة توازنه المفقود وخلع رداء ترامب قبل أن تلتهم نيران “هرمجدون” ما تبقى من أسوار الجمهورية.



