الدولار الجمركي.. “تشوهات” في جينات الاقتصاد السوداني

ملح الأرض..
بقلم/ خالد ماسا
والخبر الذي أعلنت عنه “العودة” بالأمس على صفحاتها جاء فيه أن سلطات الجمارك قد اعتمدت سعر الصرف المعتمد لتقييم السلع المستوردة “الدولار الجمركي” بزيادة إضافية تعادل نسبة 16.38%، وهذا بالضرورة لا يعطي مؤشراً إلا أن الحكومة ممثلة في وزارة المالية وأجهزة ومؤسسات التحصيل الحكومي ليس لديها “تفكير” أو تخطيط اقتصادي ناتج عن “دماغ” اقتصادي يجتهد ويحلل ويتعامل مع تعقيدات المشهد الاقتصادي في السودان، بحيث تُحل المشكلات المتكررة. ولعل توقع الحلول من حكومة “لحم أكتافها” نبت من سُحت “المحاصصات” السياسية والأوزان الثقيلة للسلاح، ولم تعرف الكفاءة يوماً طريقها لمعايير التكليف الوزاري، وظلت وزارة المالية تحت “الإقامة الجبرية” في بيت “الأمل” الذي وُعدنا به إبان التشكيل الحكومي.
المنطق “القهري” المتبع في إقامة “الارتكازات” على طول الطرق في السودان يتم عبره تقنين “الهمبتة” وشرعنتها بتشريع أو بدونه، فإن السلاح الذي يرافق الموظف الحكومي يجعل من التحصيل المالي بالطرق العشوائية هو “التخطيط” الذي يملأ خزانة الدولة من جيب المواطن، ولم تكن “بدعة” الدولار الجمركي لتختلف كثيراً عن فكرة نقاط التفتيش والتحصيل القهري، نتاج عجز العقل الحكومي وتكلسه.
تظل حُجة الحرب على الدوام هي الحدث الذي يبطل وضوء السياسات والخطط، فيرتفع العجز في الميزان التجاري، والتبرير الجاهز هو الحرب، ويصل التضخم إلى أرقام من ثلاثة خانات، وشماعة موازنة الحرب جاهزة، وتعجز الدولة عن الوفاء بالبند الأول في موازنتها للعامين بالدولة، ولا يتجرأ أحدهم ليرفع سبابته في وجه المسؤولين قائلاً: “فكوا دربنا وجعتوا قلبنا”. ولذلك لا ترى إدارة الجمارك السودانية أي حرج في إضافة 453.74 جنيهاً جديداً على التقييم السابق للدولار الجمركي كتكاليف إضافية على استيراد السلع ومدخلات الإنتاج.
(*) حيلة اسمها الدولار الجمركي..
وتختار الحكومة سعراً لتحويل قيمة السلع المستوردة إلى عملة محلية لحساب الجمارك، وهو سعر صرف إداري تستخدمه في حساب الرسوم على الواردات، وما من “عبقري” يستطيع أن يشرح لنا الأساس الذي تُقدَّر به الحكومة السعر، وهل هو منطق “سرّيحة” العملة “يفتح الله ويستر الله”، أم هو “فقه الضرورة” في الاقتصاد وإدارة مال الدولة، ومتى ما زادت الوزارة “الغلة” من جيب المواطنين كلما كان ذلك في ميزان حسنات السيد الوزير.
“حيلة” الدولار الجمركي هي التي أنتجت واقع وجود أكثر من سعر للصرف داخل الاقتصاد الواحد، وبسبب ذلك نتجت التشوهات الاقتصادية الكثيرة في السودان على مستوى الأسعار، الشيء الذي فتح أبواب “المضاربات” على مصراعيها، وأثقل كاهل العملة المحلية بالتضخم، وصارت قيمتها آخذة في التضاؤل في مقابل الدولار، الذي أعجز كل الحيل غير “المتعب” عليها من قبل مسؤولي التخطيط المالي والاقتصادي في السودان، وأظهر فقراً في التفكير لا خلاف عليه.
التجربة العملية التي صاحبت حيلة الزيادات في الدولار الجمركي أثبتت أنها ليست أداة محايدة، بل أكثر من أنها أداة مالية تؤثر على سلوك السوق بشكل كلي وتلقائي، لأن الارتفاع في تكاليف الاستيراد ينتقل مباشرة إلى ارتفاع أسعار السوق، ويصبح المواطن بين شقي الرحى: تضاءل القوة الشرائية لدخله جراء التضخم، وابتعاد الأسعار عن متناول يده بسبب ارتفاعها.
العبقري الذي دفع بهذه الحيلة إلى منطق وتفكير الحكومة لم يهده قصور البصيرة لاكتشاف عدم عدالة توزيع العبء الضريبي، فصحيح أن المستورد وبسبب ارتفاع قيمة الدولار الجمركي وزيادته يدفع أكثر، ولكن بالمقابل فإن المستهلكين هم الذين يتحملون الفاتورة بكاملها، ويحاسبون على “مشاريب” عجز التفكير الحكومي.
وهذا التفكير المحدود للمعالجات المالية والاقتصادية أصاب الاقتصاد السوداني بأمراض عُضال كنمو اقتصاديات “موازية” تستغل الفرق في الأسعار والتهريب، وتزايد أنشطة السوق السوداء، وكل هذا في النهاية يأتي خصماً على كفاءة وفعالية الجمارك نفسها.
(*) تشوهات اقتصادية..
العجز في الميزان التجاري والتضخم وغيرها من التشوهات الظاهرة في صحة الاقتصاد السوداني، الكل يعلم أن جزءاً أصيلاً من حلها يكمن في دفع عجلة الإنتاج وزيادة فرص الاستثمار في السودان، ومع “المزاجية” المتبعة في تحديد قيمة الدولار الجمركي يجد المستثمر نفسه في خانة العاجز عن التنبؤ بتكلفة الاستيراد وحساب هامش الأرباح المتوقعة من الاستثمار، وبذلك يصبح رفع قيمة الدولار الجمركي بمثابة الاعتراف المباشر بفشل كل سياسات السيطرة وتوحيد سعر الصرف أكثر من كونه أداة لتنظيم الإيرادات.
الحكومة تعلم أن تراجع قيمة العملة المحلية يشكل تهديداً على إيراداتها، وهي العاجزة عن سد الفجوة في الخزانة العامة، والفقيرة في الحلول، بأكثر من طباعة المزيد من أوراق البنكنوت، وهي باتباع الزيادة المستمرة في قيمة الدولار الجمركي توفر حلولاً مؤقتة لمشكلات مزمنة وطويلة المدى.
استخدام نظرية “تعدد الأسعار” التي تدهش حتى “آدم سميث” أدى إلى تشوهات كبيرة على مستوى السوق في السودان، وبسببها قلت كفاءة الحكومة في تخصيص الموارد.
التشوه الثاني كان نتاج اتباع نظرية “السعر المتنقل” للصرف، وهو ما يعني انتقال الارتفاع في الأسعار في السوق مباشرة، وبالتالي تصبح متوالية تراكم المشكلات على المستوى الفوقي للحكومة وسياساتها الاقتصادية، والمستويات الدنيا على مستوى اقتصاد المواطن.
التشوه الثابت في الاقتصاد السوداني والملازم له لعقود هو نتاج سيطرة نظرية “السوق المزدوج”، والتي أصبحت هي الحاكمة؛ سوق “رسمي” أسعار الصرف وقيم العملات فيه معلنة على صفحات الصحف ولوحات الإعلان في المصارف والبنوك، وهي بالضرورة تعبير عن حالة سوق “زائف” لا حول له ولا قوة في مقابل سوق “موازي” أسعاره متحركة، وهو “الكل في الكل”، والذي يمضي قراره على الكبار في هذا البلد، وبالتالي يصبح الاقتصاد بكلياته خارج السيطرة الحكومية.
وللخروج من هذه “المطبات” الاقتصادية التي تصنع تشوهاً عميقاً في جين اقتصاد هذا البلد، لا بد من التفكير في توحيد سعر الصرف ولو عن طريق التدرج في ذلك، والاتجاه إلى تقليل الفجوة والمسافة بين الرسمي والموازي عبر سياسات نقدية محكمة يتم بناؤها على أرقام حقيقية وليست تخمينات، وبناء احتياطيات تسند ظهر الاقتصاد الوطني، وإجراء إصلاحات هيكلية في الجمارك بدلاً من تكرار تجربة التعديلات على سعر الصرف، وإجراء تعديلات على قوانين الاستثمار تكون مشجعة للمستثمرين ومساعدة على دفع عجلة الإنتاج المحلي الذي يقلل بالضرورة من قيمة فاتورة الاستيراد، و”رقمنة” العمل الجمركي للمزيد من الضبط وتقليل الفاقد في الجمارك عن طريق التلاعب والممارسات الفاسدة، لأننا وبالاعتماد على فكرة الدولار الجمركي نبقي الاقتصاد السوداني في مربع إدارة الأزمة وليس معالجتها، وإن ذلك يبقي المواطن في خانة الحلقة الأضعف في الاقتصاد السوداني، ولا يمكن أن يتم بناء اقتصاد مستقر في ظل وجود سعر صرف غير موحد.



