مشروع الانخراط الأمريكي في السلام السوداني

تشريع يتجاوز السلام إلى الوصاية على السودان

بقلم/ د. خالد حسين محمد

قراءة في نص يتعامل مع السودان من موقع الفرض لا الشراكة

 

يمثل مشروع قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني، الذي طُرح للنقاش في لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي يوم ٩ يونيو الجاري، تدخلا مباشرا في سيادة السودان، ومحاولة صريحة لنقل النفوذ من ميدان السياسة إلى ساحة الإلزام التشريعي. وإذا كان انتهاك السيادة يقع أحيانا بالقوة العسكرية، فإن هذا المشروع يذهب إلى الوجه الآخر من العدوان، حين يسعى إلى إخضاع دولة مستقلة ومن فيها لسلطان القانون الأمريكي وإرادته السياسية.

 

وقد بدا لافتا احتفاء بعض الكتابات بنصوص مجتزأة من المشروع، وبناء مواقف متعجلة عليها، حتى وصل الأمر إلى الترويج لفكرة أن واشنطن تتجه إلى تصنيف الدعم السريع تنظيما إرهابيا. غير أن هذا التناول، في تقديري، يقرأ النص خارج سياقه، ويعزل عباراته عن بنيته الكاملة. لذلك تبدو العودة إلى المواد نفسها أمرا ضروريا، لاستخلاص ما تنطوي عليه من استهداف واضح لسيادة السودان، قبل الانتقال إلى تحليل المشروع في صورته الأوسع.

 

بيان السياسة

العقوبات لا تستهدف طرفا واحدا بل تتسع لتطال بنية الدولة

 

في المادة الثانية، وتحت عنوان بيان السياسة، يعلن المشروع أن من سياسة الولايات المتحدة دعم العدالة والمساءلة بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني والإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الجهات المسلحة في السودان، ولا سيما المنخرطون في النزاع الذي بدأ في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، والذين نفذوا انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، والذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء حالة الطوارئ التي أعلنتها الطغمة العسكرية بعد ذلك الانقلاب وفي أعقابه.

 

ومن هذه الصياغة يتضح أن دائرة الاستهداف لا تقف عند جهة واحدة، بل تشمل كل الجهات المسلحة، بما فيها الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة والمستنفرون بتشكيلاتهم المختلفة. كما يمتد الاستهداف إلى مجلس السيادة بقيادة البرهان، بوصفهم من نفذوا انقلاب ٢٥ أكتوبر. وهنا لا يبدو النص مجرد توصيف سياسي، بل أداة ضغط مباشرة على قيادة الدولة، وفي مقدمتها الفريق البرهان، لدفعها إلى الاستجابة للمطلوبات الأمريكية تحت تهديد العقوبات.

 

ويزداد هذا المعنى وضوحا مع ما ورد في المادة ١٠٥ الخاصة بإنهاء العقوبات، إذ تشترط الفقرة المعنية تغييرا جوهريا في السلوك، وتحمل تبعة مناسبة للنشاط الذي فُرضت العقوبات بسببه، مع التزام موثق بالانخراط مستقبلا في النشاط المطلوب. وبذلك يصبح رفع العقوبات مشروطا عمليا بالامتثال، لا بمراجعة قانونية مجردة، وهو ما يكشف طبيعة المشروع باعتباره أداة إكراه سياسي مغلفة بعبارات قانونية.

 

إضفاء الشرعية على رواية سياسية

حين يتحول توصيف الانقلاب إلى مدخل لإعادة هندسة السلطة

 

إن استخدام تعبير انقلاب ٢٥ أكتوبر ليس تفصيلا لغويا عابرا، بل يحمل حكما سياسيا كاملا، مؤداه أن الفريق البرهان انقلب على حكومة شرعية هي حكومة حمدوك، وأن الطريق الصحيح، هو عودة تلك الحكومة التي جرى الانقلاب عليها. كما أن ربط النص بين حالة الطوارئ والانتهاكات التي وقعت خلالها يفتح الباب لإعادة إحياء ملف الاعتقالات التي طالت أعضاء حكومة حمدوك، بما يوحي باتجاه يراد له أن ينتهي إلى إعادة هذه المجموعة إلى المشهد.

 

ولعل أكثر ما يكشف النبرة العدائية في هذه المادة هو الإشارة إلى قيادة الجيش بعبارة الطغمة العسكرية بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر، وهي عبارة لا تحمل فقط موقفا سياسيا، بل تعكس استخفافا واضحا بقيادة مؤسسة سيادية في دولة مستقلة.

 

المساعدات الإنسانية

ممر إنساني بلا سيادة وبلا رقابة

 

في المادة الثانية كذلك، وتحت عنوان اتباع استراتيجية بشأن السودان، تنص الفقرة الخاصة بالمساعدات الإنسانية على تيسير إيصالها دون قيود في جميع أنحاء السودان عبر خطوط القتال وعبر الحدود الدولية، بما في ذلك من خلال المنظمات المحلية القاعدية.

 

وهذه الصياغة لا يمكن فهمها إلا باعتبارها سعيا لإلغاء أي متطلبات سيادية تتصل بالتصديق أو الفحص أو التحقق أو معرفة طبيعة المواد المنقولة وكمياتها. وهي بذلك تنتزع من الدولة حقها الطبيعي في الرقابة على ما يدخل إلى أراضيها، وتدفع نحو واقع لا يكون فيه للحكومة حق المنع ولا حتى حق المعرفة. ومثل هذا الترتيب لا تقبله أي دولة تحترم سيادتها، وقد سبق لواشنطن أن حاولت تمرير هذا المنحى عبر مجلس الأمن، لكنها لم تفلح.

 

الانتقال المدني

من يختار المشاركين ومن يمنح الشرعية

 

وفي الفقرة الخاصة بدعم حوار شامل يهدف إلى انتقال ديمقراطي بقيادة مدنية، بما يشمل تعزيز الآليات التي تكفل القيادة والمشاركة الهادفتين للنساء والشباب والمجتمعات المهمشة تقليديا، يبدو الموقف الأمريكي واضحا في عدم الاعتراف بحكومة كامل إدريس، كما يبدو واضحا أيضا أن واشنطن تريد أن تحدد بنفسها من تقبل مشاركتهم في القيادة من النساء والشباب. فإن المقصود هم أولئك الذين تضمهم صمود. كما أن الإشارة إلى المجتمعات المهمشة تقليديا تفتح، في هذا السياق، بابا للتأويل باتجاه حكومة تأسيس.

 

رأي الكونغرس

مساواة متعمدة بين الجيش والمليشيا

 

في المادة الثالثة، تحت عنوان رأي الكونغرس، يرد نص يدعو وزير الخارجية، بالتشاور مع النائب العام ووزير الخزانة، إلى فرض عقوبات على قيادات قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية المسؤولة عن قرارات استراتيجية وجهت أو مكنت من ارتكاب فظائع، بما في ذلك الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما يدعو إلى فرض عقوبات على أفراد الأسر البالغين المنتمين إلى قيادة الدعم السريع والقوات المسلحة، ما لم يكن فرد الأسرة قد دان النشاط الموجب للعقوبة واتخذ خطوات ملموسة لمعارضته، ويشير كذلك إلى تصنيف قوات الدعم السريع وفرض عقوبات عليها.

 

والواضح هنا أن الولايات المتحدة تتبنى رواية تعتبر ما يجري في السودان صراعا بين قوتين، لا تمرد مليشيا على دولة. ومن ثم فهي تسعى إلى وضع قيادة الجيش الوطني وقيادة المليشيا المتمردة في ميزان مساءلة واحد، رغم التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التي تؤكد ارتكاب الدعم السريع لإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في نيالا والجنينة والفاشر. ومع ذلك، يصر النص على صناعة مساواة سياسية وأخلاقية وقانونية بين الطرفين.

 

عقوبات الأسر

توسيع العقوبة خارج نطاق المسؤولية المباشرة

 

ويثير النص تساؤلا خطيرا حين يمد العقوبات إلى أفراد أسر قادة القوات المسلحة. فإذا كان الدعم السريع قائما في بنيته على شبكات أسرية يؤدي أفرادها أدوارا في القتال أو التمويل أو الإعلام، فإن محاولة القياس على ذلك داخل القوات المسلحة تبدو فاقدة للسند. فالمؤسسة العسكرية لا تلتحق بها الأسر، وإنما يلتحق بها الأفراد بصفتهم الشخصية. فكيف يُعاقب من لا صلة له بالمؤسسة العسكرية بسبب ما ارتكبه والده أو شقيقه. إن هذا التوسع في العقوبة يكشف نزعة انتقامية تتجاوز المسؤولية المباشرة إلى محيطها الاجتماعي.

 

تصنيف الدعم السريع

احتفاء متعجل بنص لا يقول ما يروج له

 

الفقرة التي خُص فيها الدعم السريع وحده بالذكر هي الفقرة المتعلقة بتصنيفه وفرض العقوبات عليه. غير أن هذا النص لا يحمل دلالة قاطعة على أن واشنطن تتجه فعلا إلى تصنيفه تنظيما إرهابيا، لأن المادة ١٠٣ تنص صراحة على مراجعة شاملة لتحديد ما إذا كان أي طرف من أطراف الحرب في السودان يستوفي معايير هذا التصنيف. وبذلك يتبين أن الاستهداف لا يقتصر على الدعم السريع وحده، وأن الترويج لفكرة حسم أمريكي في هذا الاتجاه يفتقر إلى الدقة.

 

حظر السلاح

محاولة لتجريد الجيش من حقه في التسليح

 

وتنص المادة الثالثة أيضا على أن على الأمم المتحدة توسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان كله. وهذه الفقرة تكشف بوضوح اتجاها يرمي عمليا إلى حظر السلاح على الجيش السوداني. فالحظر الذي كان خاصا بدارفور استهدف في الأصل منع وصول السلاح إلى الحركات المسلحة التي كانت تقاتل الحكومة، ثم صار يشمل الدعم السريع الذي يقاتل الآن في دارفور. ومن هنا يبدو توسيع الحظر ليشمل السودان كله خطوة تستهدف، في نتيجتها العملية، تجريد الجيش من حقه في التسلح. وقد حاولت الولايات المتحدة هذا المسار في سبتمبر ٢٠٢٤، لكنها لم تنجح.

 

القوات الدولية

تدخل مؤجل بواجهة أفريقية أو أممية

 

وفي السياق نفسه، يطرح المشروع استخدام الاشتراكات المقررة للأمم المتحدة، وفق قرار مجلس الأمن رقم ٢٧١٩ لسنة ٢٠٢٣، لتمويل قوة تابعة للاتحاد الأفريقي لحماية المدنيين، أو دعم مراقبة وقف إطلاق النار، أو تأمين العمليات الإنسانية في السودان إذا جرى الإذن بهذه القوة.

 

ولا يبدو أن الولايات المتحدة راغبة في تدخل مباشر تتحمل كلفته وحدها، خاصة بعد تجاربها الباهظة في الصومال والعراق، لكنها لا تتخلى عن هدف إدخال قوات دولية إلى السودان، سواء عبر الاتحاد الأفريقي أو عبر الأمم المتحدة، لتنفيذ أجندتها من وراء ستار جماعي. وقد حاولت تحريك المؤسسات الدولية والإقليمية في هذا الاتجاه، لكنها لم تنجح، ولذلك جاء ختم النص بعبارة إذا جرى الإذن بهذه القوة، إقرارا ضمنيا بصعوبة تمرير هذا المسار.

 

المادة ١٠٣

باب مفتوح لتوسيع وصف الإرهاب على كل الأطراف

 

تنص المادة ١٠٣ على إجراء مراجعة شاملة خلال مدة لا تتجاوز ٩٠ يوما من تاريخ سن القانون، لتحديد ما إذا كان أي طرف من أطراف الحرب في السودان يستوفي معايير التصنيف إرهابيا، على أن تُرفع نتائج المراجعة وقرار الجهتين المختصتين إلى لجان الكونغرس.

 

والنص هنا حاسم في دلالته. فهو لا يحصر الاستهداف في الدعم السريع، بل يفتح الباب أمام إدراج أي طرف من أطراف الحرب تحت هذا الوصف. ومن ثم فإن الحديث عن أن المشروع وُضع خصيصا لتصنيف الدعم السريع وحده لا يستقيم مع القراءة الدقيقة للنص.

 

لماذا لا تمضي واشنطن إلى التصنيف

حسابات النفوذ تتقدم على الشعارات

 

من هذه الزاوية، يبدو الحديث عن اتجاه أمريكي حاسم لتصنيف الدعم السريع تنظيما إرهابيا حديثا متعجلا. بل إنني أكاد أجزم بأن واشنطن لن تمضي إلى هذه الخطوة لعدة أسباب.

 

أول هذه الأسباب يتعلق بإجازة مشروع القانون نفسه وما يحيط بها من تعقيدات. وثانيها أن تصنيف الدعم السريع إرهابيا سيُفقد الولايات المتحدة الأداة التي ظلت تستخدمها منذ إشعال الحرب لتحقيق أهدافها في السودان، وهي الأداة التي ترتبط بمحاولة إعادة صمود إلى الحكم لإنقاذ المشروع الأمريكي في السودان، وما استخدام بندقية حميدتي إلا في هذا الإطار. ولذلك فإن التصنيف، لن يأتي قبل تحقيق ذلك الهدف، فإذا تحقق أمكن بعده التخلص من حميدتي وإلقاؤه في مزبلة التاريخ.

 

أما السبب الآخر، فهو أن تصنيف الدعم السريع إرهابيا من شأنه أن يضع الإمارات ومحمد بن زايد في مواجهة مطالبات قانونية وسياسية كبرى، تشمل المساءلة والتعويض وجبر الضرر للسودان والسودانيين. وهذا ما يجعل الإمارات، في هذا التقدير، غير مستعدة للسماح بمثل هذا المسار، لا سيما في ظل نفوذها المالي داخل الإدارة الأمريكية ودوائر القرار في الكونغرس، فضلا عن المصالح الاقتصادية الضخمة بين البلدين.

 

ثم إن الولايات المتحدة، لو كانت جادة فعلا في هذا الاتجاه، لكانت قادرة على اتخاذه من غير الحاجة إلى سن قانون جديد.

 

تقرير السلاح الأمريكي

التعميم وسيلة لطمس الجهة الحقيقية الداعمة للحرب

 

في المادة ٢٠٧، يطلب المشروع من وزير الخارجية، بالتشاور مع وزير الدفاع ومدير الاستخبارات، تقديم تقرير عن الأسلحة أو المعدات العسكرية ذات المنشأ الأمريكي التي تستخدمها الأطراف المتحاربة في السودان.

 

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعلم مسبقا، أن الدعم العسكري للدعم السريع من الإمارات مؤكد بتحقيقات صحفية وأكاديمية وصور أقمار صناعية، بل وتدركه أجهزتها الاستخبارية، وتعلم كذلك أن الأسلحة الأمريكية موجودة في صف الدعم السريع وأنها بيعت أصلا للإمارات، فإنها تلجأ إلى صياغة عامة تموه على الحقائق بدلا من تسميتها، وقد ينتهي الأمر إلى إدانة الجيش إذا استخدم أسلحة أمريكية استولى عليها من الدعم السريع.

 

خاتمة

مشروع يعيد تعريف السلام بوصفه أداة ضغط

 

في مجمله، لا يبدو مشروع قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني نصا يسعى إلى سلام متوازن يحترم سيادة السودان، بل وثيقة ضغط سياسي وقانوني تعيد صياغة الأزمة السودانية بما يخدم الرؤية الأمريكية، وتفتح الباب أمام عقوبات وتدخلات ومسارات وصاية تتجاوز حدود الشراكة الدولية إلى فرض الإرادة على دولة مستقلة. و دجفي المقال القادم، يكون الانتقال إلى تحليل المشروع كاملا، من حيث أهدافه ورسائله الواضحة والضمنية ومدى نفاذه وما الذي يعنيه للسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى