د. مزمل أبو القاسم يكتب : الشمول المالي وتحويلات المغتربين

للعطر افتضاح..
* تتمثل حالة أبرز الفشل الحكومي في استثمار علاقات السودان المتميزة مع أشقائه الخليجيين في عدم القدرة على فتح نوافذ مصرفية سريعة وفعالة لجلب تحويلات المغتربين سيما في السعودية التي تستضيف أكثر من مليون عامل سوداني.. لو حول كل واحد منهم ألف ريال فقط لذويه شهرياً فسيكسب القطاع المصرفي السوداني مليار ريال سعودي شهرياً، تساوي حوالي 365 مليون دولار أمريكي.
* حالياً تتم كل تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عبر السوق الموازية، ولا يوجد أي اجتهاد لتغيير ذلك الواقع المؤسف، ولا توجد إرادة حكومية لإدخال تلك المبالغ المقدرة عبر النظام المصرفي السوداني.
* في العام 2025 بلغت قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج أكثر من 40 مليار دولار، وفي العام نفسه بلغت قيمة تحويلات الإثيوبيين العاملين خارج بلادهم أكثر من تسعة مليارات دولار!
* الفشل يمتد لملف التحويلات من السودان إلى مصر وبالعكس بعد إن لجأ ملايين السودانيين إلى مصر هرباً من الحرب، وما زالت تلك التحويلات تتم عبر تجار العملة بسبب عدم وجود نوافذ للتحويل عبر النظام المصرفي بين البلدين، برغم تميز العلاقات الدبلوماسية بينهما!
* حتى اللحظة لا يوجد أي فرع لبنك سوداني في مصر القريبة، وقد حاولت بعض البنوك السودانية (على رأسها بنك الخرطوم) افتتاح فروع لها في المحروسة وفشلت، ولم تهتم الحكومة السودانية بمساعدتها على إنجاز تلك الخطوة، ولم يتحرك البنك المركزي في السودان للتواصل مع نظيره المصري لإقناعه بجدوى وجود فروع للمصارف السودانية في مصر، وأنها ستساعد في تنشيط حركة الاستثمار والتجارة البينية بين البلدين، وتسهل دخول مبالغ التحويلات المقدرة في النظام المصرفي للسودان ومصر.
* الفشل الذي نتحدث عنه متراكم ومتوارث بين الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد، وقد استمر طيلة فترة حكم الإنقاذ، ثم تواصل خلال الفترة الانتقالية، التي شهدت الكثير من الحديث عن رفع العقوبات الدولية المفروضة على السودان، وعن عودة النظام المصرفي السوداني للنظام المصرفي الدولي، من دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على البنوك السودانية التي ظلت مكبلة وعاجزة عن تقديم خدمات التحويلات المصرفية الدولية للمواطنين.
* حتى التحويلات والاعتمادات التي تخص الأعمال التجارية ظلت تتم عبر نافذة وحيدة موجودة في دولة العدوان حتى اللحظة، وأعني بها بنك النيلين فرع أبوظبي، إضافةً إلى معاملات بسيطة تتم عبر بنك السلام البحرين.
* بمقدور الحكومة أن تستثمر العلاقات المتميزة التي تربط السودان بالمملكة العربية السعودية التي تستحوذ على أكبر عدد من السودانيين العاملين بالخارج، لتتم عمليات التحويل إلى السودان عبر النظام المصرفي، وتصل المبالغ المحولة إلى المستفيدين منها في حساباتهم المصرفية (ببنك الخرطوم أو أم درمان الوطني أو فيصل مثلاً)، وتدخل تلك المبالغ الطائلة في الدورة المصرفية النظامية بدلاً من تركها لتجار السوق الموازية.
* تلك الخطوة يمكن أن تتم باجتهاد بسيط من البنك المركزي السوداني أو باتفاق مباشر بين البنوك السودانية والبنوك السعودية مثلاً، لكن الحكومة لا تهتم بتذليل تلك العقبة، والمصارف السودانية لا تسعى لتغيير ذلك الواقع المؤسف.
* السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في خضم هذه المعضلة يتعلق بماذا أنجزت الأستاذة آمنة ميرغني محافظ بنك السودان حتى اللحظة؛ بخلاف السير على خطى سلفها (المحافظ السابق برعي الصديق) بالممسحة؟
* حرس برعي سعر الصرف بعكازه الغليد وحافظ عليه مستقراً في عز زمن الحرب وبعد أن فقدت الدولة معظم إيراداتها واضطرت إلى الاستدانة من النظام المصرفي بالطباعة، وخلال أقل من ستة أشهر من لحظة تولي المحافظ الجديد لمنصبها قفز سعر الدولار من 3600 إلى أكثر من أربعة آلاف جنيه، وتهاوي قيمة العملة الوطنية مستمر.. وآمنة لا حس ولا خبر!
* لم تتخذ أي إجراء لوقف ذلك الانهيار المريع.
* مطلوب من رئاسة الوزراء أن تضع المعضلة المتعلقة بالتحويلات في مقدمة أولوياتها، لا لتسهل بها على مواطنيها فحسب، بل لتمنح الاقتصاد السوداني المترنح قُبلة الحياة، وتخرجه من حالة الركود التي دخل فيها بسبب الحرب أولاً، وبضعف أداء أجهزة الدولة نفسها ثانياً، سيما وأن انهيار قيمة العُملة الوطنية تسبب في تآكل رؤوس أموال المصارف السودانية لتصبح عبارةً عن (كناتين) ضعيفة القيمة، متواضعة الأداء، وشبه مفلسة وعاجزة عن خدمة الاقتصاد وتمويل قطاعات التجارة والصناعة والإنتاج الحيواني وغيرها.
* الحديث عن تطوير الخدمات المصرفية سيقودنا بالضرورة لتناول قضية الشمول المالي، وهي العملية التي يتم من خلالها تمكين جميع فئات المجتمع، والفئات الضعيفة والمهمشة خاصةً، من الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية (مثل الحسابات البنكية، التمويل، التأمين، الادخار، والسداد الإلكتروني) بأسعار مناسبة وبشكل آمن.
* بلوغ غاية الشمول المالي يتطلب استخداماً واسعاً وذكياً للتكنولوجيا الرقمية التي تسهل الخدمات وتُيسّر السداد وتقلص الاعتماد على الكاش في التعاملات المالية وهي تجارب مطبقة في عدد كبير من الدول العربية والإفريقية بنجاحٍ هائل، بوجود محولات رقمية فعالة، تسهل الخدمة وتسرع وتيرتها وتقلص كلفتها.. أما نحن في السودان فما زلنا نعيش في عصر التعامل بجوالات الكاش.. وتعال بكرة والكهربة قطعت والشبكة طشت.. والدولة لا ترى.. لا تسمع لا تتكلم ولا تسعى لتغيير ذلك الواقع المزري.. حسبنا الله ونعم الوكيل!



