بين طموحات “الحماية” ومخاوف “الندرة”.. قرار حظر الاستيراد يضع الاقتصاد السوداني على مقصلة الجدل

تقرير: أمين محمد الأمين 

في خطوة تهدف إلى حماية ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي، وتخفيف الضغط المتزايد على “الجنيه” في مواجهة سلة العملات الأجنبية، أعلنت السلطات السودانية مؤخراً حزمة من القرارات التي تقضي بحظر استيراد قائمة من السلع والمنتجات. وبينما تراهن الحكومة على هذه الخطوة كـ “كابح اضطراري” لاستنزاف العملة الصعبة، يرى خبراء أن القرار يمثل “سلاحاً ذو حدين” قد يفتح جبهات جديدة من الندرة والغلاء.

سياسة كارثية

​وكانت غرفة المستوردين قد أبـدت، في تصريحات صحفية، استغرابها الشديد إزاء القرار رقم (74) لسنة 2026 القاضي بحظر استيراد بعض السلع، واصفة إياه بـ “السياسة الكارثية” التي ستُفاقم معاناة المواطن المعيشية وتُعيد إنتاج تجارب اقتصادية فاشلة.

​تجاوز فني

وانتقد رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين، صدور القرار بشكل مفاجئ قبل استكمال أعمال اللجنة الفنية المختصة التي شكلها رئيس الوزراء نفسه، مؤكداً أن تغييب القطاع الخاص والمختصين يفتح الباب أمام الاحتكار والتهريب، ويحرم خزينة الدولة من إيرادات جمركية وضريبية ضخمة كانت توفرها هذه السلع.

​فشل المعالجة

وفنّد جلال الدين جدوى القرار في كبح سعر الصرف، مبيناً أن السلع المحظورة لا تشكل عبئاً على الميزان التجاري، بل إن حظرها سيؤدي لعجز في الموازنة وتدهور قيمة الجنيه. وطالبت الغرفة بالإلغاء الفوري للقرار، ملوحة باللجوء إلى القضاء لإبطاله حمايةً للاقتصاد الوطني وضماناً لالتزامات السودان الدولية تجاه منظمة التجارة العالمية.

تحديات جسيمة

في قراءة فاحصة لقرار حظر استيراد قائمة من السلع والمنتجات، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، في حديثه “للعودة”، أن القرار يحمل في جوهره أبعاداً وطنية تهدف إلى تحفيز التوطين الصناعي، إلا أنه يواجه تحديات جسيمة تتعلق بمدى توفر البديل المحلي وقدرته على تلبية احتياجات السوق المتصاعدة.

​نزعة وطنية

وأشار د. هيثم إلى أن القرار يعكس رغبة في حماية الصناعة الوطنية، وهو توجه جيد من منظور نظري، لكن التساؤل الجوهري يظل قائماً حول مدى جاهزية الدولة لتوفير البدائل. فالسودان يواجه الآن استحقاق “إعادة الإعمار” في عدة ولايات، وهي عملية تعتمد بشكل عضوي على مواد البناء مثل الإسمنت والسيراميك والرخام، وهي سلع غير كافية محلياً، بل إن مصانع السيراميك تكاد تكون غائبة، بينما تعاني مصانع الإسمنت من شح المواد الخام والطاقة وتدني الكوادر البشرية بسبب النزوح واللجوء.

​أمن غذائي

وانتقل الخبير الاقتصادي في حديثه لـ “العودة” إلى ملف السلع الاستراتيجية، محذراً من تداعيات حظر سلع حيوية مثل “العدس” و”الفول المصري” التي تمثل الغذاء الأساسي للطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل. وأوضح أن السودان يعتمد على الاستيراد لتغطية فجوات كبيرة، حيث تُقدر الحاجة السنوية من الفول المصري بنحو 150 ألف طن، متسائلاً عن كيفية سد هذا العجز في ظل غياب سياسات تشجيعية تزيد من المساحات المزروعة وتدعم المزارع بالمعينات اللازمة.

​مؤشرات التضخم

ويرى د. هيثم أن القرار يكشف بوضوح عن شح في احتياطيات النقد الأجنبي، وهو مؤشر قد يقود إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع جنوني في الأسعار، مما يضاعف معاناة المواطن الذي بات يعيش واقعاً يفوق حدود الفقر التقليدية. واعتبر أن تقييد الاستيراد في ظل سياسة “السوق الحر” المعلنة يمثل تناقضاً يحرم المستهلك من حقوقه، ويحد من حركة رأس المال الراغب في العمل وتداول السلع التي توصف بالكمالية.

​آثار ارتدادية

واختتم الخبير الاقتصادي إفادته بالتأكيد على أن الانعكاسات السلبية لن تتوقف عند المستهلك فحسب، بل ستمتد لتضرب “الوعاء الضريبي” والجمركي للدولة، مما يقلص الإيرادات العامة. كما حذر من توقف سلاسل الإمداد التي تشمل المستوردين، وقطاعات النقل، والتخليص، والتوزيع، والعمالة المرتبطة بها؛ مما يعني تعطل منظومة اقتصادية متكاملة كانت تسهم في تحريك العجلة المالية وتوفير فرص العمل.

خلل واضح

وفي السياق ذاته، ​وجّه الخبير الاقتصادي، الدكتور فاتح عثمان محجوب، انتقادات حادة لقرار حظر استيراد قائمة من السلع بدعوى تصنيفها “كماليات” وتأثيرها على سعر صرف الجنيه السوداني. وأشار محجوب إلى أن القرار المنسوب لمجلس الوزراء يبدو أنه لم يجز بشكل نهائي، لافتاً إلى وجود خلل واضح في اختيار السلع المدرجة التي لم تراعِ الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

​تقديرات خاطئة

واعتبر محجوب أن إدراج سلعة “الأرز” ضمن المحظورات يغفل كونها غذاءً أساسياً وضرورياً للطبقات الفقيرة، كما أن حظر مواد البناء مثل “الإسمنت والأثاث” يتصادم مع احتياجات المرحلة الراهنة التي تتطلب إعادة ترميم المنازل والمصانع والمؤسسات الخدمية المتضررة. وأضاف أن حظر مواد “التعبئة والتغليف” سيلحق ضرراً بالغاً بقطاعي الصناعة والتجارة، وسيعيق صادر الخضر والفواكه الذي تعول عليه الدولة في جلب العملة الصعبة.

​تناقض إيرادي

ولفت الخبير الاقتصادي الانتباه إلى مفارقة لافتة في القائمة، حيث خلت من “السيارات” رغم تكلفتها العالية التي تفوق قيمة القائمة بأكملها، وعزا ذلك إلى رغبة الجهات المعنية في الحفاظ على إيراداتها الجمركية الضخمة، مما ينفي حجة “الحفاظ على النقد الأجنبي” كدافع وحيد للقرار. كما فند محجوب ذريعة حماية الإنتاج المحلي، مؤكداً أن معظم المصانع لم تستعد عافيتها بعد، وأن الحماية الحقيقية تتم عبر “التعرفة الجمركية” وليس الحظر الكلي.

​حلول ذكية

وشدد د. فاتح في ختام إفادته على أن الدولة بحاجة ماسة إلى إعادة “قولبة” شاملة لكافة القوانين الإيرادية لتصبح أكثر مرونة وذكاءً. ودعا إلى تبني سياسات مالية تدعم الإنتاج المحلي وتُحفز الصادر وتضاعف إيرادات الخزينة العامة، دون إلحاق الضرر بالبنية الكلية للاقتصاد الوطني أو زيادة الأعباء على المواطن والمستثمر على حد سواء.

​مستقبل غامض

يبقى قرار حظر الاستيراد محل جدل واسع بين طموحات الحكومة في السيطرة على النقد الأجنبي، وتحذيرات الخبراء من تداعيات انكماش الأسواق وتصاعد التضخم. وبين هذا وذاك، يقف المواطن السوداني في انتظار سياسات اقتصادية أكثر توازناً، تزاوج بين “الترشيد” وتحفيز “الإنتاج”، لضمان ألا تذهب جهود الإصلاح أدنى رياح الندرة والغلاء؛ فالاقتصاد لا يُبنى بالمنع وحده، بل بالقدرة على خلق البدائل المستدامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى