الكتلة الديمقراطية.. مراجعات “سياسية” في زمن الحرب

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وعلى اتفاق القوى السودانية “المدني” منها و”العسكري” في ديسمبر ٢٠١٨م على مسألة تغيير النظام واصطفافها إلى جانب الشعب السوداني للإطاحة بنظام البشير، إلا أن عيوب النشأة والتكوين التي صاحبت ولادة تحالف الحرية والتغيير آنذاك، وجاءت بالبعض من نقطة تفضيل منازعة النظام سلطته عبر “الانتخابات” المقرر عقدها في ٢٠٢٠م بدلًا عن تعليق الآمال السياسية على “الشارع” وأدواته النضالية، وآخرين كانوا قد اختاروا “تفاوض” البندقية للبندقية لتكرار اتفاقيات تقاسم السلطة والثروة في السودان، هي التي كانت سببًا رئيسيًا في تصدعات أصابت التحالف، في الوقت الذي توفرت فيه أحد أهم أسباب وحدة الصف السياسي في السودان بعد إسقاط النظام، وبات الصراع على “إرث” الحرية والتغيير ورصيدها المتكون على أيام الثورة والتغيير هو صاحب التأثير الظاهر في “اللافتات” التي تقسمت عليها القوى السياسية، فصار هنالك تحالف حرية وتغيير تحت عنوان “المجلس المركزي”، وآخر تحت عنوان “الكتلة الديمقراطية”، وبعد طلاق البينونة الكبير في هذا التحالف لاحقًا ظهر عنوان جديد للتحالف السياسي تحت عنوان “التغيير الجذري”.

“الكتلة الديمقراطية”، وهي التحالف المزيج بين حركات “الكفاح المسلح” وقوى مدنية أخرى حليفة، كان الشق العسكري قد “فرز عيشته” منذ وقت مبكر إبان انعقاد مباحثات اتفاق جوبا للسلام، والذي وعلى الرغم من أنه أحد أركان شعار التغيير الثلاثة “حرية .. سلام .. عدالة”، إلا أن اتفاق السلام في جوبا، الذي أصبح لاحقًا جزءًا من الوثيقة الدستورية، يعتبر هو وثيقة الحقوق التي عن طريقها استطاعت فصائل مؤسسة للتحالف ضمان مكاسبها بعد التغيير.

“التباين” في المواقف بشكل واضح امتحنته أحداث كثيرة جرت بين مكونات النادي السياسي، فما تم التعامل معه في ٢٥ أكتوبر كانقلاب على الوضع الانتقالي بحسب قوى الحرية والتغيير “المجلس المركزي”، كان في حسابات أخرى هو مجرد “قرارات” بعين الكتلة الديمقراطية، وموقف ضد “احتكار” المشهد السياسي، وأداة لخلق التوازن مقابل تحالفات أخرى.

(*) الكتلة الديمقراطية في ميزان مناقشة “النظام الأساسي” ..

وقد يكون من الطبيعي في النادي السياسي سماع خبر انعقاد “المؤتمر العام” باعتبار أن ذلك يعبر عن الامتثال للممارسة الديمقراطية في أوقات “السلم”، إلا أن الاستثناء الباعث للاهتمام أكثر بانعقاد المؤتمر العام الثاني للكتلة الديمقراطية في سياق “الحرب” التي لا يزال يُسمع صوت رصاصها، بل ومكونات أصيلة في الكتلة يقف منسوبوها في مقدمات “الصندوق القتالي” لهذه الحرب ويشاركون في كل محاور القتال.

التوقيع على النظام الأساسي من قبل ٢٠ من تنظيمات ومكونات تحالف الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية في ٢٦ أبريل الجاري يفتح باب الأسئلة حول طبيعة “الكتلة الديمقراطية”، وعن هل هي “تحالف مرن” أم تنظيم سياسي متماسك؟

مناقشة النظام الأساسي “لم يُنشر بشكل رسمي” بالضرورة تقودنا إلى السؤال حول عضوية هذا التحالف وطبيعتها، باعتبار أن هنالك مكونات أصيلة في التحالف ذات طبيعة وتكوين عسكري إلى جانب قوى مدنية حليفة، وآليات فض النزاعات داخل التحالف.

بحسب التصريحات الصادرة عن قيادات التحالف، “جعفر المرغني” رئيس الكتلة الديمقراطية، والتي دعا فيها للحوار الوطني و”الانتخابات” الحرة والنزيهة، وانفتاح الكتلة على الجميع، يأتي سؤال عن وضعية التكوينات حاملة السلاح حال تم الانتقال لمرحلة الانتخابات؟

وصحيح أن هنالك أكثر من تصريح صادر من قيادات في الكتلة بالحاجة إلى جيش وطني واحد، ما يعني بالضرورة “دمج” كل القوى المسلحة والتسريح، الأمر الذي لا يبدو بسهولة التصريحات، وأن فيه من التعقيدات الكثير.

في المؤتمر العام الثاني للكتلة الديمقراطية، والذي تحدث فيه حاكم إقليم دارفور / مني أركو مناوي عن ثلاثة عناوين رئيسية قال بأنه لا تأجيل فيها: “بناء هياكل الكتلة / توحيد الخطاب السياسي / فتح الأبواب أمام القوى الوطنية”، تأجل البند الأول، وهو مناقشة الهياكل التنظيمية التي تحدد من يقود الكتلة: هل هو رئيس أم مجلس رئاسي أم تُدار الأمور عن طريق رئاسة دورية في الكتلة؟

الرسالة التي أخرجها نقاش النظام الأساسي للكتلة الديمقراطية هي أن هنالك محاولة للانتقال بالتحالف من دائرة الظروف التي أوجدته إلى حالة الكيان السياسي الدائم.

تحتاج الكتلة الديمقراطية إلى آلية تضبط بها التباينات في الخطاب بين المكونات السياسية والعسكرية، وأن مناقشة النظام الأساسي هي من مطلوبات مرحلة ما بعد الحرب، التي لم تنتهِ حتى لحظة انعقاد المؤتمر العام الثاني.

عمليات إعادة هندسة الكتلة الديمقراطية عبر انعقاد المؤتمر العام الثاني أيضًا يمكن قراءتها من الزاوية القديمة التي أوجدت الكتلة من أساسها على أيام الفترة الانتقالية، حيث كان الحديث وقتها يدور حول “احتكار” المشهد السياسي، وأن هنالك ضرورة لإيجاد لاعبين جدد يخاطب وزنهم السياسي الداخل والخارج حال توقفت الحرب أو تمت عملية تسوية سياسية.

المزيج “مدني / عسكري” المكون للكتلة الديمقراطية يضع علامة الاستفهام حول مناقشات النظام الأساسي، وهل هو إجراء شكلي، وأن القرار خارج الهياكل التنظيمية.

والسؤال هنا للمؤتمرين: هل يمكن أن تكون مناقشات النظام الأساسي والهياكل مناقشات حقيقية لمطلوبات المرحلة، أم هي محاولة للتوفيق بين “شرعية السلاح” و”شرعية السياسة” داخل كيان واحد؟

مع كل التقلبات التي شهدها السودان، سواء كانت ثورة أو انقلابًا أو الحرب نفسها، ومن ثم تشكيل الحكومة الحالية، ظلت مكونات أصيلة في الكتلة تتعامل مع ما حصلت عليه عن طريق اتفاقية جوبا للسلام من مناصب سياسية والتزامات كثوابت لا يمكن التنازل عنها على الإطلاق، حتى ولو تعارضت مع الوثيقة الدستورية، ناهيك عن اختلاف الرأي حولها داخل تحالف سياسي.

من المفترض أن يكون جزء من أجندة انعقاد المؤتمر العام للكتلة الديمقراطية هو عملية إصلاح الخطاب السياسي وإعادة وضعه في إطار ومنهج غير الذي يظهر به الآن، لأنه يمثل استجابة لخطابات الكراهية ولغة الحرب التي لا تليق بتحالف يرغب في أن يحجز مكانه في النادي السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى