ملف السودان في الأجندة الدولية .. قمة السبعة الكبار نموذجًا

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
(*) من الهامش إلى المركز .. كيف وصل ملف السودان إلى طاولة G7؟
الثابت هو أن ملف السودان، المقروء من صفحة الحرب المشتعلة منذ أبريل ٢٠٢٣م وحتى الآن، لم يغب عن اجتماعات السبعة الكبار في العالم، على الأقل منذ القمة ٦١ والقمة ٦٢ المنعقدة في العاصمة باريس يونيو الجاري، وبطريقة ما أو بأخرى وجد ملف حرب السودان مساحته من النقاش ضمن الأجندة المطروحة لتداول أصحاب الوزن الاقتصادي الأكبر في العالم.
والإجابة على السؤال أعلاه تنطوي على تعقيدات كثيرة ينبغي النظر إليها بعين التحليل لنقدم إجابات تشرح المسار الذي سلكه ملف السودان ليجد طريقه للمداولات التي امتلأت بها القمة، فكل ملف يدخل إليها بحسب الوزن والأهمية.
وهنا ينبغي أن نشير أولًا إلى: هل هنالك دور للدبلوماسية السودانية في وصول الملف السوداني لمناقشات G7 في باريس؟ وهل العقل الدبلوماسي في السودان كان يرى أي أهمية لحضور ملف السودان ضمن الأجندة الدولية، ويرى بأن لهذا الدخول أي تأثير في تحقيق الأجندة الوطنية؟
وبرأيي فإن الدبلوماسية السودانية لم تقم بالتحضير الجيد والمتناسب مع أهمية الأجندة التي تم نقاشها في هذه القمة والقمة التي سبقتها، وإن لم يكن السودان ضمن المشاركين أو المدعوين تحت أي صفة للمشاركة في هامش اجتماعات القمة.
في قمة السبعة الكبار هناك دول ذات ارتباط مباشر بالأزمة السودانية، بل وممسكون أساسيون بملف الحرب في السودان، وجزء أصيل من منابر التفاوض ونقاشات إيقاف الحرب في السودان، وتلك في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة لمشاركة رؤساء دول من الجوار الإقليمي تعتبر الآن طرفًا أصيلًا، بطريقة أو بأخرى، في مناقشات الأزمة السودانية. ولم تجتهد الدبلوماسية السودانية كثيرًا في تسويق رؤيتها للتعامل مع ملف الحرب في السودان وإعطائه الأولوية التي تنقله من “هامش” اهتمامات العالم إلى “مركز” مناقشاته في القمة.
صحيح أن قمة السبعة الكبار، بالأساس، تمنح قياساتها للملفات التي تؤهل للدخول إلى أجندة اجتماعات قادة الدول الكبار في الاقتصاد العالمي لمقاييس اقتصادية، بسببها يتراجع السودان كثيرًا وأزمته في جدول الأولويات عند المقارنة بملفات أخرى ساخنة في العالم لها التأثير الأكبر والأهم على مؤشرات الاقتصاد العالمي، إلا أن المدرسة الدبلوماسية في السودان، وعلى الدوام، كانت تقوم على منهج عدم الاجتهاد والتحضير الدبلوماسي الجيد، وهو مرض “الكسل” الدبلوماسي الذي يعتمد على “رزق اليوم” في إدارة الملف الدبلوماسي وانتظار الفعل لإنتاج ردة الفعل السودانية، والتي في الغالب لا تتعدى التعليق بالرفض أو القبول للسطور التي يتم فيها ذكر ملف وقضايا السودان في البيان الختامي.
ما يخرج من مطبخ قمة السبعة الكبار من قرارات وموجهات يعتبر هو الأكثر تأثيرًا في السياسة الدولية، وهو المسؤول عن رسم خارطة الأزمات في العالم ومسارات الحل فيها، وتتيح مداولاتها فرصة الفهم لكيفية تفكير العقل الدولي في الأزمات وفرضيات الحلول التي يميل إليها قادة الدول ذات الوزن الاقتصادي الكبير في العالم.
كل هذا لم يدفع الدبلوماسية السودانية لاستباق القمة ٦٢ بباريس باجتهاد دبلوماسي محسوس يوحي بإدراكها لتأثيرات وأهمية أن يكون الملف السوداني حاضرًا وتحت عيون السبعة الاقتصاديين الكبار في العالم.
انتقل الملف من “الهامش” في أجندة مناقشات قادة الدول الكبيرة اقتصاديًا إلى مركز المناقشات، بل وتواجده بقوة ضمن ورقة البيان الختامي والتوصيات، بسبب التقاط المؤشرات الاقتصادية في العالم لبداية تأثيرات الحرب في السودان على المشهد الأمني والسلام في العالم، وبالتالي المساس بالملف الاقتصادي في العالم وتضرر بعض الدول ومصالحها المرتبطة بأمن السودان، ما اضطرهم للإشارة لما يحدث في السودان.
انتقل الملف السوداني والحرب فيه من الهامش إلى مركز الاهتمام لتقاطعاته مع قضايا الأمن الإقليمي، وخصوصًا أمن إقليم البحر الأحمر، والذي يشهد تنافسًا اقتصاديًا محمومًا، بات ليس من المقبول أن تنتظر الدول ذات المصالح الاقتصادية الكبيرة الحرب السودانية أن تقضي على أخضر الاقتصاد ويابس الأمن في الإقليم.
انتقل الملف السوداني لمركز الاهتمام لدى قادة الدول صاحبة الوزن الاقتصادي لأن تأثيرات الحرب بدأت في الظهور عبر ملفات الإرهاب، وخلقت بيئة واعدة لانتشار الخلايا الإرهابية، والتي تمثل العدو الأول لأي مشروعات استثمار اقتصادية، وخلقت بيئة صالحة لتحويل رأس المال المشبوه وانتشار شبكات غسيل الأموال، وبالتالي أصبح الملف بالأهمية التي تؤهله ليكون حاضرًا في المناقشات.
قضايا الهجرة والمهاجرين غير الشرعيين هي قضايا ذات ارتباط وثيق بالاقتصاد العالمي، وحرب السودان لها مساهمة في ذلك، وبالتالي كان ذلك سببًا في أن يكون التفكير في حل هذه الأزمة من جذورها، وكان وجود الملف السوداني ضمن مداولات القمة ٦٢ اعترافًا ضمنيًا بتجاوز الأزمة السودانية والحرب للحدود الوطنية عبر أكثر من واجهة.
(*) حرب السودان .. أهمية استراتيجية أم كارثة إنسانية؟
وهنا المؤكد، والذي لا جدال فيه، هو أن اهتمام العالم، الممثل في قادة الدول السبعة الكبار في النادي الاقتصادي العالمي، بملف الحرب السودانية يأتي من باب الأهمية الاستراتيجية للسودان، والتي اكتسبها من واقع ظرف المكان ووضع السودان في الجغرافيا السياسية كدولة مطلة على البحر الأحمر، والتي تمثل رقمًا مهمًا في اهتمامات الأمن والسلم الدوليين، وتتأثر بهذا الموقع حركة النقل والاقتصاد، وهي منطقة الآن تشهد صراعًا يؤثر على عصب الاقتصاد في العالم ولا يتحمل أن يُترك لحرب عبثية لها إفرازاتها.
السودان كذلك مركز مهم في إقليم ما يعرف بالقرن الإفريقي، وبالتالي فهو أيضًا يؤثر في الداخل الإفريقي بطبيعة تقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، وهذا صراع داخل صراع يتطلب التعامل معه بالتقدير الصحيح لهذه المصالح في مقابل المصلحة الوطنية.
إفرازات حرب السودان كذلك لا يمكن إنكار أنها أحرجت “الضمير” الإنساني العالمي، باعتبار أن أرقامها، فيما يخص الانتهاكات تجاه المدنيين، سجلت مستوى مخيفًا جدًا في سجلات وتقارير المنظمات الدولية، وأن القضايا الإنسانية المرتبطة باللجوء واللاجئين، صحيح أنها بالمقام الأول ذات بعد إنساني، إلا أن الأعباء الاقتصادية على الدول المستضيفة تجعل الملف مؤهلًا تمامًا ليكون حاضرًا أمام مناقشات G7.
تحليل بيانات سابقة للبيانات الصادرة من قمم السبعة الكبار اقتصاديًا والحالية يقودنا إلى أنها قد ركزت، فيما يخص الملف السوداني، على قضايا وقف إطلاق النار بين أطراف الحرب، والتشديد على ضرورة وصول المساعدات الإنسانية وفتح المسارات لذلك “دون التزامات مالية محددة” تجاه ذلك، والدعوة لمحاصرة المجاعة التي بدأت مؤشرات اقتصادية في رصدها.
عيون الاقتصاد في العالم، وإن كانت الآن مشغولة بالتأثيرات الاقتصادية الأكبر للحرب الروسية الأوكرانية على اقتصاديات العالم ومطلوبات الاصطفاف والتحالفات الدولية وإعادة ترتيب الأوزان الاقتصادية، وهذا ما يبرر ترتيب الملف السوداني في جدول أجندة الاهتمام الدولي، إلا أن فكرة أن السودان، بعيون العالم الاقتصادية، لا يزال هو “المخزن” الكبير للموارد في العالم، سواء بثروات باطن الأرض من معادن وبترول أو بموضوع المياه والأراضي الزراعية الخصبة، وبالتالي لا يوجد مجال لإسقاطه من معادلة وحسابات الاقتصاد العالمي.
الملف السوداني، في نظر قادة الدول الكبرى اقتصاديًا، لا يزال تحت بند التأثير غير المباشر في الاقتصاد الدولي، بعكس الحال في تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية واهتمام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بذلك.
دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران واشتعال منطقة الخليج قلب الاقتصاد العالمي، ودفع الملف السوداني للتراجع إلى مراتب أقل في اهتمامات G7، وبالتالي لم يخرج الملف من مناقشات “هامش” المؤتمر ونقاشات الغرف الجانبية للمشاركين، واستغلال المحفل الاقتصادي الأكبر في العالم والحاضرين فيه لتسويق بعض القضايا التي تشغل البعض بدرجات متفاوتة نسبيًا خلال القمة.
عاد الملف السوداني لدائرة اهتمام السبعة الكبار في القمة ٦٢ بباريس لأن دولًا في الإقليم أصبح الملف يمثل صداعًا لأمنها الوطني والاقتصادي، وأن استمرار الحرب بات يجعل الإقليم بكامله منفتحًا باتجاه انهيار اقتصادي وأمني كبير ومؤثر، وبدأت هذه الدول من نفسها بإرسال إشارات إنذار حمراء لتنبيه المجتمع الدولي والاقتصادي بضرورة الانتباه لتأثيرات ما يحدث في السودان على حسابات وأرقام استقرار الاقتصاد الدولي.
ملف السودان، وبالحرب الدائرة فيه الآن ولمدة أربعة أعوام، أصبح جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية.
(*) أطراف “الرباعية” موجودون في القمة .. فهل ملف السودان موجود؟
السعودية، بوزنها الاقتصادي الكبير، إن لم نعتبرها الآن الرقم الصعب في كل معادلات الاقتصاد العالمي والذي يعاد تركيبه الآن وفقًا لترتيب الأوزان، بالإضافة إلى وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في القمة، والذي لطالما صرح بأن الملف السوداني والحرب في السودان ضمن أولويات إدارته، بالدرجة التي أوكل فيها مبعوثه الخاص بالمنطقة للتعامل معه وتنسيق آلية دولية للحل، يقول بأن هنالك حتمية لوجود ملف السودان في قمة الكبار.
ملف السودان أيضًا كان حاضرًا في الحقيبة التي حملها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مشاركته في القمة، وبالضرورة فإن استراتيجية الأمن القومي والأمن الاقتصادي المصري لا تنفصل عن تأثيرات الحرب في السودان.
الإمارات ومشاركة محمد بن زايد ولقاءاته مع الرئيس الأمريكي وما صدر عنهما من بيان يحمل التعاون والتنسيق بين قادة البلدين، يقول بأن ملف السودان حاضر في هذه اللقاءات وله تأثيراته التي ستكشف عنها الأيام.
كينيا “وليام روتو”، وهي لا يمكن تجاوزها كمركز ثقل في إفريقيا، أيضًا حاضرة في القمة، وتجميع هذه الأطراف في أي غرفة من الغرف الجانبية للمبنى الذي شهد مداولات القمة يقول بأن ملف السودان لن يكون غائبًا من المناقشات.
هذه يمكن أن تكون مؤشرات لحضور السودان الغائب دبلوماسيًا عن هذا المحفل، إلا أن الواقع أيضًا يقول بأن المجتمع الدولي لا يزال لا يظهر اهتمامًا متساويًا للاستثمار سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا في ملف السودان مقارنة مع الأزمات الأخرى.
(*) ماذا سيستفيد السودان من قمة السبعة الكبار؟
سيستفيد حال تحول المذكور في البيانات والتصريحات الصادرة عن القمة إلى جهود عملية لإيقاف إطلاق النار، والالتزام الفعلي بدعم العملية الإنسانية، وعدم التنصل من الالتزامات الدولية الرامية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من الانهيار، وزيادة التمويل للقضايا الإنسانية.
يحتاج الملف السوداني إلى الدفع قليلًا باجتهاد إضافي فيما يخص الملف السياسي لحل الأزمة السودانية ووقف النزيف الإنساني بأعجل ما يكون، وتضييق مساحات المناورات في المبادرات وآليات الحل التفاوضي.
ضرورة انتباه الدبلوماسية السودانية إلى أن المعركة الدبلوماسية وميدانها لا يقل أهمية عن ميدان الحرب العسكرية، وأن انتقال ملف السودان وحضوره القوي في مثل هذه المحافل يشكل انتصارًا للدولة السودانية ويعزز موقفها أمام المجتمع الدولي.
ولعله من المؤسف جدًا، ومع كل ما ذكر أعلاه، أن ملف السودان حاضر في النقاشات ومداولات السبعة الكبار، إلا أنه فعليًا ليس طرفًا في هذه المناقشات.
إن وجود السودان على أجندة مجموعة السبع ليس في حد ذاته إنجازًا، فالإنجاز الحقيقي هو تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى ضغط سياسي ينهي الحرب ويحفظ وحدة الدولة. أما إذا ظل السودان حاضرًا بوصفه أكبر مأساة إنسانية في العالم، وغائبًا بوصفه صاحب مشروع سياسي وطني، فإن مقاعد الكبار ستواصل مناقشة مصيره، بينما يبقى السودانيون خارج قاعة القرار.



