علم الدين عمر يكتب : سعادة الفريق البرهان.. الأفندية البؤساء يذبحون الخدمة المدنية.. فأدركها!!!..

حاجب الدهشة..

ظللت سحابة نهار الأمس في حالة بحث مضني واستمطار متواتر للآراء والتعليقات حول ما رشح عن مخرجات عمل لجنة إصلاح الخدمة المدنية التي كانت أولى نتائج عملها اقتراح هدم الخدمة المدنية من الأساس.. أي نعم..شعورك هذا عزيزي القارئ هو بالضبط ما شعرت به وأنا أطالع ما نُسب إلى اللجنة المكلفة بإصلاح الخدمة المدنية..ذلك التقرير الذي بدا وكأنه كُتب بعقلية تتعامل مع الدولة السودانية كعبء يجب التخلص منه وليس إرثاً وطنياً ينبغي تطويره وصيانته..

لقد أصابتني الصدمة من حيث المبدأ حين قرأت أن عدد العاملين في القطاع العام بالسودان لا يتجاوز ـ بحسب ما ورد في التقرير ـ (106,388) عاملاً وموظفاً..للوهلة الأولى ظننت أن الأمر يتعلق بإحصاء جزئي أو قطاع محدد.. إذ يصعب على أي متابع للشأن العام أن يتخيل أن دولة مترامية الأطراف بحجم السودان.. وبمؤسساتها الاتحادية ووحداتها الخدمية والتعليمية والصحية والإدارية.. لا يعمل في جهازها العام سوى هذا العدد المحدود..

لكن الصدمة الأكبر لم تكن في الرقم نفسه.. بل في ما بُني عليه من توصيات.. فبدلاً من البحث عن وسائل تطوير الأداء..ورفع الكفاءة..وإعادة هيكلة المؤسسات بما يحفظ الخبرات المتراكمة.. ذهبت اللجنة ـ بحسب ما نُشر ـ إلى اقتراح التخلص من أكثر من ستين بالمائة من العاملين في القطاع العام الاتحادي..وكأن المشكلة تكمن في وجود الموظفين أنفسهم وليس في بيئة العمل أو ضعف الإدارة أو غياب التخطيط..

أي عقل إداري يمكن أن يتصور أن دولة تدير واحدة من أعنف الحروب في تاريخها الحديث..بل وفي تاريخ البشرية..تحتاج إلى تقليص جهازها التنفيذي بهذا الحجم والمستوي؟ وأي رؤية تنموية يمكن أن تقوم على إفراغ المؤسسات من كوادرها وخبراتها المتراكمة في الوقت الذي يفترض فيه إعادة البناء وليس التفكيك؟

الأخطر من ذلك أن التقرير ـ إن صحت المعلومات المتداولة بشأنه ـ لم يكتف بالدعوة إلى هذا التقليص الجذري.. بل أوصى بتحصين القرار من الإستئناف أو المراجعة..دون أن يضع معايير واضحة وشفافة تحدد من يبقى ومن يغادر.. وبذلك تتحول القضية من مجرد خطأ إداري إلى أزمة عدالة ومشروعية..وسبق إصرار وترصد لأن مصائر آلاف الأسر يصبح رهينة تقديرات غير معلومة ولا تخضع لأي رقابة أو آلية تظلم..

إذا كان الهدف المعلن هو تقليل الإنفاق الحكومي..فإن السؤال البديهي يفرض نفسه..كيف توصي اللجنة بالإستغناء عن أعداد ضخمة من العاملين.. ثم تؤكد في الوقت نفسه استمرار فتح باب التوظيف في الخدمة العامة؟ أي منطق فني أو إداري يستقيم مع هذه المعادلة المتناقضة؟ وكيف يغيب عن لجنة يفترض أنها متخصصة أبسط مبادئ التخطيط المؤسسي وإدارة الموارد البشرية؟

الخدمة المدنية السودانية ليست مجرد وظائف تمنح رواتب للناس..بل هي الوعاء الذي حمل الدولة السودانية لعقود طويلة.. وحفظ مؤسساتها..وراكم خبراتها..وأدار شؤون المواطنين في أحلك الظروف..صحيح أنها تحتاج لإصلاح حقيقي.. ولكن الإصلاح شيء.. والذبح بسكين صدئة شيء آخر تماماً..

إنني أناشد السيد الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة بالتدخل العاجل لوقف هذه المذبحة قبل أن تتحول لكارثة وطنية مكتملة الأركان.. فالمعركة من أجل الحفاظ على مؤسسات الدولة لا تقل أهمية عن المعركة من أجل استعادة الأرض والأمن..الدولة التي تنتصر عسكرياً ثم تهدم مؤسساتها بقرارات مرتجلة إنما تهزم نفسها بيدها..

ثم إن هذه الحكومة جاءت في ظروف إستثنائية ويفترض أن تنصرف إلى مهام محددة ترتبط بإدارة الحرب والتمهيد للإنتقال وإعادة الإعمار..أما القرارات الإستراتيجية التي تمس بنية الدولة ومستقبل الخدمة المدنية فهي قضايا أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة أو أن تُحسم بتوصيات لجان لا يبدو أنها أدركت حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها..

إصلاح الخدمة المدنية ضرورة وطنية لا خلاف حولها..أما تدميرها تحت لافتة الإصلاح.. فتلك واحدة من أكثر المفارقات السودانية إيلاماً وإثارة للدهشة..

سيدي الرئيس الخدمة المدنية هي إرث السودان ومجده الطارف التليد فإن أصابها الوهن أو المرض فالأولي إصلاحها وليس تدميرها..فأدركها بوقف هذا العبث و(أقرع) هؤلاء الأفندية البؤساء عنها..

نعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى