ايمن كبوش يكتب : (روحي مشتهية ود مدني)

أفياء..

# كان الطريق الى حاضرة ولاية الجزيرة ود مدني.. ملغوما بمخلفات الحرب، الابنية الخارجة من اثار الطلقات.. والمركبات التي تتناثر لتمثل علامة لخياطة جرح على الخد.. اللواء الاول مدرع آلي سوبا الذي شيد لحماية العاصمة من جبهتها تلك… كان هو اول المستسلمين في ساعة الصفر.. بقايا المدرعات الصديئة وصرصر الامارات المدمرة.. الوجوه العابرة في الجديد الثورة.. وفرحة اهالي الجديد عمران بتركيب محول للكهرباء.. الشقلة عوج الدرب التي شهدت كمين متحرك اللواء الركن عبد المنعم عبد الباسط، القائد المقدام القادم من سنار ليستجمع انفاس آلياته وابطاله في جياد استعدادا لتحرير الخرطوم.. وكانت هناك اللعوتة ومسيد عيسى ومسيد المحطة التي مازالت تشمخ في كبرياء على اجواء الشواء وذكريات (من بف نفسك يا القطار).. التكلة ابشر حيث يستحضرني اللواء الركن ابو حليمة.. قائد متحرك البطانة الذي حلت به اقدار الرجال والرحال في معهد مشاة جبيت في البحر الاحمر.. وابوروس وود الترابي وام دقرسي التي مازالت تحتفي باعراس الشهداء والاتقياء.. ود الماجدي وكلكول والكاملين.. وبعض انفاس الشاعر الكبير حميدة ابوعشر.. ثم الحصاحيصا.. من الصداقة وذكريات حي العمدة وكمبو المحالج والامتداد.. بريق العابرين الى العمارة ابيد.. طيبة الشيخ عبد الباقي والشيخ الفادني.. ومن هناك تلوح في الافق انوار المدينة التي خرجت من الحرب بعافية الطرب والصخب والاقبال على الدنيا بغسل الروح في مياه الصبر واليقين.

# في مدني عرفت الاماكن كيف تعالج اختلالات الحرب بتطبيب الروح.. اعادت الزهو والشغف لكي يعود الرفاق وقد عادوا حقا في شارع النيل وحي الزمالك وبيت حبوبة والفرقة الاولى مشاة، مدينة المساءات الجميلة والشوارع التي مشى عليها ود الامين وعركي واولاد سانتو والغزال عثمان الله جابو وصاحب الصوت المبحوح مدثر القطر عليهم الرحمة اجمعين، هل مازال عز الدين كوجاك يطوف في احياء مدني الكبرى ويغشى حنتوب وعترة بكارو المسرح المتجول ؟ ام ان حرب الكآبة قد سرقت السحر من اضواء نادي الجزيرة ودار الشرطة وسيد الاتيام الاهلي واتحاد الرومان وجزيرة الفيل.. فلم تعد هنالك غابة ام بارونا ولا منتجع الكاسح الذي شيد على مزاج البروف تاج السر محجوب وطراز منتجع نيفاشا..

# مدني مدينة الصحو والصفاء.. عادت كما كانت.. مدينة السهر والسمر وحيث يمسك واليها الطاهر الخير القادم من خضرة سنار بالماكيت، ماكيت التعافي بالصبر والمثابرة وايمان راسخ بان الزمان قد يسمح ببدايات جديدة.

# توقفنا طويلا عند كوبري البوليس وكم كانت الاماني مديدة بان نرى الكريبة التي أصبحت حيا من أحياء مدني وكوبري بيكا والوراق والشايقاب.. لعلنا نستعيد صمود القرشي والمناقل التي اختارتها الطبيعة لكي تكون عاصمة بديلة.

# في مدني امنيات كبيرة وعزم كبير على تخطي الالم.. ومسح آثار الحرب باعتبار ان الحياة جديرة بان تعاش.. وان ما تبقى من الروح لا يكفي للانكفاء لاسترجاع من مضى، لعل الحاضر ابقى وازهى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى