حرب “الكماليات” المفقودة تشعل الأسواق:
جراحة حكومية "مرّة" لإنقاذ الجنيه

يواجه الاقتصاد السوداني واحدة من أعقد فتراته التاريخية، حيث باتت العملة الوطنية “الجنيه” في سباق مع الزمن أمام التدهور المريع في قيمتها الشرائية وشح السيولة الأجنبية. وفي خطوة وصفت بأنها “جراحة اضطرارية” في جسد الاقتصاد المنهك، أصدر مجلس الوزراء السوداني قراراً حاسماً بحظر استيراد أصناف سلعية صُنفت كـ “سلع كمالية وغير ضرورية”. هذا التحرك الرسمي لا يستهدف فقط إعادة ترتيب أولويات الاستيراد، بل يسعى بالأساس إلى “تجفيف” منابع الطلب غير الضروري على الدولار، وتوجيه كل دولار متوفر في الخزينة العامة لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من قمح ودواء ووقود، في محاولة لكبح جماح السوق الموازية التي باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي والمعيشي.
الخرطوم: عماد النظيف

قرار الحكومة والتعديلات الرسمية
أكد رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس حظر استيراد 46 سلعة غير أساسية في البداية. وقال في تغريدة على “إكس” إن الخطوة تهدف إلى مواجهة الضغوط على سعر الصرف، وتأتي ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وبناء اقتصاد سوداني أكثر متانة. وكُلف بوضع القرار موضع التنفيذ كل من وزارات (شؤون مجلس الوزراء، الصناعة والتجارة، المالية) بالإضافة للإدارة العامة للجمارك لضمان الالتزام الكامل بالقائمة المعلنة وتفادي أي ثغرات استيرادية.
وفي تطور لاحق ومهم، أعلنت الوزارة رسمياً حذف (12) سلعة من قائمة الحظر التي صدرت سابقاً عن رئاسة مجلس الوزراء، وذلك بعد اكتمال المراجعات الفنية اللازمة. وأوضحت الوزارة أن هذا التعديل يأتي لضمان مرونة الأسواق وتوفير السلع التي قد لا يتوفر لها بديل محلي كافٍ في الوقت الراهن، مع الاستمرار في نهج الدولة القاضي بالحد من استيراد السلع الكمالية.
موعد التنفيذ والاستثناءات
أكد وكيل وزارة الصناعة والتجارة أن العدد الإجمالي للسلع المشمولة بقرار الحظر بعد التعديل يبلغ (34) سلعة، مشيراً إلى أن العاشر من مايو 2026م سيكون هو الموعد الرسمي لبدء التنفيذ الفعلي للقرار. وطمأنت الوزارة المستوردين بأن القرار لن يطبق على الشحنات التي بدأت إجراءات استيرادها رسمياً قبل تاريخ التنفيذ المحدد. وفي ذات السياق، أوضح رئيس غرفة المستوردين الصادق جلال الدين في تصريح خاص لـ “العودة” بشأن السلع في الميناء، أنه “تطلع لها تصديق وفاتورة لأن حاصلة مصداقية مبدائية لا تتأثر بالقرار، وموضوع السلع في الطريق لا تتأثر”.
القائمة النهائية
تضمنت القائمة النهائية التي تهدف الدولة من خلالها إلى ترشيد الاستهلاك وحماية العملة الوطنية الأصناف التالية: المنتجات الغذائية والمشروبات (اللحوم المصنعة، الأسماك، الألبان الجاهزة “باستثناء البودرة ولبن الأطفال”، الحلويات، المربات، العصائر، الشبس، المعلبات، المياه المعدنية والغازية، العصائر الجاهزة، الفواكه، والخضروات، الأرز، الفول المصري). وكشفت مصادر لـ “العودة” عن سحب مجموعة من السلع من القائمة الأصلية منها الأرز والصلصة ومدخلات الإنتاج، والإسمنت وسلع أخرى ترى وزارة الصناعة والتجارة أهميتها. وشملت القائمة أيضاً السلع الاستهلاكية والمنزلية (صابون الغسيل، البوهيات، أكياس البلاستيك، المياه الغازية، ألواح الزنك، والأسمنت). وفي قطاع الكماليات (اللؤلؤ الطبيعي، الأحجار الكريمة، الحلي التقليدية، العطور، أدوات التجميل، السجاد، الشعر المستعار، الزهور الصناعية، الحلي، السيارات وأكسسواراتها، الحيوانات والطيور، أسماك الزينة، القبعات، والأعمال الفنية والقطع الأثرية). واستثنى القرار (لبن الأطفال ولبن البودرة) من الحظر لأهميتهما الحيوية، مع وضع نظام “حصص” (كوتا) لاستيراد السيراميك والرخام، ومراجعة وضع استيراد الأثاث.

موقف المستوردين
أبدى رئيس الغرفة القومية للمستوردين الصادق جلال الدين استغرابه وتعجبه من قرار رئيس الوزراء بحظر استيراد عدد من السلع متسائلاً: “كيف تصدر مثل هذه القرارات الكارثية والمؤذية الغير مدروسة واللا مسئولة؟”. وقال: “هي لا تعدوا إلا كونها تجريب المجرب وتكرار لذات السياسات الفاشلة والخربة ولكن بسيناريو أسوأ في وقت يشهد فيه الاقتصاد تدهور مريع بسبب الحرب التي جعلت المواطن السوداني يعاني من ظروف معيشية بالغة السوء والتعقيد”.
وكشف الصادق أن رئيس الوزراء كان قد كون يوم 9 أبريل 2026 فريق عمل برئاسة وزير المالية د.جبريل ووزراء القطاع الاقتصادي وبنك السودان والجمارك والأمن الاقتصادي واتحاد أصحاب العمل لدراسة حلول عاجلة ومبتكرة، وأن الفريق عقد اجتماعاته في 14 و20 أبريل وقدمت الغرفة مذكرة مفصلة، “لكن كانت المفاجأة أن رئيس الوزراء أصدر القرار رقم 74 /2026 بحظر السلع بتاريخ 12 أبريل 2026 مستبقاً عمل فريق العمل الذي كونه بنفسه وغيبه تماماً”. ووصف القرار بأنه “طُبخ بليل” لمنع المنافسة وتشجيع الاحتكار والتهريب، مؤكداً عدم وجود عجز في الميزان التجاري، لافتاً إلى أن ملف الذهب وحده يحقق فائضاً. وطالبت الغرفة بإعادة النظر في القرار وفصل وزارة التجارة عن الصناعة، ملوحة باللجوء للقضاء لإلغائه تحقيقاً لمصلحة الاقتصاد والمواطن.
مخاطر التضخم
يقول الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن حظر استيراد السلع يشير بوضوح إلى شح العملة الأجنبية، مما يزيد من مخاوف حدوث تضخم إضافي. وأضاف: “من المتوقع أن يؤدي الحظر إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق السوداء، مما يدفع سعره للارتفاع مجدداً مقابل الجنيه، مما يخلق موجات تضخمية ترفع أسعار جميع السلع بما فيها الأغذية والأدوية”. ووصف الإجراء بأنه نوع من “الترقيع” المستمر، مشيراً إلى أن تغليب مصلحة المنتج المحلي على المستهلك في ظل عدم جاهزية البدائل يعد إشكالية كبيرة، ضارباً المثل بتجربة “الفول المصري” الذي تحول إلى سوق موازٍ يعرض الاستثناء مقابل عمولة للطن.

عجز الميزان:
بالمقابل يقول الخبير الاقتصادي كمال كرار: “إن السودان يعاني عجزاً مزمناً في الميزان التجاري بسبب ضعف الصادرات وكثرة الواردات الكمالية وغير المهمة، أو التي توجد لها بدائل في الإنتاج المحلي”. وأوضح كرار أن تقليص الواردات غير الضرورية خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية، ولن تحدث أثراً إذا لم تتم محاصرة منافذ التهريب، وتنويع هيكل الصادرات، والتخلي عن تصدير المواد الخام لصالح التصنيع أو شبه التصنيع. وأكد ضرورة تدخل الدولة في التجارة الخارجية واحتكار صادرات الذهب، معتبراً أن القرار قد لا يصمد لأن “مافيا الاستيراد تتحكم في القرار الحكومي”.
رهان المستقبل
في المحصلة، تضع هذه الخطوة الجريئة حكومة “الأمل” أمام اختبار حقيقي لمصداقية سياساتها الاقتصادية؛ فالحظر وإن كان يمنح الجنيه السوداني “استراحة محارب” مؤقتة أمام تغول الدولار، إلا أنه يفتح الباب على مصرعيه أمام تساؤلات ملحة حول مدى جاهزية البديل المحلي وقدرة السلطات على كبح جماح “مافيا الاستيراد” التي لطالما التفت على مثل هذه القرارات. إن النجاح لا يتوقف على طول قائمة المحظورات، بل في القدرة على تحويل هذا الإغلاق الاضطراري إلى فرصة لنهضة إنتاجية حقيقية، وتأمين قنوات رسمية للنقد الأجنبي تخرج بالاقتصاد من نفق “الترقيع” إلى آفاق الاستقرار المستدام، ليبقى المواطن السوداني هو الرابح الأخير في معركة كسر العظم هذه.



