الجامعات السودانية.. شهران ونصف على حافة الانهيار..

(إضراب أساتذة الجامعات.. أزمة لا رابح فيها)
إضراب مفتوح.. والطالب السوداني يدفع الثمن
تجمع العاملين ل(العودة)
“لا توجد حلول مطروحة إذا استمر التجاهل”
“لا يمكن أن يعمل موظف شهراً كاملاً مقابل 130 ألف جنيه”
“وزير التعليم العالي أغلق باب الحوار”
“الأجور لا تغطي احتياجات الأسرة لأكثر من أيام معدودة”
“النقابات الحالية غائبة عن المشهد”
“التوصيات مجحفة ولا تحقق الحد الأدنى من العدالة”
. طالب ل(العودة) “الوقت يمضي ومعه يمضي مستقبلنا”
تقرير: نشوة أحمد الطيب
لا تزال أزمة إضراب أساتذة الجامعات السودانية وتجمع العاملين بمؤسسات التعليم العالي تراوح مكانها بعد أكثر من شهرين على انطلاقها، في وقت تتصاعد فيه المخاوف على مستقبل العملية التعليمية ومصير العام الدراسي. وبين مؤسسات التزمت بالتوقف الكامل وأخرى واصلت نشاطها بصورة جزئية، يتشكل مشهد تعليمي غير متوازن يضع الطلاب في قلب الأزمة وفي مقدمة المتضررين من تداعياتها.
جذور الأزمة
تعود بدايات هذه الأزمة إلى إعلان لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) وتجمع العاملين بمؤسسات التعليم العالي الدخولَ في إضراب مفتوح اعتباراً من التاسع والعشرين من مارس الماضي، احتجاجاً على ما يصفانه بعدم الاستجابة لمطالب جوهرية تتعلق بإجازة الهيكل الراتبي الجديد ولائحة شروط الخدمة. ويعتبر الطرفان هذه المطالب أساساً لا غنى عنه لإصلاح بيئة العمل في مؤسسات التعليم العالي، رافضَين ما يصفانه بالمعالجات الجزئية والوعود المؤقتة.
ويجد الطلاب أنفسهم أمام مسارات دراسية غير متكافئة، تتداخل فيها آثار الحرب مع تداعيات التوقف الأكاديمي، مما يضاعف حجم الخسائر التعليمية والنفسية ويعمّق حالة الغموض حول مستقبل الدراسة الجامعية في البلاد.
في المقابل، أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام، أن الإضراب لم يُفضِ إلى توقف كامل للعملية التعليمية في جميع المؤسسات، مشيرةً إلى أن تأثيره ظل متفاوتاً، إذ واصلت عدد من الجامعات أداء مهامها الأكاديمية بدرجات مختلفة.
وأوضحت الوزارة أن الحكومة اتخذت إجراءات لتحسين أوضاع العاملين، شملت زيادات في الأجور ودعماً مالياً للجامعات، معتبرةً ذلك جزءاً من مسار أشمل لمعالجة قضايا الخدمة العامة. وشددت على أن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل في ضمان استمرار الدراسة واستقرار العملية التعليمية، مؤكدةً أن باب الحوار مع الأطراف المعنية لا يزال مفتوحاً، في إطار ما وصفته بإمكانيات الدولة ومتطلبات انتظام العام الدراسي.
غير أن هذه التطمينات لم تُقنع العاملين بتعليق إضرابهم، إذ يؤكد ممثلوهم أن ما أُعلن عنه لا يرقى إلى الحد الأدنى من مطالبهم.

قرار العودة إلى المقار
وفي سياق متصل، أصدرت الوزارة قراراً بإلزام الجامعات التي انتقلت إلى مقار بديلة خلال فترة الحرب بالعودة إلى مواقعها الأصلية قبل الأول من أغسطس المقبل. واعتبر مراقبون هذا القرار محاولةً لإعادة ترتيب أوضاع التعليم العالي تمهيداً لاستئناف الدراسة بصورة طبيعية. إلا أن استمرار الإضراب يُلقي بظلاله على هذه الجهود، إذ يرى العاملون أن أي مسعى لإعادة تشغيل الجامعات سيظل رهيناً بمعالجة الأزمة من جذورها.
إضراب ممتد
قال عضو المكتب التنفيذي لتجمع العاملين بمؤسسات التعليم العالي معتز أحمد أيوب، في حديثه لـ(العودة)، إن تأثير الإضراب كان أكثر وضوحاً في جامعات الولايات مقارنةً بجامعات المركز، مرجعاً ذلك إلى مواصلة عدد من مؤسسات العاصمة عملها بالحد الأدنى من الكوادر.

وأوضح أن تقييم النسبة الفعلية للمشاركة يظل أمراً عسيراً في الوقت الراهن، لافتاً إلى أن الصورة الحقيقية لن تتضح إلا عند استئناف الدراسة الحضورية وعودة المؤسسات إلى تشغيلها الكامل. وأشار بشكل خاص إلى جامعات البحر الأحمر وشندي ووادي النيل ودنقلا، التي شهدت مستويات مشاركة مرتفعة في التحركات المطلبية.
وفيما يخص التواصل مع الجهات الرسمية، أكد أيوب أنه لم يجرِ حتى الآن أي تواصل مباشر بين تجمع العاملين ووزارة التعليم العالي، رغم استمرار الإضراب وتصاعد المطالب. ووصف النقابات القائمة بأنها لجان تسييرية لا تمثل العاملين حقاً، معتبراً أنها غائبة عن المشهد وتركز على استعادة موقعها النقابي بدلاً من معالجة قضايا العاملين.
وكشف عن تعرض بعض العاملين لمضايقات من إدارات جامعية، لا سيما في الولايات، مقابل وجود فئات أخرى أبدت تفهماً لمطالبهم. وشدد على أن خيار التصعيد سيظل مطروحاً إن استمر التجاهل، مستنكراً واقعاً يعمل فيه موظف شهراً كاملاً مقابل راتب لا يتجاوز مئة وثلاثين ألف جنيه سوداني.

بداية التصعيد
من جانبها قالت إلهام محي الدين، الأمين العام لتجمع العاملين بمؤسسات التعليم العالي، في حديثها لـ(العودة)، إن التحركات المطلبية بدأت بوقفات احتجاجية أعقبها الحضور إلى مواقع العمل دون أداء المهام الوظيفية، مشيرةً إلى أن العاملين لم يجدوا في تلك المرحلة سوى التسويف والتجاهل.
وأوضحت أن بعض الجهات كانت تتذرع بعدم الاعتراف بالتجمع بوصفه جسماً غير شرعي، مؤكدةً أن شرعيته مستمدة من العاملين أنفسهم عبر التنسيقيات المنتخبة داخل الجامعات، وأن المكتب التنفيذي ليس سوى جهة مفوضة للتعبير عن إرادتهم.
وأكدت إلهام أن الإضراب حقق نجاحاً واسعاً في جامعات الولايات، وأن نسب المشاركة المرتفعة تعكس تمسك العاملين بمطالبهم وإيمانهم بعدالتها، رغم ما وصفته من محاولات تخويف وترهيب مورست ضد بعض المشاركين. وأشارت إلى أن الاستثناء الوحيد شمل المستشفيات الجامعية نظراً لطبيعة خدماتها، فيما شاركت بقية الفئات الوظيفية بصورة واسعة.
وانتقدت ما وصفته بإعلان الوزارة الاستجابةَ للمطالب تحت مسمى تحسين شروط الخدمة، مؤكدةً أن المطالب الجوهرية لم تُنفَّذ. وقالت إن وفداً من المكتب التنفيذي التقى نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار وعدداً من أعضائه، إلا أن تلك الجهود لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، في حين أغلق وزير التعليم العالي باب الحوار المباشر مع التجمع.
وأضافت أن اللجنة التي شكلتها الوزارة خرجت بتوصيات اعتبرها العاملون مجحفة ولا تحقق الحد الأدنى من العدالة المطلوبة. وأكدت أن المطلب الرئيسي يتمثل في إقرار هيكل راتبي عادل يُدرج الاستحقاقات ضمن الفصل الأول للموازنة العامة بدلاً من الاعتماد على بنود الدعم المؤقت، فضلاً عن توحيد الهياكل الوظيفية والمالية داخل مؤسسات التعليم العالي لتحقيق العدالة والاستقرار الوظيفي.

الطلاب.. الحلقة الأضعف
لا تبدو الأزمة مجردة حين تسمعها من طالب يعيشها. طالب في كلية ود مدني التقنية، فضّل حجب اسمه، روى لـ(العودة) كيف تحوّل الأمل إلى صدمة في أسابيع معدودة.
قال إن طلاب الكلية استبشروا بتحرير مدينة ود مدني وباشروا إجراءات التسجيل للعام الدراسي الثالث، إلا أن إعلان الإضراب جاء ليُجمّد تلك العودة المنتظرة. وأوضح أن زملاءه تواصلوا مع أساتذتهم مباشرة، فمنهم من رفض العودة إلى التدريس قبل تحقيق مطالب الإضراب، ومنهم من أبدى استعداداً للعودة. كما تواصل الطلاب مع إدارة الكلية، فلم يتلقوا سوى وعود بقرب استئناف الدراسة.
وأكد الطالب أن زملاءه يتفهمون مطالب أساتذتهم ويقدّرون ما يبذلونه، مشيراً إلى أن الهيكل الراتبي الحالي لا يليق بمكانة الأستاذ الجامعي ولا يوفر له حياة كريمة. غير أنه أضاف بلهجة من يحمل هماً ثقيلاً: *”أكبر متضرر من الإضراب هم الطلاب، والوقت يمضي ومعه يمضي مستقبلنا.”*
وختم بمناشدة الجهات المعنية التدخلَ العاجل لحل الأزمة وضمان استمرار العملية التعليمية، في صرخة تعكس ما يعيشه آلاف الطلاب في جامعات ولاية الجزيرة وسواها، بين إضراب شامل في بعض المؤسسات وجزئي في أخرى، وسط صمت رسمي يطول.
وتكشف مجمل هذه التطورات عن اتساع دائرة التأثير لتتجاوز نطاق المطالب المهنية، وتطال بصورة مباشرة مستقبل الطلاب واستقرار العملية التعليمية. فبين جامعات نفّذت الإضراب بالكامل وأخرى واصلت نشاطها بالحد الأدنى، وجد آلاف الطلاب أنفسهم في قلب مشهد متفاوت تتعطل فيه الدراسة في مؤسسات بينما تستمر في أخرى، مما يخلق فجوة واضحة في تكافؤ الفرص التعليمية.
وجاء الإضراب في سياق بالغ التعقيد، تتشابك فيه تداعيات الحرب مع الشلل الأكاديمي، مما أدى إلى ضياع سنوات دراسية وتأجيل مواعيد التخرج، وإلى ضغوط نفسية متصاعدة على الطلاب وأسرهم في ظل غموض متواصل حول مآلات التقويم الأكاديمي. ويُضاف إلى ذلك إشكالية الرسوم الدراسية التي يواصل بعض الطلاب سدادها رغم توقف الدراسة أو تعثرها، مما يعمّق الشعور بغياب العدالة داخل المنظومة التعليمية.
وتتصاعد في هذا السياق أصوات داخل الوسط الأكاديمي تدعو إلى معالجة متوازنة للأزمة، تصون حقوق العاملين المشروعة دون أن يتحول الطالب إلى الحلقة الأضعف في معادلة الصراع. كما تُضاف إلى المشهد تقارير عن توقيف واعتقال أساتذة في بعض الولايات على خلفية وقفات احتجاجية، مما يُدخل بُعداً إضافياً يتصل بحرية العمل النقابي وحدود التعامل مع الاحتجاجات السلمية.
وحتى الساعة، لا تلوح في الأفق مؤشرات واضحة على اقتراب تسوية نهائية، في حين يؤكد تجمع العاملين ولجنة الأساتذة مضيّهم في الإضراب إلى حين صدور قرارات رسمية بإجازة الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة. وبين صمت الحوار وتصاعد المطالب، يظل الطالب هو المتأثر الأول والأخير، في انتظار تسوية تُعيد التوازن إلى مؤسسات التعليم العالي وتضع حداً لأزمة باتت تهدد مستقبل أجيال كاملة.





