المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أسرار هزيمة الغرب (3-5)

“لقد مات حلف الناتو إكلينيكياً، وما نراه اليوم ليس إلا مراسم دفن مؤجلة لسياسة النفاق الغربي.”

“محور القوة ينتقل برياً نحو الشرق، بينما تغرق الأساطيل الأمريكية في بحار لم تعد تملك سيادتها.”

“القيادة الأمريكية الحالية تضحي بمستقبل بلادها من أجل حفنة من المحتالين والجشعين.”

(من مقتبسات العقيد لورانس ويلكرسون)

​في الحلقتين الماضيتين، مهدنا الطريق برصد نشأة “الصهيونية المسيحية” وتغلغلها في العقل الغربي، ثم استعرضنا الرؤية الفلسفية لـ “إيمانويل تود” الذي قرع أجراس الخطر حول التحلل البنيوي للمجتمعات الغربية. واليوم، نتناول بتمحيص ، شهادة ميدانية من قلب المؤسسة العسكرية والدبلوماسية الأمريكية، يرويها العقيد لورانس ويلكرسون، رئيس أركان وزير الخارجية الأسبق كولن باول؛ وهي شهادة لا تنبع من خيال أدبي، بل من واقع الأرقام، والخرائط، وتقارير الاستخبارات التي تعكس التخبط الاستراتيجي لواشنطن وحلفائها.

​يستهل ويلكرسون قراءته للمشهد بنعي صريح لـ “حلف الناتو”، معتبراً أن الحرب في أوكرانيا كانت بمثابة “الخنجر في قلب الحلف”، حيث كشفت زيف الوعود الأمريكية ونقض العهود مع روسيا منذ عهد كلينتون. و المراقب الحصيف يدرك أن في حديث ويلكرسون وصفاً دقيقاً لـ “إجهاد الحلف” الذي لم يعد قادراً على تحمل ضغوط الجغرافيا السياسية الجديدة. فهو يرى أن أمريكا تتجه اضطراراً نحو “التوازن الخارجي” والانسحاب التدريجي، بعدما أصبحت حاملات طائراتها -التي كانت رمزاً للهيمنة- مجرد أهداف سهلة للصواريخ فرط الصوتية والمسيرات الحديثة، مما يعني نهاية عصر “السيادة البحرية” الذي ميز الإمبراطورية الأمريكية لعقود خلت .

​وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط، يقدم ويلكرسون تحليلاً مرعباً حول العلاقة مع إسرائيل، حيث يصفها بأنها أصبحت “عبئاً وجودياً” يهدد المصالح الأمريكية العليا. وينتقد بشدة القيادة الإسرائيلية الحالية التي تمارس “هروباً للأمام” عبر قصف المدنيين والبنى التحتية، وهو ما يراه دليلاً على الشعور بالهزيمة الاستراتيجية. ويراه أيضا يكشف سراً خطيراً يتسق مع لغة المصالح الاقتصادية؛ وهو أن قصف خطوط السكك الحديدية والمشاريع اللوجستية التي تدعمها الصين في المنطقة ليس إلا محاولة يائسة لعرقلة انتقال مركز الثقل التجاري العالمي من المسارات البحرية الخاضعة لسيطرة واشنطن إلى المسارات البرية الآسيوية (أوراسيا) “طريق الحرير” ، وهو تحول سيفقد الغرب 60% من سيطرته على التجارة الدولية.

​أما الصدمة الكبرى في شهادة ويلكرسون، فتتجلى في تحذيره من “الداخل الأمريكي” المأزوم. فهو يرى أن الولايات المتحدة تنزلق نحو “حرب أهلية” أو انقسام حاد، تغذيه تيارات “قومية مسيحية متطرفة” تسعى لتطهير الجيش من الكفاءات واستبدالها بشخصيات موالية أيديولوجياً. هذا التغلغل للفكر “الدميونيوني” (الذي يسعى لتحقيق معارك نهاية العالم أو “هرمجدون”) هو النسخة الأمريكية من الخطر الذي ناقشناه في الحلقة الأولى، حيث تصبح السياسة النووية والعسكرية في يد أفراد لا يؤمنون بالدبلوماسية بقدر إيمانهم بحتمية الصدام الكوني، مما يضع العالم أجمع على حافة الهاوية.

​ختاماً، يرسم ويلكرسون صورة لروسيا والصين كقوى صاعدة لا تكتفي بالدفاع، بل تمد نفوذها إلى عقر دار أمريكا (كما حدث في كوبا)، مستفيدة من التغيرات المناخية التي ستجعل من القطب الشمالي ساحلاً روسياً ذهبياً للملاحة. إننا أمام شهادة عسكرية تؤكد ما ذهب إليه الفلاسفة والمؤرخون: الغرب لم يعد يملك ترف القيادة، والجشع السياسي والجهل الاستراتيجي للنخب الحالية هما المعولان اللذان يهدمان ما تبقى من هيكل الهيمنة الغربية، فاسحين المجال لعالم جديد يتشكل من قلب القارة الآسيوية، تاركاً خلفه إرثاً من الحروب العبثية والوعود المنقوضة.

​في الحلقة القادمة: سنبحر في العمق الآسيوي، لنرى كيف تكتمل ملامح “القطب الصاعد” وكيف يستعد العالم لمرحلة ما بعد الدولار وما بعد الهيمنة القطبية الواحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى