عثمان الشيخ الأُسيد يكتب : أيهما أفضل.. الشخصيةُ المهابةُ أم المحبوبة ؟

مبنى ومعنى..
قلتُ ليوسفَ: لو أنَّ هناك شخصين، أحدهما محبوبٌ والآخرُ مهاب، وطُلبَ منك أن تختارَ احدَهما ليتولى القيادة، فأيهما تختار؟ قال يوسف: اختار الذي يجمع بين المهابةِ والمحبة. قلتُ له: الجمعُ بين المهابةِ والمحبةِ في الناس أندرُ من الكبريت الأحمر، فهي شيءٌ شاذ، ولا حكم على الشاذ. ليس امامك خيارٌ ثالث في الاختيار، إما محبوب أو مهاب. فكَّر يوسفُ مليًا، ثم قال: أُفضلُ القائدَ المحبوب، لأنه ينتهجُ سياسةَ البابِ المفتوح، فيكون بوسع الناسِ أن يصلون إليه ويعرفُ احوالَهم، فيستجيب لهم. قلت له: أولًا إنّ المحبةَ لا تدوم، وثانيًا ليس المهم أن يستجيبَ القائدُ للرعيةِ، ولكن المهم أن تستجيبَ الرعيةُ للراعي، واستجابةُ الرعيةِ للراعي تحتاجُ إلى قائدٍ ذي هيبة، لأن الانسانَ بطبعه متمردٌ، يرفضُ الأوامرَ حتى لو كانت لمصلحته، مثلًا: حزامُ الأمان في السيارة، لو تُرك الامرُ لنا، لما ربطناه ولو أدى ذلك إلى نهاية حياتنا (أموتُ ولا أسمع كلامَك) نحن نربط الحزام، ونتقيَّد بالسرعةِ المحددة، ونلزم اليمين، حتى لو كنا يساريين. كل ذلك خوفًا من هيبةِ السلطة المستمدة من هيبةِ القائد. لذلك انا أرى ان القائدَ المهابَ هو المطلوب لإدارة البلاد وتصريف شئون العباد
(إنما يأسَ على الحبِّ النساء) ولهذه المقولة قصة وهي كالتالي: يحكى أنَّ رجلًا اسمه (أبو مريم السلولي) هو الذي قتل زيدًا بن الخطاب- أخ عمر بن الخطاب- في حروب الردة، وبعد أن اسلمَ، جاء يُريدُ حقَّه من بيتِ مالِ المسلمين، فقال له عمرُ بن الخطاب: واللهِ لا أحبُّكَ حتى تحبَّ الأرضُ الدمَ، فقال الرجل لعمر: افتمنعني حقًا؟ قال عمر: لا.. قال الرجل: فلا بأس، إنما يأسَ على الحبِّ النساء. مقولة إنَّ الأرضَ لا تشربُ الدمَ، هذه حقيقة، فانَّ الأرضَ لا تشرب الدم، لذلك يقال في المثل (ابغضك كما تبغض الأرضُ الدم) قال يوسف: سبحان المعبود!! ثم قال؛ انا أرى انَّه من الممكن أن نعثرَ على قائدٍ يجمعُ بين الهيبةِ والمحبة، ولنا في رسولِ الله- صلى الله عليه سلم- اسوةٌ حسنة. قلت له: الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- حالةٌ استثنائية، فهو كان- عليه السلام- محبوبًا ومهابًا في آن واحد، فكان محبوبًا محبةً صادقةً من أتباعه، يُجلونه ويوقّرونه، وكان- أيضًا- مهابًا بسبب هيبته وسلطته النبوية، فقد كان يفرض الاحترامَ والوقارَ على الآخرين، سواءً من أتباعه أو من أعدائه، وكانوا يحسبون له ألفَ حساب، لأنَّ محبتَه- عليه الصلاة والسلام- تابعةٌ لمحبةِ الله، فالله يُحبُه
وبالمقابل كان نبيُّ الله لوط ضعيفَ الحيلةِ أمام القوم، عندما حاولَ حمايةَ ضيوفِه (الملائكة) من قومه- الذين أرادوا السوءَ بهم- شعر بقلةِ الحيلةِ والضعف لعدم وجود عشيرة أو قوة تحميه، فقال كما ذكر القرآن: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ) [هود: 80]. أي لو أنَّ لي عشيرةً احتمي بها. ومن بعد لوط لم يُرسلِ اللهُ رسولًا، إلا في منعةٍ من قومه. وهذا نبيُّ الله شعيب- عليه السلام- الذي جاء بعد لوط مباشرة، بعثه اللهُ في عزةٍ من قومه قيل إنّه ضريرًا ، وكان قومُه يَرَوْنه ضعيفا، لكنهم هابوه بسبب عشيرته (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) هود 91 لولا عشيرته لقتلوه رميًا بالحجارة، ولم تكن له مكانةٌ لديهم. هابوا عشيرتَه ولم يهابوا اللهَ. قال يوسف: نعم صحيح، تذكرتُ امير المؤمنين (المهاب) عمر بن الخطاب، وامير المؤمنين (المحبوب) عثمان بن عفان رضي الله عنهما، في فترة حكم المهاب( عمر) كان للدولة الإسلامية هيبتُها وفُتحت في عصره بلادُ فارس، وفي عهد المحبوب( عثمان) اندلعت الفتنُ وراح ضحيتها هو نفسه، رضي الله عنه،ة. قال يوسف: التاريخ الإسلامي مليءٌ بهذه المقارنات، فهيبةُ الحجاج اخمدت الفتنَ وثبتت أركانَ الدولة الأموية، التي- لو لا هيبته- لانهارت في تلك الفترة، والله اعلم ما ذا كان سوف يحدث للإسلام والمسلمين.
في مقارنةٍ سريعةٍ بين الهيبة والمحبة، نضرب مثلًا بعلي بن ابي طالب (المحبوب) ومعاوية بن ابي سفيان( المهاب) رضي الله عنهما.. حدثت في عهد المحبوب علي- رضي لله عنه- الفتن والحروب، حرب النهروان وحرب صفين، وانشق اتباعُه كفر الخوارج في بغضهم لعلي، وكان الغلو في الشيعة في حبهم لعلي. اما معاوية- رضي الله عنه- بهيبته أسَّس أولَ مملكةٍ في الإسلام، وكان اولَ ملكٍ في الإسلام، وهو هومؤسس الخلافة الأموية وأول خلفائها المسليمن واسس جيشَ الشام وكانت له هيبة الملك. أعرف انكم تحبون القصص وسوف احكي لكم هذه القصة بين عمرَ بن الخطاب ومعاويةَ بن ابي سفيان رضي الله عنهما: كان معاوية ُ بنُ ابي سفيان واليًا على الشام في عهد عمر بن الخطاب حتى أنَّ عمرَ بنَ الخطاب زاره في دمشقَ وهو- أي عمر- يركبُ حمارًا ومعه عبد الرحمن بن عوف، أيضًا يركب على حمارا، فتلقّاهما معاويةُ في موكبٍ كبيرٍ من العسكر والخيول والقادة والموالي، وغير ذلك من الشام، وتجاوز بموكبه هذا اميرَ المؤمنين وهو لا يدري، وعندما أخبره الناسُ أنَّه قد تجاوز أميرَ المؤمنين، رجع إليه. فلما قرب منه نزل إليه، فأعرض عمر عنه، حتى نزل معاوية، فجعل يمشي إلى جنبه على قدمية، فقال له عبدُ الرحمن بن عوف: أتعبت الرجلَ يا اميرَ المؤمنين، فأقبل عليــه عمــر فقــــال: يا معاوية، أنت صاحبُ الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذاك؟ إسمعوا إجابةَ معاويةَ احدِ دهاةِ العرب الأربعة في عصره، قال: لأنَّا في بلدٍ لا نمتنع فيها من جواسيس العدوّ ولا بدّ لهم مما يُرهبهم من هيبةِ السلطان، فإن أمرتني بذلك أقمتُ عليه، وإن نهيتني عنه انتهيتُ. فقال: لئن كان الذي تقول حقًا، فإنه رأيٌ أريب، وإن كان باطلًا، فأنها خدعةُ أديب، وما آمرُك به ولا أنهاك عنه.. إنتهى كلامُ معاوية. الشاهدُ في الموضوع أنَّ عمرَ- رضي الله عنه- اقرَّ هيبةَ السلطان. لذلك أرى انَّ القائدَ المهابَ هو الأفضلُ لقيادة الامة، أما القائدُ المحبوب- ولمحبة الناس له- يكون أفضلَ في العمل العام المرتبط بالعلاقات الإنسانية، مثل تقديم الدعم الاجتماعي.
ثم سألني يوسف: هل أنت محبوبٌ ام مهاب؟ قلت له: تسألني انا؟ قال: نعم. قلت: تسألني عن نفسي؟ قال: نعم، اجب و لا تماطل. قلتُ: لو كنتُ مهابًا، لما تجرَّأتَ وسألتني هذا السؤال.
اللهمَّ البسنا المهابةَ والمحبة، وارزقنا الوجاهةَ والقبول، واجعلنا عظيمي القدرِ والجاهِ عندك. ربنا هبنا المكانةَ الساميةَ والمنزلةَ العاليةَ والدرجةَ الرفيعة. اللهمَّ عزَّنا في عيونِ خلقِك واكرمنا بينهم وانصرنا وسخِّر لنا عبادَك كما سخَّرتَ الكونَ لخلقِك..
واللهُ أعلى وأعلم..



