المجاعة.. العدو الذي لا يرحم

مليون نازح في كردفان.. حكايات الموت جوعاً تحت وطأة الحرب

​النيل الأزرق ينزف بصمت.. مراكز الإيواء تتحول إلى “ساحات للعراء”

هيثم فتحي: الفقر والتهميش يحولان العنف إلى “خيار جذاب” للشباب

​كمال كرار: لا مفر من “المجاعة” إلا بفتح الممرات 

العودة – عماد النظيف

لم يعد الحديث عن الجوع في السودان مجرد تنبؤات متشائمة أو تقارير إحصائية باردة، بل استحال واقعاً مريراً يطرق بقسوة أبواب الملايين في أقاليم كردفان، ودارفور، والنيل الأزرق. ومع اقتراب موسم “الفجوة” أو الجفاف المرتقب في صيف 2026، يبدو أن الجغرافيا السودانية باتت محاصرة بمثلث خطر قاتل، تتشابك أضلاعه بين مطرقة النزاع المسلح المستعر، وسندان الانهيار الاقتصادي المتسارع، وتداعيات التغير المناخي القاسية. هذا المشهد المعقد دفع الهيئات الدولية — وعلى رأسها “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)” — لإطلاق صرخة استغاثة أخيرة، وتحذير هو الأشد لهجة منذ عقود، ينذر بانزلاق هذه المناطق في أتون مجاعة شاملة لا تبقي ولا تذر، في وقت تحولت فيه المساعدات الإنسانية إلى رهينة لخطوط النار وتعقيدات المسارات السياسية، مما يجعل حياة المدنيين معلقة بين رهان وقف الحرب وبين شبح الفناء جوعاً.

 

خارطة الجوع

 

في تقريره الصادر يوم الثلاثاء، أطلق “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” تحذيرات شديدة من خطر وقوع مجاعة وشيكة خلال موسم الجفاف (يونيو – سبتمبر 2026). وقد شمل التحذير مدينتي كادقلي والدلنج والمناطق المحيطة بجبال النوبة الغربية في ولاية جنوب كردفان، بالإضافة إلى مناطق واسعة في شمال دارفور تضم: أمبرو، وكرنوي، والطينة، وريف الفاشر، ومليط، وكتم، وطويلة.

وأوضح المرصد العالمي أن مستويات الجوع وسوء التغذية الحاد بلغت ذروتها في هذه المواقع، مشيراً إلى أن استمرار قطع خطوط التجارة أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية سيحول هذه الأزمة إلى مجاعة فعلية. كما توقع التقرير توسع رقعة الجوع الشديد لتشمل أجزاءً أخرى من دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق؛ مدفوعةً باستمرار النزاع المسلح، وتصاعد موجات النزوح، والانهيار الاقتصادي الذي جعل الوصول للقمة العيش ضرباً من المستحيل.

 

لغة الأرقام الصادمة

 

وفقاً لتقديرات منظمة الهجرة الدولية، يستضيف إقليم كردفان ما يقرب من 1,023,154 نازحاً داخلياً، موزعين على 1,936 موقعاً عبر 36 محلية، وتتوزع الأرقام كالتالي:

غرب كردفان: 416,654 نازحاً.

جنوب كردفان: 383,558 نازحاً.

شمال كردفان: 222,942 نازحاً.

وبالإضافة إلى ذلك، نزح الآلاف من غرب كردفان إلى خارج الإقليم، حيث استقرت أعداد كبيرة في كوستي (7,076)، وربك (4,095)، والدويم (3,632)، والخرطوم، بينما تستضيف الولاية الشمالية نازحين يمثلون 10% من سكان معسكر العفاض.

وفي موازاة ذلك، وثقت تقارير إنسانية وحقوقية لصحيفة “العودة” أوضاعاً مأساوية تعيشها المنطقة؛ تتمثل في انعدام الأمن الغذائي، وانهيار النظام الصحي، والقيود الصارمة على التنقل، فضلاً عن تصاعد أعمال العنف واختطاف الشباب، مما أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء وتفشي الأمراض وسط غياب تام للرعاية الطبية.

 

أزمة متصاعدة واحتياجات عاجلة

 

وعلى صعيد النيل الأزرق، حذر عضو غرفة الطوارئ، مصعب رزق الله، من تدهور إنساني متسارع نتيجة موجات النزوح المتتالية إلى مدن الدمازين والروصيرص ومنطقة بكوري، حيث يقدر عدد النازحين بنحو 81,578 شخصاً.

وكشف رزق الله عن احتياجات عاجلة تهدد حياة الآلاف، تتصدرها أزمة الغذاء الحادة، وندرة مياه الشرب، وغياب مواد الإيواء والخيام، فضلاً عن محدودية الوصول للرعاية الصحية الأساسية. وأشار إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر في ظل غياب المساحات الآمنة ونقص مستلزمات الحماية، مؤكداً أن الاستجابة الإنسانية لا تزال غير كافية لمواجهة حجم المأساة، ومطلقاً نداءً عاجلاً للتحرك الدولي لتوفير الغذاء والمياه بشكل فوري.

“مركبة” للانهيار

 

في سياق تحليل المسببات، يرى الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي لـ “العودة” أن الحرب الحالية مع التمرد في هذه المناطق، والاضطرابات الأهلية، وموجات الجفاف المتكررة، وازدياد الضغط السكاني، وأعمال العنف، والتغير المناخي الإقليمي، وشح المياه، والخسارة المطردة للأراضي الخصبة، هي عوامل أساسية ومهمة في نقص الغذاء والمياه؛ خاصة مع نقص الأراضي الخصبة والمياه والرعي الجائر وتعرية الغابات الذي أدى إلى تقليص رقعة الغطاء النباتي مع انخفاض ملحوظ في هطول الأمطار.

وأوضح فتحي أن التصحر والجفاف، رغم أنهما لا يؤديان بالضرورة إلى نزاع، إلا أنهما يخلقان ظروفاً تجعل العنف خياراً جذاباً للشبان غير المتمكنين نتيجة الفقر والتهميش والهجرة. وأكد أن الحرب دمرت المحاصيل والأسواق ومصادر المياه، وصعّبت وصول المساعدات الإنسانية بل جعلته مستحيلاً في بعض الأحيان، وحتى في الأماكن التي يتوفر فيها الطعام، لا يستطيع السودانيون الحصول عليه بسبب الارتفاع الهائل في الأسعار وفقدان الدخل المادي، مما حرمهم من أبسط مقومات الحياة. ورغم هذه المصاعب، أشاد فتحي بـ “المرونة الاستثنائية” التي يبديها المجتمع السوداني في التكاتف الاجتماعي لدعم بعضه البعض والحفاظ على الأسواق المحلية، رغم الشح الحاد في التمويل الدولي وانتشار العنف وعدم الاستقرار.

المجاعة تدحض “أكاذيب” الإنكار

 

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي كمال كرارلـ “العودة” أن تحذيرات منظمة (IPC) تمثل جرس إنذار خطير يستدعي تحركاً عاجلاً لوقف الحرب “اليوم قبل الغد”، وهي تدحض دعاوى بعض المسؤولين الذين لا يزالون يشجعون الحرب وينفون وجود المجاعة.

ويرى كرار أن المؤشرات الحالية في جنوب كردفان وشمال دارفور والنيل الأزرق تعكس وصول الأزمة إلى مرحلة حرجة؛ حيث تراجع الإنتاج الزراعي وانعدمت مصادر الدخل نتيجة النزاع، مما جعل آلاف الأسر تعتمد كلياً على المساعدات الإنسانية التي تواجه صعوبات كبيرة في الوصول. وحذر كرار من أن استمرار إغلاق الطرق خلال موسم الجفاف (يونيو – سبتمبر) قد يدفع المنطقة إلى مجاعة مكتملة الأركان، مشدداً على ضرورة فتح ممرات إنسانية آمنة وتحييد العمل الإغاثي عن الصراع، وزيادة التمويل الدولي المخصص للصحة والتغذية. واختتم حديثه بالتأكيد على أن معالجة الأزمة لا تتم عبر التدخلات الإنسانية وحدها، بل تتطلب إرادة سياسية جادة لوقف النزاع وتحقيق الاستقرار، باعتبار أن استمرار الحرب هو العامل الرئيسي وراء تفاقم الجوع والانهيار الإنساني الشامل في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى