تجربتي من الوظيفة إلى العمل الحر (3/3)

بقلم/ مهندس رامي كمال
“دعوة للتحرر من قيود الوظيفة إلى فضاء العمل الحر”
وهكذا بدأت مغامرتنا…..
دخلنا عالمًا لا نملك فيه رأس مالٍ كافي، ولا أدوات مكتملة، لكننا كنا نملك ما هو أهم:
الإيمان، والخبرة، والرغبة في صناعة شيء مختلف.
اكتشفنا سريعا أن عالم التجارة ليس كعالم الوظيفة… فالوظيفة تمنحك أمانًا نسبيًا، لكنها تضعك داخل حدود واضحة،
أما العمل الحر، فهو فضاء واسع مليء بالفرص… لكنه أيضًا مليء بالمخاطر والتحديات.
لم تكن لدينا الإمكانيات الكافية لبداية مشوارنا في عالم البزنس، لكن بعد دراسة عميقة لاحتياجات السوق وفرصه، قررنا دخول قطاع خدمات التعدين… ولكن بطريقة مختلفة.
الرؤية….
كانت رؤيتنا تقوم على تقديم خدمات متكاملة لقطاع التعدين، بحيث يجد المعدّن كل احتياجاته في مكان واحد؛ من المعدات والأدوات والمواد الكيميائية، إلى الاستشارات الفنية وتنفيذ المشاريع.
ولدت الفكرة من معاناة حقيقية كان يعيشها المعدنون يوميًا في توفير احتياجاتهم الأساسية.
البداية….
في يناير 2021 بدأت الرحلة الحقيقية ، أقنعنا أحد العملاء العاملين في إنتاج الذهب بتنفيذ وتصنيع وحدة متكاملة لاستخلاص الذهب بقيمة 50,000 دولار، لكن ظهرت عقبة كادت أن تنسف الاتفاق بالكامل… طلب العميل توقيع عقد يتضمن شرطًا جزائيًا يقضي بإعادة مقدم العقد إذا لم تعمل الوحدة بنفس كفاءة الوحدات المستوردة.
وهنا كانت المشكلة….
فمقدم العقد نفسه كان يمثل رأس المال الذي سنمول به عملية التصنيع، والأصعب من ذلك أنها كانت أول تجربة لنا في تصنيع وحدة استخلاص ذهب ، وتخوّفنا كثيرًا من المخاطرة، وأذكر أنني قلت لشقيقي م. أبوبكر كمال بعد نقاش طويل:
“الحياة قرار… والبزنس قائم على المخاطرة.”
وقررت أن أوقع العقد باسمي الشخصي، وأتحمل كامل المسؤولية.
وبفضل الله…
استلمنا مقدم العقد، واشترينا المواد الخام، وخلال شهر واحد فقط تم تصنيع الوحدة وتركيبها وتسليمها بنجاح، ثم استلمنا بقية المبلغ.
كانت تلك اللحظة نقطة تحول عظيمة في طريقة التفكير…
انتقال حقيقي من عقلية الموظف إلى عقلية رائد الأعمال، وتعلمت حينها دروسا لا تُدرّس في أكبر الجامعات أو المعاهد المتخصصة في البزنس.
بعد تلك العملية أصبح لدينا قدر من المال والخبرة، وبدأنا نوفر احتياجات قطاع التعدين من الموردين المحليين، وكانت ميزتنا الأساسية هي توفير كل الاحتياجات في مكان واحد، مع التركيز على الجودة وتخفيف معاناة المعدنين.
وللأمانة…
تعرضنا في البداية لخسائر مالية كبيرة بسبب ضعف خبرتنا في العقود، وخسرنا أكثر من 60,000 دولار، وكدنا نخرج من السوق نهائيًا بسبب الالتزامات المالية،. لكن تلك الخسائر كانت من أعظم الدروس.
نقطة التحول…
في إحدى جلسات النقاش بيني وبين أبوبكر حول تطوير العمل والفرص الممكنة، قال لي:
“ممكن نستورد من الصين!”
وكان يعرف شخصًا يملك مكتب خدمات استيراد هناك، فتواصلنا معه، ومشكورًا قدم لنا دعمًا كبيرًا، وساعدنا في تنفيذ أول طلبية استيراد من الصين، وكانت عبارة عن حاوية 20 قدم لمعدات التعدين.
الموثوقية…
منذ البداية لم يكن تركيزنا الأساسي على الربح والخسارة، بقدر ما كان اهتمامنا ببناء الثقة مع العملاء، وصناعة سمعة طيبة، والاهتمام بالجودة قبل الكم، وتقديم الاستشارات الفنية مجانًا للمعدنين.
وكان هذا القرار من أهم أسباب نجاحنا لاحقًا.
الانتكاسة…
قبل حرب 15 أبريل كانت الأمور تسير بصورة ممتازة، والشركة تنمو بشكل متسارع، حتى افتتحنا فرعًا في إحدى مناطق التعدين، وكانت لدينا خطة للتوسع وافتتاح فروع أخرى.
ثم جاءت الحرب…
وانتهى كل شيء… إلا الإيمان بالله.
كان كامل رأس مالنا داخل مخزن الشركة في العمارات، وقبل الحرب بأيام كنا قد استوردنا بضاعة تتجاوز قيمتها 300,000 دولار.
العزيمة…
عشنا أيامًا بالغة الصعوبة في بداية الحرب.
كاد التفكير يتوقف، واقتربنا من رفع راية الاستسلام.
لكن تجربتنا الأولى كانت الرصيد الحقيقي الذي استندنا عليه، والفرع الذي افتتحناه قبل الحرب أصبح النافذة التي عدنا من خلالها إلى السوق مرة أخرى.
القرار…
بعد عام من الحرب استنزفنا كل ما نملك بسبب الإيجارات والمصروفات، بينما كان السوق في حالة ركود شبه كامل.
أحيانًا كانت تمر شهور دون أي مبيعات، حتى بدأت فكرة إغلاق الفرع تتسلل إلينا.
لكن هناك حقيقة تعلمناها من السوق:
السوق لا يقبل الفراغ.
إذا خرجت منه، فقد تكون العودة أصعب وأكثر تكلفة من الاستمرار.
لذلك قررنا أن نستمر…
بإيمان كامل بأن غدًا أفضل، وأن السوق كما يأخذ منك يومًا، قد يعطيك أضعاف ما أخذ في يوم آخر.
الخلاصة…
” الحياة قرار ”
والنجاح توفيق من رب العالمين.
نحمد الله كثيرًا على القرار، ونحمده أكثر على التوفيق.
ورغم كل ما مررنا به، ما زلنا نتعلم من السوق كل يوم، وما زلنا نعتبر أنفسنا في بداية الطريق.
اليوم أصبحت الشركة تملك اسمًا موثوقًا في قطاع خدمات التعدين والهندسة، وخبرة في استيراد معدات وأدوات ومواد الإنتاج ، واستطعنا بناء ثقة كبيرة مع المعدنين وشركات الإنتاج، وهذه الثقة هي أعظم رأس مال نملكه… لأنها لا تُشترى ولا تُقدّر بثمن.
رحلة لم تكن سهلة…
لكنها كانت البداية الحقيقية…..
“السوق قدح النبي” مثل سوداني
انتهى الحديث…
اتمنى ان اكون قد ساهمت خلال الحلقات من 1 إلى 3 في سرد التجربة بشكل سلس وبسيط ومفهوم للجميع وساعدت على كسر حاجز الخوف ورهبة العمل الخاص.. وما التوفيق إلا من عند الله.
//////////////////



