المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:أوراق لندنية (٢-٣)

لماذا يتحول الإنسان من “غاية” إلى “فرجة” في ظل الأفكار العنصرية التي تجذرت في الغرب؟

​ هل التغيير الديموغرافي الذي شهدته لندن مؤخرا هو “رد فعل” تاريخي على إرث استعماري طويل؟

في الحلقة السابقة ​طوفنا سوياً في رحاب لندن، رصدنا عبق التاريخ في “بيكاديللي” و”هاي ماركت”، وتأملنا الذاكرة البصرية في “المعرض الوطني”. كانت رحلة احتفت بالجمال والصداقة في عاصمة الضباب، لكن لندن كما تمنحك الدهشة بمبانيها، تفتح لك أبواب الذاكرة على وقائع لا تخلو من قسوة.

​ذات مساء صحو و نحن نتجول في شوارع لندن العتيقة برفقتي ابني معاذ، قادتنا اقدامنا إلى ناصية (هايد بارك) و تحديدا عند ساحة (ماربل ارش) ، وهي بالكاد يستطيع الانسان أن يجد فيها موطئ قدم من جمهرة الزوار خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، وجدنا حلبة تشبه حلبة المصارعة أو الملاكمة بها أحد المهاجرين الأفارقة وحوله عدد لا يستهان به من المتفرجين ، تستخدم هذه الحلبة للمصارعة أو الملاكمة ، نسائية أو رجالية، و الكل منتشي بهذه المشاهد ، و جلهم من المهاجرين ، اذ لا تكاد ترى في وسط لندن أحدا من سكانها الأصليين أصحاب الأرض، فكما كتبت سابقا سلسلة (غزاة لندن) ، فقد غزاها المهاجرون من شتى بقاع الارض ، فر البريطانيون إلى أطراف لندن و تركوها للغزاة الجدد ، فبعد أن كانت بريطانيا تستعمر نصف الكرة الأرضية، اضحت الآن تحت رحمة تغيير ديموغرافي كبير حتما سيؤدي يوما ما لتغيير في التركيبة السكانية ، بناءا على قلة المواليد من البيض و الانفجار السكاني للمهاجرين ، مختلف اللهجات تسمعها وانت تسير في هذه الساحات ، استحضرتني فجأة قصة حدثت قبل سنوات إبان زيارة نيلسون مانديلا لفرنسا ، ​التقى مانديلا بالرئيس الفرنسي ميتران على مائدة العشاء في ذلك المساء … بدأ ( مانديلا ) يحكى قصصاً مسلية عن جنوب أفريقيا، وبرغم أن الترجمة الفرنسية كانت تفسد الكثير إلا أن ( ميتران ) راح يضحك .. الحق أن روح الدعابة كانت قوية لدى الرئيس الأفريقي العجوز .. عندما انتهى العشاء سأل ( میتران ) ضيفه عن إقامته وما إذا كانت مريحة ..

​« هل هناك شيء معين خارج البروتوكول يمكن أن أقوم به لك ؟ »

فكر ( مانديلا ) قليلاً كأنما هو متردد ، ثم قال :

​« أريد ( سارة ) ! »

نظر له ( ميتران ) في عدم فهم : « ( سارة ) من ؟ »

​« ( سارة بارتمان ) ..

ثم بلهجة تجمع بين الإقناع والرجاء أردف : « أتمنى لو عدت بها إلى وطني ! »

تبدأ مأساة “سارتجي بارتمان” أو “سارة” من موطنها الأصلي في شرق الكيب على ضفاف نهر جامتوس، حيث ولدت في القرن الثامن عشر كأجمل فتاة في قبيلة “الخوي خوي” البدائية، متميزة بملامح رقيقة ومقاييس جمال خاصة بقومها تبرز في مؤخرتها الممتلئة التي كانت ذروة الحسن لديهم ومحط سخرية للأوروبيين، لتنتهي حياتها الهانئة عام 1810 باختطافها وبيعها لطبيب بريطاني يدعى “دنلوب” شحنها إلى إنجلترا، لتتحول هناك إلى رمز صارخ للاستغلال العنصري وقسوة الإنسان؛ حيث عُرضت شبه عارية في سيرك “بيكاديللي” تحت اسم “فينوس الهوتنتوت” لإشباع فضول الجماهير الاستعمارية وتصوراتهم المشوهة عن المرأة البدائية وسط معاملة مهينة تُجبر فيها على أداء حركات الحيوانات تحت ضربات العصا، ورغم المحاولة الإنسانية الوحيدة التي قادها الثائر الجامايكي “روبرت ويدربيرن” للمطالبة بكرامتها ومنع عرضها، إلا أن المحكمة البريطانية تذرعت بوجود عقد مزعوم لاستمرار استغلالها، مما شرع الأبواب لرحلة أخرى من العذاب قادتها إلى فرنسا لتسقط بين يدي عالم التشريح المرموق “جورج كوفييه” الذي نظر إليها بنظرة علمية استعلائية جردتها من إنسانيتها ووصف حركاتها بأنها تشبه القردة.

​ولم تتوقف قسوة العالم الغربي عند حدود استغلال سارة وهي على قيد الحياة، بل امتدت بشاعة هذا الفكر الاستعماري إلى ما بعد موتها، حيث سارع العالم “كوفييه” بانتزاع مخها وأجزاء حساسة من جسدها لحفظها في الفورمالين، مستخدماً هيكلها العظمي وقالب جسدها في دراسات تشريحية مقارنة صاغها لخدمة أيديولوجيته العنصرية التي تحاول إثبات أن الأفريقي أدنى مرتبة وأقرب لحيوان “الأورانج أوتان” من الإنسان الأوروبي، لتظل رفاتها معروضة بمهانة في أوانٍ زجاجية بمتحف باريس حتى أواخر القرن العشرين، ولم تجد هذه المرأة الأفريقية الوحيدة طريقها إلى الراحة والحرية إلا عام 2002 بعد حملات ومطالبات رسمية مكثفة قادها الزعيم “نيلسون مانديلا” ومجموعة من المثقفين أسفرت عن موافقة مجلس الشيوخ الفرنسي على الإفراج عن الرفات، ليعود جسدها أخيراً ويلتمس ثرى الوطن لأول مرة منذ اختطافها عام 1810، تاركة وراءها قصة مأساوية تشهد على زيف الشعارات الإنسانية الغربية وتجسد أبشع صور القسوة والبغاء الفكري الذي نهش لحمها حية وميتة.

أختم في الحلقة القادمة أوراقي اللندنية بين محطة مارليبورن وشبربوش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى