منى ابوزيد تكتب : جيل الأوجاع والمُسكِّنات..!

هناك فرق..

“نحن الجيل الذي ورث أحلام آبائه، ثم أنفق عمره وهو يحاول إنقاذ ما تبقى منها”.. الكاتبة..!

أخطر ما فعلته الحياة بجيلنا الذي لم يعش الاستقرار طويلاً أنها جعلته يعتبر النجاة وحدها إنجازاً كافياً. فتعلم كيف يرتب الفوضى واعتاد على أن يُعد أباريق الشاي، ثم يحتسي منها أكواباً بين دخان الحرائق. نحن جيل ظل يؤجل أحلامه دائماً لصالح الضرورات، حتى اختلطت الأحلام نفسها بقوائم المصروفات..!

جيل سوداني كامل لم يعش الحياة بل ظل يطاردها وهي تهرب منه في كل مرة. جيل النصف الثاني من السبعينات والنصف الأول من الثمانينات. ذلك الجيل الذي وُلد على أملٍ صغير، ثم كبر وسط طوابير الخبز، وصفوف البنزين، والانقلابات، والأغنيات الحزينة، ووعود الحكومات التي كانت تتبخر أسرع من رذاذ محاليل التعقيم..!

هذا الجيل لم يكن يوماً مدللاً مثل آبائه الذين عرفوا ولو قليلاً معنى الاستقرار، ولا محظوظاً بما يكفي ليعيش رفاهية العالم الحديث التي يعيشها أبناؤه كما ينبغي. لقد جاء هذا الجيل إلى الحياة في توقيت سيء جداً، سيء للغاية، لدرجة أن معظم أحلامه كانت تُؤجل لصالح دوماً لصالح الظروف..!

أبناء هذا الجيل عاشوا في كتف آباء ظنوا أن التعليم وحده يصنع المستقبل، فدرسوا جيداً، ثم اكتشفوا أن المجتمع نفسه فقد ب صلته فاضطربت معاييره واختلطت أولوياته على نحو ما عاد يتسع لتوقعاتهم.

حفظوا النشيد الوطني كما يحفظون أورادهم، ثم شاهدوا الوطن وهو يحترق على الهواء مباشرة..!

آمنوا بأن الاجتهاد طريق النجاة، ثم رأوا بأعينهم كيف يسبقهم الأقل كفاءة، فقط لأنه أكثر قرباً من الطاولة التي توزع الامتيازات. ومع ذلك صمدوا. وهذه وحدها معجزة تستحق الدراسة..!

هذا الجيل تحديداً يحمل التعب بطريقة مختلفة.

تعبه لا يظهر في الصور، بل في نبرة الصوت، وفي سرعة الانفعال، وفي تلك النظرة الطويلة الهادئة التي يرنو بها أحدهم من الشرفة آخر الليل، كأنه يفاوض الحياة على هدنة صغيرة..!

إنه الجيل الذي انتقل فجأة من دور الأبناء إلى دور الآباء دون فترة انتقالية عادلة. وفي لحظة ما وجد نفسه مسؤولاً عن الجميع دفعة واحدة، في ظل واقع اقتصادي شديد المراس. آباء كبروا وتعبوا ويحتاجون للرعاية، وأبناء ما يزالون صغاراً ينتظرون مستقبلاً، ووطن مصاب وملتاع ويحتاج إلى من يعتني به أيضاً..!

في هذه الحرب الأخيرة تحديداً، بدا هذا الجيل كعمود البيت الأخير. هم الذين يحملون الأمهات والآباء في مناطق النزوح واللجوء، وهم الذين يخفون خوفهم عن أطفالهم، ويتظاهرون بالشجاعة أمامهم، بينما قلوبهم يملؤها الوجع ونفوسهم يؤلمها العجز والقهر..!

الرجل منهم صار أباً لأبيه أحياناً، والمرأة صارت أماً للجميع. ولمثير للسخرية – سخرية سودانية خالصة – أن هذا الجيل لم يحصل حتى على الوقت الكافي للشكوى. فهو كلما حاول أن يسمح بالانهيار ظهر قسط مدرسة، أو فاتورة علاج، أو استغاثة قريب عالق في مدينة مشتعلة..!

هذا الجيل لم يعش الرخاء، لكنه عاش كل أنواع الخسارات. خسارة المدن القديمة، وخسارة اليقين، وخسارة الأصدقاء الذين ابتلعتهم المنافي أو الحروب أو خيبات العمر الطويلة. حتى أحلامهم ظلت متواضعة بصورة مؤلمة “بيت صغير، مرتب مستور، تعليم جيد للأبناء، وطن لا يطرد أبناءه كل صباح”..!

لكن حتى الأحلام البسيطة أصبحت رفاهية سياسية، ومع ذلك ما يزال هذا الجيل يضحك، مثل شخص يعرف أن البكاء لن يغيّر شيئاً. يسخر من الحكومة، ومن الحرب، ومن ارتفاع الدولار، ومن ارتفاع ضغط الدم، ومن آلام الجسد، ومن نفسه أيضاً. وكأنه يعجز عن الانتصار على المأساة، يحاول على الأقل أن يهزمها بالسخرية..!

وربما لهذا يبدو جيلنا متعباً وحكيماً في الوقت نفسه.

لقد فهم مبكراً أن الحياة ليست عادلة بالضرورة، وأن الإنسان قد يكون طيباً ويُهزم، مجتهداً ويفشل، شريفاً ويُؤذى. لكنه فهم شيئاً آخر أكثر أهمية “أن الكرامة ليست في عدد الانتصارات بل في القدرة على الاستمرار رغم كل شيء”..!

ولهذا، حين يكتب التاريخ الحقيقي للسودان يوماً ما، يجب ألا يُكتب فقط عن الجنرالات والسياسيين والخطباء الكبار، بل عن هذا الجيل الصامت أيضاً. هذا الجيل الذي ظل يحمل وطناً بأكمله وهو ينهار فوق كتفيه، ثم يذهب إلى عمله في الصباح، وكأن شيئاً لم يكن!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى