علم الدين عمر يكتب : المنامة تحتفي والفاتيكان تعمد ولندن تحمل على الأعناق..ثم ماذا؟!!

حاجب الدهشة ..
فتحت التحركات الخارجية الأخيرة لرئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس.. وزياراته إلى أوروبا والفاتيكان بالتوازي مع جولات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عدد من العواصم الخليجية..إضافة ل(منطقة الغنا السياسية) الإنسدت..باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة المرحلة التي يحاول السودان الدخول إليها..وما إذا كانت هذه التحركات تمثل بالفعل بداية لعملية إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي واسعة..أم أنها لا تزال تدور داخل إطار المناورات التقليدية ومحاولات فك العزلة بالحد الأدنى المتاح..
الزيارة إلى الفاتيكان التي تصدرتها صورة (تعميد) البابا لرئيس الوزراء..ثم لندن التي رسخت منها صورة رئيس الوزراء (محمولاً علي الأعناق)..حملت في توقيتها ورسائلها أبعاداً تتجاوز الطابع التقليدي..فالمناخ الأوروبي لا يبدو متحمساً حتى الآن لإعادة دمج السودان بصورة كاملة في المحيطه الدولي.. وفي وقت لا تزال فيه مؤسسات الاتحاد الأفريقي تحتفظ بتجميد عضوية الخرطوم..بينما تتعامل الدوائر الغربية مع السودان باعتباره ملفاً أمنياً وإنسانياً أكثر من كونه شريكاً سياسياً مستقراً..ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بجدوى هذه الزيارات.. بل بما إذا كانت الدولة السودانية نفسها قد أعدت مشروعاً سياسياً واضحاً يمكن تسويقه وإقناع العالم به..
في المقابل..تبدو الجولات الخليجية لرئيس مجلس السيادة وكأنها تتحرك في إتجاه مختلف وأكثر إرتباطاً بإعادة تهيئة المسرح الإقليمي لمشهد سوداني جديد..فدول الخليج لا تتحرك عادة بمنطق المجاملات السياسية.. وإنما وفق حسابات الإستقرار والمصالح وإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة.. ولذلك فإن الانفتاح الخليجي المتدرج على السودان يعكس على الأرجح وجود قراءة إقليمية ترى أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة تتطلب إعادة القراءة وتحديد موطء القدم..
بيد أن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة..هل يملك السودان تعريفاً واضحاً لشكل هذه المرحلة؟..
أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة خارجة من الحرب والإضطراب المجتمعي هو إدارة مستقبلها بعقلية ردود الأفعال وانتظار الإشارات الخارجية.. فالدول التي تمر بتحولات كبرى لا تملك رفاهية “جس النبض” أو مراقبة هوامش القرار الدولي لمعرفة الإتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه.. العالم لا يحترم الدول المترددة..ولا يمنح ثقته للكيانات التي تتحرك بلا رؤية مستقرة أو خطاب موحد..
السودان في حاجة ملحة لأكثر من الزيارات الخارجية أو الإختراقات الدبلوماسية المحدودة..هو بحاجة لمشروع دولة متكامل.. يحدد بوضوح شكل النظام السياسي المطلوب.. وطبيعة التحالفات الإقليمية..وحدود العلاقة مع الغرب.. وأولويات الإقتصاد والأمن وإعادة الإعمار.. فالعزلة الحالية ليست فقط نتيجة مواقف دولية متهمة ومتآمرة إنما هناك إنعكاس مباشر لغياب الإتساق الداخلي في الخطاب السياسي والإعلامي والمجتمعي..
العالم يسمع من السودان أصواتاً متعددة ورسائل متضاربة..وخطاباً سياسياً يفتقد الثبات.. وإعلاماً يغلب عليه الإنفعال والتعبئة..وساحة داخلية لا تزال غارقة في الإستقطاب.. وفي ظل هذا المشهد.. يصبح من الصعب على أي طرف خارجي أن يراهن بثقة على مستقبل الدولة السودانية أو يندفع نحو شراكات إستراتيجية عميقة معها.. التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الزيارات الخارجية أو مستوى الإستقبال البروتوكولي (فالدولة بعد نيف وثلاث سنوات من الحرب لا تبحث عن شرعية كما تسوق غرف البؤس السياسي)..بل في قدرة الخرطوم على إنتاج رؤية إستراتيجية مباشرة وواضحة..لا تخشى الإعلان عن مصالحها وتحالفاتها وخياراتها الكبرى..رؤية تنقل السودان من مربع إدارة الأزمة اليومية إلى مربع بناء الدولة المستقرة القادرة على فرض حضورها واحترامها في الإقليم والعالم..
الخرائط الجديدة في المنطقة تُرسم بسرعة..والتحالفات يعاد تشكيلها وفق معايير المصالح والوضوح والإستقرار.. ومن دون مشروع وطني متماسك يعيد تعريف السودان سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً..ستظل أي تحركات خارجية.. مهما بدت لافتة مجرد محاولة لتحسين الموقع داخل العزلة وليس إنهائها أو تجاوزها..
نواصل
////////////////



