داخلك حيوانٌ والحقيقةُ الصادمة

مبنى ومعنى
عثمان الشيخ الأُسيد
لو قلتُ لك: أنت (حمار) فسترفعُ يدَك لتصفعني، أما إذا قلتُ لك: أنت (حمار شغل) أيضا سترفع يدك، ولكن هذه المرة لترسم بها علامةَ الإعجاب، وقبل أن نتوغلَ في موضوعنا، دعونا نتوقفُ قليلًا مع الحمار.. قال يوسف: نتوقف مع الحمار بن الحمار هذا الحيوان بن الحيوان المثير للجدل ـ لماذا نتوقف عنده، وقد نصحنا بعضُهم ألّا تركب الحمارَ، فإنه إن كان فارهًا، أتعب يدَك، وإن كان بليدًا، أتعب رجلَك؟ وقالوا: الحمارُ بئسُ المطيةِ، إن أوقفتَه أدلى، وإن تركتَه ولى، كثيرُ الروثِ قليلُ الغوث، سريعٌ إلى الفرارةِ، بطيءٌ في الغارة، لا توقى به الدماءُ ولا تُمهر به النساءُ، ولا يُحلبُ في الإناء. ثم أضاف يوسفُ قائلًا: يصفون الانسانَ الغبيَّ بالحِمار. قلت له: هذا كلامٌ غيرُ صحيح، فالحِمارُ ذكيٌ وليس بغبي، ويتمتع بصفاتٍ تُميزه، مثل الذاكرة القوية والتعلم وحفظ الأماكن التي يمر بها. وللحميرِ لغةُ تواصلٍ معقدةٍ بينها، فهو ليس غبي، لكننا نُرددُ ذلك لأنَّ بداخلنا (ببغاء) قال يوسف: اراك تدافعُ عن الحمار، وكأنَّ امَّه ارضعتك، قلت له: وأراك تكرهه فكأن امَّه رفستك..
رأيتُ في (تأييبه) عاصمةِ تايوان، ناسًا كثيرين مثل النمل .. منظمين مثل النمل.. دؤوبي الحركة مثل النمل… أحجامُهم متساوية مثل النمل .. لا تسمع لهم صوتًا، تماما مثل النمل … لا تعرف الذكرَ من الأنثى، مثل النمل، احسست انهم نملٌ. كل هؤلاء بداخلهم (نمل) أرشدني احدُهم إلى المطعم الإسلامي، فقلتُ لمرافقي: إن المطعمَ الإسلاميَ من هذه الناحية، قال لي: كيف عرفت؟ قلت له لا شعوريا: (قالت نملة)
بداخل كل (حبيس) هدهد.. كلمة حبس تعني (انقطع) فالانقطاعُ يكون في كل شيء، إنحبس المطرُ، أي انقطع، إنحبس الدمع، وغير ذلك. والحبيس هو من انقطع عن الناسِ، إما بسبب السجن، أو بسبب الإعاقة، أو اختياره، كالشاعر ابي العلاء المعري، الذي اختار لنفسه لقباً كان محبباً لديه، وهو (رهين المحبسَيْن) أي فقدان بصره، واعتزاله الناس ولزومه بيته. غيّر أنّه ما لبث أن أضاف سجناً ثالثاً، هو نفسه المسجونة في جسمه المادي. كل هؤلاء الحبيسين- بمختلف أنواع حبسهم- نجد بداخلهم (هدهدًا) يُزودوهم بالأخبارِ الدقيقة وبالتفصيل. لعلها دعوة سيدنا يوسف عليه السلام بعد أن خرجَ من السجنِ، أنه قام ودعا لأهلِ السجن فقال: (اللهم اعطُف عليهم قلوبَ الأخيار، ولا تعمي عليهم الأخبار) لذلك نجدهم مواكبين للاخبار، أما عطفُ قلوبِ الأخيار عليهم ، فيتضح في اللجان والجمعيات الخيرية وفاعلي الخير والتطبيقات التي تساعد المساجين. قلت ليوسف: أي حيوان بداخلك؟ قال انا؟ قلت: نعم انت. قال: لا أدري، أنت صاحبُ الفكرة. قلت له: أنت كالكلبِ في حفظك للود. قال: يا ساتر! هل هذا مدحٌ يشبه الذم، ام ذمٌ يشبه المدح؟ قلت: لماذا ذم؟ من قال لك إنَّ الكلابَ سيئةٌ ؟ هل سمعتَ أو شاهدتَ في حياتك يوما أن حروبًا نشبت بين الكلاب، سُفِكت فيها دماءٌ وهُتِكت فيها أعراضٌ ويُتِم فيها (جرو)؟ قال يوسف: لا تحاول أن تُزيِّن لي القولَ، فـأنا ليس بداخلي أي حيوان، انا انسانٌ خالص. قلت له: وأين قول الله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ..الانعام 38 يقول المفسرون: ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون..
وإذا انكرت ذلك وتعاليت وشعرت بالزهو، يكون في داخلك طاؤوس، ولا تحاول ان تتكبر لأنك انسان، ومن هو الانسان، وقد جرى في مجرى البول مرتين” (مرة من صلب أبيه، ومرة من بطن أمه)؟ فيجب أن تتذكرَ أن أوَّلَك نُطفةٌ مَذرة، وآخِرُك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تَحمل العَذرة” قال يوسف: يبدو من لهجتك أنك بدأتَ تتحامق، مما يدل على ان بداخلك نعامة (اكتسبت النعامة وصف “الحماقة” في الموروث الشعبي بسبب أسطورةٍ شائعةٍ حول دفن رأسها في الرمال عند الخطر)
الإنسانُ المتلوِّن بداخله حِرباء. الديوث بداخله خنزير. ومن بداخله أرنب، فهو الخوَّاف.. الإنسانُ الودودُ البشوشُ المبتسم، بداخله حيوانُ الكوكا (يُطلق لقب “الحيوان الضاحك” أو “أسعد حيوان في العالم” عادةً على حيوان الكوكا(Quokka)، وهو جرابي صغير من أستراليا، يشتهر بابتسامته الدائمة وتعبيرات وجهه الودودة)
إليكم قائمةٌ ببعض الحيوانات وصفاتها كي أسهل عليكم تشبيه بعضِ الناس بتلك الحيوانات، ولتعرف الحيوان الذي بداخلك، وهناك حقيقة صادمة، وإليكم القائمة: قالوا: أشجع من أسد. وأحذر من غراب. وأبصر من عقاب.. وارشق من حصان، وأرقب من تمساح، و أسمع من فرس. و أنوم من فهد. وأعمر من ضبّ.. أحقد من جمل. وأظلم من حيّة. اغبي من الديك الرومي (يقال إنَّ الديكَ الروميَ اغبى الطيور على الأرض) أجبن من هجرس- وهو القرد- وذلك لأنه لا ينام إلا وفي يده حجر مخافة أن يأكله الذئب..
أما الحقيقةُ الصادمةُ، فهي أنَّ ملكَ الغابة(الأسد) طلع إشاعة.. في الواقع هو لا يستحقُ أن يكونَ ملكًا للغابة، فقد كشفت لنا الكاميراتُ المزروعةُ في الغابات، كيف أنَّ الأسدَ يطيرُ في الهواءِ من نطحةِ جاموسٍ، وكيف يهربُ من الكلابِ البرية، وكيف يكسر فكَّه حمارُ الوحش، وكيف تدعسه الزرافةُ، وكيف وكم يكونُ جبانًا أمامَ حيوان غرير العسل، وهذا الأخير- غرير العسل- هو من يستحق أن يكونَ ملكًا للغابة بلا منازع.. هذه الحقيقة العجيبة هي من طبيعةِ الحياة، وقد قال الشاعر:
وإذا رأيتَ عجيبةً فأصبر لها … فالدهر قد يأتي بما هو أعجب..
ولقد أراني والأسود تخافني …. فأخافني من بعد ذاك الثعلبُ…….قلت ليوسف: أين انت؟ لماذا أنت ساكت لا تتكلم؟ قال: تكلمتُ، فقلتَ بداخلي كلب، نفيتُ فقلتَ بداخلي طاؤوس، فقررتُ أن أُغلق فمي حتى لا تصيدني، وقد قيل: السمكةُ التي تُغلق فمَها لن يصيدها احد) قلت له: إذًا أنت بداخلِك سمكة، فقال لي: لا حول ولاقوة إلا بالله، الآن سوف أُخرجُ هذه السمكةَ من داخلي وأُهديها لك لتتعشى بها فارتاح منها ومنك
أما أنت- أيها القاري- اعترف أنَّ بداخلِك حيوانٌ، ولا تحاول ان تكونَ ثعلبًا.
كان هذا يوسفُ وانا، فابقوا معنا، إن كان في العمرِ بقية..
والله اعلى واعلم..



