علم الدين عمر يكتب : يوسف سراج.. حين يغادر النبلاء.. بصمت..

حاجب الدهشة.. 

..وقد عزفتُ زماناً عن المفاخر والمراثي.. وتأبت عليّ حروف التعزية في حضرة الأعزاء.. ظللت أتلقط خلال سنوات الحرب العجاف أخباراً متقطعة عن الحبيب يوسف سراج الدين..ثم تجرفنا الحياة لشأنها.. يوسف لم يكن من أولئك الذين يملأون الدنيا صخباً ثم ينطفئون مع أول عتمة كما ألفناهم.. كان من الطراز النادر الذي يترك أثره في الأرواح قبل الأمكنة..ولذلك بدا رحيله قاسياً بصورة لا تشبه الأخبار العابرة.. موجعاً كما لم أختبر الوجع من قبل.. كأن الوسط الصحفي فقد فجأة قطعة أصيلة من روحه القديمة التي كانت تعرف معنى الزمالة والوقار وأدب الإختلاف.. واللطف..

عرفته عن قرب في سنوات الصحافة الثقال..تلك التي كانت تُصنع فيها الصحف بين رائحة الحبر وحرارة المطابع وقلق المواعيد الأخيرة..ورائحة القهوة الباردة.. السنوات التي كانت تختبر معادن الصحفيين حقاً فلا يبقى في الميدان إلا أصحاب (الجلد والراس ) والأخلاق الرفيعة..وسط ضجيج العناوين وصخب السياسة وتوتر غرف التحرير.. كان يوسف سراج يمضي هادئاً بصورة تكاد تثير الدهشة من فرط الرقة (والدقة) والهمس الجهير..المهراق علي جبر الخاطر والكرم المبذول..لا يرفع صوته..لا يزاحم أحداً على الضوء..ولا يطارد حضوره بالصخب المفتعل و(الدنيا ضجيج وزعيق ومناهزة).. كان يملك من المعرفة والخبرة والقدرة والأدب ما يجعله في صدارة الساحة..

كان يوسف رزيناً لحد النبل..عفيفاً لدرجة مدهشة و نادرة..من فرط تهذيبه..ربما مر في المكان دون أن ينتبه إليه أحد.. لكنه كان يترك خلفه دائماً إحساساً عميقاً بالإحترام..لم يكن صحفياً عادياً يؤدي وظيفة وينصرف.. كان إبناً حقيقياً للمهنة..يعرف أسرارها..ويحفظ تقاليدها.. ويحمل وجعها القديم في قلبه بهدوء العارفين..

بعد أحداث 2019 حين بدأت القنوات تبحث عن الأصوات القادرة على القراءة المتزنة وسط العاصفة..رشحته لقناتي العربية والحدث للزميلين العزيزين سعدالدين حسن وهبة فريد..التي ألتقطته كما تُلتقط اللألئ النادرة..كنا نتناوب على أستوديوهاتهما في الخرطوم.. أراقبه وهو يتعامل مع الهواء المباشر بذات السكينة التي عرفته بها في الصحافة المكتوبة..بلا ادعاء.. بلا انفعال مجاني أشتر.. وبلا رغبة في استعراض المعرفة.. كان يتحدث كما يكتب..بوعي عميق ولغة نظيفة وموقف مهني لا ينحاز إلا للحقيقة..

ظل يوسف بتواضعه الصارخ يذكرني دائماً بذلك الترشيح وكأنني صنعت له معروفاً.. بينما الحقيقة أنه كان أكبر من كل المجاملات المهنية..كان يملك ما يكفيه من التاريخ والخبرة والإحترام ليصل وحده لأي منصة.. لكنه التواضع الذي لا يتقنه إلا الكبار.. أولئك الذين لا يرون في أنفسهم شيئاً إستثنائياً رغم استثنائيتهم الواضحة..

ثم جمعنا العمل مرة أخرى في قناة أم درمان الفضائية..التي حرصت علي الإستعانة به علي شاشتها.. وهناك ازددت يقيناً بأن يوسف سراج لم يكن مجرد محلل سياسي أو كاتب صحفي.. كان نموذجاً نادراً للصحفي المهني الذي يعرف كيف يفصل بين قناعاته الشخصية وواجبه تجاه الناس..كان محايداً كما ينبغي للصحافة أن تكون.. وعاقلاً بمحبة ومحباً بعقل في حضرةالوطن الكبير.. ومتزناً في وقت كانت فيه المبالغات والإنفعالات هي الطريق الأسرع للشهرة و(التريند)..

برحيله..لا تفقد الصحافة السودانية فارساً من فرسانها النبلاء فقط..بل تخسر جيلاً كاملاً من القيم التي كانت تجعل للمهنة هيبتها ومعناها.. تخسر الصحفي الذي لا يطعن زملاءه..ولا يتاجر بمواقفه.. ولا يزاحم حضوره الفراغ بالصوت العالي.. تخسر الرجل الذي عاش محترماً ورحل محترماً..تاركاً خلفه سيرة أنظف من أن تلوثها الخصومات الصغيرة أو ضوضاء العابرين..

سلامٌ على يوسف سراج في رحلته الأخيرة..

وسلامٌ على ذلك الجيل الذي كان يشبه الوطن وسماؤه الصافية وأرضه الطيبة وسمته الحنين..

سلام علي الغريب الذي أختطفته يد المنون وزوجه بعيداً عن أهله وأرضه التي منحها ضي عينيه وسنا روحه..ومضي..

اللهم إنا نستودعك أخينا يوسف سراج..نحسبه شهيداً ونشهد له بالإستقامة والأدب والحياء..صفات المؤمن الحق ولا نزكيه عليك..وقد كان فينا عزيزاً فارحمه بما أنت أهله من الرحمة.. وتقبله قبولاً حسناً وعوضه تعبه ورهقه وشجنه الجنة وألزمنا صبراً يليق بلطفك..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى