بروفيسور مأمون حميدة يكتب: عواطف أحمد عثمان في يوم عيد ميلاد التمريض

عواطف أحمد عثمان اسم لا يمكن تجاوزه عندما نتحدث عن نهضة الطب في السودان وإن غلب على كتابات الروائين الحديث عن الأطباء الذين أسسوا للطب. فالطب لا يكتمل إلا بشقه الطبي (الدكاترة) والتمريض مع فنون أخرى، وقد تحول الطب من تخصص للأطباء إلى مهنة لا تكتمل إلا بفروعها والتمريض في قلبها.

عواطف هي بروفيسور عواطف إبنة أحمد عثمان من الكوة بالنيل الأبيض ووالدها فني أشعة ثم بعد المعاش إلتحق بكلية الطب في قسم البصريات والسمعيات ويلقب بعم أحمد وقد ورثت عواطف حُسن الخلق والهمة من والدها – والدتها من أصول مصرية.

أسست هذه المرأة الصارمة، الهينة، الحنونة، الملتزمة التمريض الحديث في السودان.. تحية لها بمناسبة يوم عيد ميلاد التمريض الحديث إذ يوافق 12 مايو يوم ميلاد المرأة الإنجليزية فلورنس نايتينقيل Florence Nightingale والتي عرفت المرأة بالفانوس تحمله في مرورها على جرحى الحرب متطوعة بإجتهادات شخصية في العناية بالمرضى.

كل الذين عاصروا النهضة الطبية بإدخال معينات التشخيص والعلاج الحديثة من مناظير/ وموجات صوتية وأشعة مقطعية ورنين وقساطر للقلب يعلم تماماً دور الممرض والذي تمدد دوره وأهميته بعد هذه النهضة– فمهمة الطبيب التشخيصية سهلت ووقته مع المريض قلّ ليترك كثير من المهام للممرض – بل نرى اليوم أن الممرضين المتخصصون يُسمح لهم بعلاج المرضى في الطوارئ والحوادث بل وإجراء عمليات محددة – ممرض جراحة الماء الأبيض بالعينين (Cataract Nurse) وإجراء المناظير وغيرها من المهام.

هذا ما بشرت به عواطف أحمد عثمان ، تركت كلية الآداب بجامعة الخرطوم بعد أن منحتها هيئة الصحة العالمية منحة لدراسة التمريض في الإسكندرية عام 1955 لتعود ببكالوريوس تمريض هو الأول في السودان وسرعان ما تفتحت عبقرية التمريض فيها فأسست كلية التمريض ثم لتسافر إلى كاليفورنيا لنيل درجة الماجستير (1972) ثم عودة للإسكندرية لنيل درجة الدكتوراه (1982) وهكذا رسمت تاريخ التمريض الحديث وهي أول عميدة سودانية بكلية التمريض وكانت تابعة لوزارة التعليم (كبقية المعاهد كالأشعة والبصريات).

اختلفت عواطف الممرضة عن البقية بإيمانها بالمهنة وغيرتها عليها وعلى من يزاولها – وقد كان الممرض مهيض الجناح ولا تجذب المهنة إلا من ضاق به باب العمل، رغم أن التمريض كان حاضراً في السودان الإنجليزي ونذكر بالفخر امرأة حديدية حواء علي البصير والتي كانت معلمة في مدرسة لها تتطوع في تعليم النساء ليختارها الإنجليز لدراسة التمريض في السودان وبريطانيا فكانت أول عميدة سودانية لمدرسة التمريض والقابلات بأمدرمان. نساء كُنَّ يؤمِنَّ بمهنة التمريض ودورها في شفاء المرضى.

معرفتي بعواطف أحمد عثمان تعود إلى إجتماعات وزارة الصحة والتي كانت هي نشطة تناضل فيها من أجل مهنة التمريض وفي إحدى الإجتماعات وكنت حضوراً جاءها من يخبرها أن زوجها قد أصيب بما يشبه الجلطة – هرعتُ وبلا تدبر خرجت معها لمعاينته والإهتمام به وتوطدت العلاقة بعد ذلك.

كلية التمريض كانت تمنح الدبلوم لأنها لا تتبع لجامعة حتى ترفيعها في 1995 وضمها لجامعة الخرطوم.

إهتمام عواطف بالتمريض خرج من أن يكون إلتصاق بمهنة بل كان إيمان بقضية .. وسعت إلى تطوير الممرضين.

بعد أن أُحيلت للمعاش عرضتُ عليها أن تلبي أشواقها بتطوير المهنة عبر إنشاء كلية للتمريض تمنح بكالوريوس يكون لها مطلق الحرية في كيفية إنشائها وإدارتها. كان من الضروري أن تستقطب طلاب متميزين من الشهادة السودانية ولما كان دفع الرسوم عائق لبعض المتميزين أقرت إدارة الجامعة مجانية الدراسة لمدة 7 أعوام مما إستقطب عدد متميز من الطلاب.

ثلاثة سودانيون من علماء السودان خرجوا بمهاراتهم وعلمهم إلى خارج السودان ومثلوا السودان عزة وفخراً:

الأول: الدكتور عبد الحليم محمد، أخصائي الباطنية وعضو مجلس السيادة وقد عرفه العالم وأفريقيا على وجه الخصوص بتكوين إتحاد الكرة (CAF) الأفريقي عام 1957 والذي أقام أول مباراة في السودان وإنضم للإتحاد ثلاثة من الدول الأفريقية حينها (السودان/ مصر/ أثيوبيا/ وجنوب أفريقيا).

الثاني: التجاني الماحي (المولود عام 1911) طبيب وبرع في تخصص الأمراض النفسية وكان أول مستشار لهيئة الصحة العالمية ومرجع أفريقيا الأول.

الثالث: عواطف أحمد عثمان خرجت بإيمانها بالمهنة ومقدرتها وعلمها لتكون مستشارة لهيئة الصحة العالمية في التمريض.

لماذا أهملت الأجيال المتعاقبة هذا الإرث العظيم؟

قادت بروفيسور عواطف بهمتها كلية التمريض بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا ولفتت النظر إلى تميز الكلية وإنفتحت بخبرتها على العالم فكان الممتحنون يفدون من الإسكندرية وجنوب أفريقيا والأردن وأندونيسيا واليوم يقف خريجو كلية عواطف رموزاً للتمريض في البلاد العربية.

كانت تأسى أن كلية التمريض الأم تخرج بمستوى الدبلوم فبذلت جهداً كبيراً لإجازة كورسات التجسير في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا وترفيع دبلوم التمريض إلى بكالوريوس ليمكّن الطالبات (كانوا نساء) إلى نيل درجة الماجستير ثم الدكتوراة وكانت مؤمنة أن الممرض المؤهل بالدراسات العليا ضرورة لتطوير مهنة التمريض خاصة بعد توسع التعليم في عهد الإنقاذ.

كانت من مبادرات عواطف أنها فتحت الأبواب للراغبين من النساء والذكور (حيث اقتصرت لقب سستر Sister على النساء حتى ذلك الحين) رأيتها تحتضن عدد من خريجي الدبلوم وعينتهم مساعدي تدريس وأنشأت درجة التجسير وكانت فرحة أنهنَّ أصبحنَّ مؤهلات لدرجة الماجستير فأنشأت ولأول مرة درجة الماجستير وبعدها أنشأت درجة الدكتوراه واستقطبت لها خيرة الأساتذة من اندونيسيا وفي سنين رأين من كان يحمل دبلوم التمريض قد أصبح دكتور في التمريض – وكانت تقول “بناتي ماشات كويس” وكنت أعتقد أن هذه المجموعة من الممرضات كان يجب عليهنَّ أن يحتفلنَّ بميلاد د. عواطف أحمد عثمان مع الإحتفال بميلاد فلورنس نايتينقيل.

في إجازة لمدة عام سافرت عواطف إلى برستول ببريطانيا لتسند ابنتها شهد أخصائي أمراض النساء وتتولى رعاية أحفادها لتتفرغ شهد في التخصص الدقيق– هذه عواطف الأم التي أجزلت من عواطفها لمرضاها وطلابها.

توفيت عواطف في الثامن من سبتمبر 2014 رحمها الله فهي من اهرامات السودان نذكرها عندما نتحدث عن نهضة الطب والتمريض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى