منى ابوزيد تكتب : خطَّان رماديَّان..!

هناك فرق.. 

“الفلسفة أعمق من الأدب لأنها تدرك أن الأدب أعمق منها”.. نيتشة..!

تقول صاحبة الحكاية: قالت صديقتي وهي تنفض عن ثوبها الأنيق ذرات السكر المسحون:

ــ زلابية رهيبة .. لماذا تظنين بأن عرض هذا الرجل غير مناسب..!

قلت وأنا أرفع كوب قهوتي بهدوء امرأة تعرف أن بعض الإجابات تحتاج إلى كافيين إضافي:

ــ بالهناء والعافية .. لأنه كان يتحدث عبر رسائل الواتس آب وهو يستخدم خاصية إخفاء الاطلاع على الرسائل ..!

توقفت عن المضغ قليلاً وحدقت في وجهي كما لو أنني لست على ما يرام:

ــ ولكن ما شأن الخطين الرماديين بجدارة شخص ما بثقتنا من عدمها..!

 

ابتسمت، لأنها ليست من نوع النساء اللاتي يفهمن الرجال من خلال التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو سخيفة للآخرين:

ــ الرجال الذين يتعمدون إخفاء اللون الأزرق الذي يؤكد اطلاعهم على الرسائل هم في الغالب إما غامضون على نحو مزعج أو جبناء..!

 

ضحكت بصوت مرتفع:

ــ هل أنت جادة أم أن هذه مزحة ثقيلة..!

ــ جادة بالطبع.. لو بحثتِ خلف هذا النوع من الرجال قد لا تجدين شيئاً مريباً، وهذا نادر الحدوث.. لكن في الغالب الأعم سوف يقودك السلوك الذي ينطوي عليه الخطان الرماديان إلى حقيقة مفادها أن صاحبهما هو في الغالب الأعم أناني، بخيل، جبان، وأحياناً نرجسي..!

 

ــ لا حول ولا قوة إلا بالله..!

ــ ونعم بالله.. الرجل الشجاع لن يخفي اطلاعه على رسالة واتس آب لأنه لا يخشى المواجهة. وبالتالي فهو لن يختفي عند أول مشكلة، ولن يمارس الألاعيب إياها للاحتفاظ بشغف امرأة، ولن يتخلى عن وعوده بحجة الظروف. ولو قرر الزواج من أخرى فسوف يخبر زوجته وهو ينظر في عينيها بثبات، ولو تزوج بأخرى فسوف يكون كريماً وعادلاً، لأنه شجاع. والرجل الشجاع كريم في الغالب، بينما الجبان يكون بخيلاً..!

 

هزت رأسها ساخرة:

ــ كل هذا التحليل بنيته على خطين رماديين..!

أجبتها وأنا ألتقط آخر قطعة زلابية:

ــ نعم.. لماذا أضيع وقتي في اكتشاف ما أعرفه سلفاً..!

صمتت قليلاً، ذلك الصمت الذي يحدث حين تضحك على فكرة، قبل أن تدرك أنها حقيقية أكثر مما ينبغي. ثم هتفت وكأنها تستوثق من جدية طرحي:

– خطان رماديان يا مفترية..!

– في الحقيقة، ليست المشكلة في الخطين الرماديين، فخاصية إخفاء الاطلاع على الرسائل ليست جريمة إلكترونية تهدد الأمن القومي. لكن بعض التفاصيل الصغيرة تفضح فلسفة أصحابها في الحياة..!

– وكيف ذلك..!

هناك رجال يعيشون عاطفياً بالطريقة نفسها التي يضبطون بها إعدادات الواتس آب. يريدون أن يروا كل شيء دون أن يروا. أن يعرفوا أين تقفين، بينما يظلون هم غامضين كالبيان العسكري الأول بعد أي انقلاب..!

………….!

هنالك فئة كاملة من الرجال تتقن الاختفاء أكثر مما تتقن الحضور، وترى أن التجاهل قوة، وأن الغموض جاذبية، وأن الانسحاب المفاجئ نوع من الهيبة النفسية. لهذا يبدو الخط الأزرق عندي أكثر من مجرد لون. إنه موقف أخلاقي صغير. إعلان غير مباشر عن الاستعداد لتحمل المسؤولية..!

………..!

أما الخطان الرماديان فيشبهان كثيراً أولئك الرجال الذين يدخلون حياة النساء بأوداج منتفخة وكلمات كبيرة ووعود بحجم قارة، ثم يختفون عند أول اختبار حقيقي. فتجد أحدهم شجاعاً جداً وهو يقنع امرأة بأن تكون زوجة ثانية، يحدثها عن الحب الاستثنائي والعدل والشهامة والرجولة الخارقة. ثم ما إن يتحقق الزواج حتى يتحول إلى كائن رمادي بالكامل، يرتجف أمام غضب الزوجة الأولى، ويختبئ خلف اعتراض الأبناء، ويتذرع بالظروف..!

………….!

بعض الرجال لا يريدون امرأة،بل يريدون شعوراً مؤقتاً بالقوة، ولهذا حين تتحول العلاقة إلى مسؤولية يهربون كما يهرب الأطفال من واجب الرياضيات.

والمؤلم أن كثيراً من النساء لا يغادرن عند أول إشارة واضحة، بل يدخلن في مفاوضات طويلة مع بعض الأوهام..!

 

………..!

بينما الحقيقة أبسط وإن كانت أكثر قسوة. الرجل الذي يريدك بوضوح، لن يحولك إلى محققة جنائية تراقب توقيت ظهوره واختفائه وآخر اتصال له. في العلاقات الصحية لا تحتاج المرأة إلى فك شيفرات الرسائل، ولا تحليل تواريخ آخر ظهور، ولا دراسة الفروق الفلسفية بين الرمادي والأزرق..!

………….!

الرجل الناضج لا يختفي أبداً، وحتى حين يرحل يترك خلفه حقيقة واضحة، وليس امرأة معلقة على مشجب سؤال..!

………….!

قال عرض زواج قال!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى