منصب الوكيل.. القضية التي هزت وزارة المالية

جبريل يتمسك بموقفه.. وعبد الله مازال بعيدا عن مقعده.. !
رئيس الوزراء يصدر قرار التمديد دون (مشاورة) الوزير ولكن.. !
تقرير: (العودة)
كشفت متابعات (العودة) حسب مصادر متطابقة من داخل وزارة المالية، أن وضع السيد عبد الله ابراهيم، الممدد لولايته لمدة عام بقرار من رئيس مجلس الوزراء، مازال معلقا فيما يرى الكثيرون أن القرار معيب ومخالف لقوانين ولوائح وتقاليد الخدمة المدنية، فيما قطعت المصادر بان الدكتور جبريل ابراهيم ابراهيم، وزير المالية، رافض تماما لفكرة التمديد ويرى المراقبون أن القضية أخذت منحى التحدي الشخصي لدرجة التلويح (يا انا.. يا الوكيل داخل الوزارة).. هكذا تبدو الأمور وان لم يلوح الوزير صراحة بهذه المزاعم ولكن بقاء الوكيل حتى كتابة هذا التقرير خارج مكتبه يؤكد بأن الأزمة مع رئيس مجلس الوزراء لم تبارح مكانها.. اما شانئي الوكيل فقد أكدوا بأن فترة التمديد التي بلغت عقدا ونصف من عمر الزمان كافية تمام للرجل لكي يترجل ويترك المنصب للدماء الجديدة، علما بأن الوكيل الحالي المكلف من قبل الوزير (مكي عبد الرحيم) هو الآخر اقترب من سن المعاش الاجباري مما يؤكد بأن مستقبل الوزارة في خطر كبير.. الجدير بالذكر أن الأزمة بين الوزير ورئيس الوزراء تفاقمت جدا عندما تم تجاهل الدكتور جبريل وعدم مشاورته في قرار التمديد للوكيل وهذا يشيء بأن الوزير لن يتعامل مع الوكيل الممدد له مطلقا لما يتدخل رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لوضع الامور في نصابها لما يملكه من سلطة وكاريزما وحسم.

قرار صب الزيت على النار
في العاشر من شهر مايو الجاري، أصدر الدكتور كامل ادريس رئيس مجلس الوزراء قرارا بتمديد فترة خدمة الوكيل عبد الله ابراهيم علي لمدة عام وعلى الجهات المعنية ويقصد المالية والموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وضع القرار موضع التنفيذ، علما بأن السيد الوكيل أمضى في الخدمة ما بعد المعاش ١٥ عاما منذ كانت سن المعاش عند الستين عاما حيث خبر العمل مع العديد من الوزراء منذ عهد حكومة الإنقاذ فكان الوزراء هم المتغير فيما ظل السيد الوكيل هو الثابت الوحيد بخبراته التراكمية ونفوذه الذي تمدد في فترة ما بعد الانتقال حيث ظل الوكيل ممسكا بأهم الخيوط داخل الوزارة ومتواصلا مع عدد من النافذين الذين قدروا له تفانيه في العمل وخدمته الطويلة الممتازة او كما تبدو الأمور من واقع التمديد المستمر لرجل اقترب كثيرا من سن الثمانين.
تفاصيل ما حدث بالتفصيل
تتحدث التقارير التي تتحرك سرا داخل اضابير الوزارة بان منصب وكيل وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي من أكثر المناصب التنفيذية حساسية في الدولة، نظرًا لارتباطه المباشر بإدارة المال العام. وتُعد وزارة المالية من أكبر وزارات الخدمة المدنية في السودان، كما أن مبناها يُعتبر من أقدم المباني الحكومية، إذ أُنشئ في العام 1902، وجمع آنذاك بين مهام السكرتير المالي والإداري في العهد الإنجليزي–المصري.

أبناء الوزارة
يواصل كاتب التقرير السري اللصيق من المؤسسة والعارف بكل مخابئها ودهاليزها: في التاريخ القريب، خاصة خلال حقبة الإنقاذ، ظل منصب الوكيل في الغالب حكرًا على التكنوقراط من أبناء الوزارة، نظرًا لحساسيته وما يتطلبه من إلمام دقيق بتفاصيل العمل ومعرفة بكوادره. وبحسب المراقبين، ظل هذا المنصب بعيدًا إلى حد كبير عن المحاصصات الحزبية، حيث تدرج فيه عدد من أبناء الوزارة حتى بلغوا قمته، وهم ليس على سبيل الحصر السادة : عبدالعاطي المكي، موسى محمد إبراهيم، حسن أحمد طه، المرحوم احمد عمر عبدالرحمن ، محمد الحسن مكاوي، الراحل الشيخ محمد المك، مصطفى يوسف حولي ، والمرحوم عمر فرج الله عبدالله.
ولم يُعيَّن وكيل من خارج الوزارة إلا في العام 2008، حين تم اختيار الدكتور مصطفى أبو قناية، مدير المراجعة الداخلية، على خلفية صراع بين وزير الدولة للموازنة آنذاك والوكيل المقال الشيخ محمد المك. غير أن أبو قناية لم يستمر طويلًا، إذ أُعيد المنصب إلى أبناء الوزارة بتعيين مصطفى حولي، قبل استحداث منصب الوكيل الأول في العام 2017، يعاونه وكيلان: الراحلة منى أبو حراز، وعبدالله إبراهيم وكيلًا للتخطيط.
وفي العامين الأخيرين لحكومة الإنقاذ، وبعد تولي معتز موسى حقيبة المالية إلى جانب رئاسة الوزراء، ونسبة لبلوغ الوكلاء المذكورين أعلاه لسن المعاش وهم ( السادة / مصطفى حولى ، عبدالله إبراهيم ، السيدة المرحومة منى ابوحراز ) تم التعيين حسب كشف الاقدمية والأسبقية بالوزارة للسيد المرحوم عمر فرج الله وكيلًا للوزارة ، حيث تم إنهاء التعاقدات للمستشارين والعمل بالمشاهرة للوظائف العليا وفقا لسياسة معلنة آنذاك. غير أنه تم إعفائه ولم يكمل العام في المنصب، ليُعيَّن لاحقًا لأول مرة وكيل من خارج الوزارة، هو الدكتور عبدالمنعم محمد الطيب، وذهب الوكيل المعفي والممدد له حاليا وزيرا للمالية بولاية جنوب كردفان مع الوالى آنذاك الفريق أحمد إبراهيم مفضل، الفريق أول حاليا والمدير العام لجهاز المخابرات العامة.
عقب سقوط نظام الإنقاذ، استمر عبدالمنعم محمد الطيب لفترة قصيرة، قبل أن تُعيَّن آمنة أبكر كأول وكيل في حكومة قحت. وقد وضعت تلك الحكومة معايير لتولي المنصب، أبرزها: عدم الانتماء للمؤتمر الوطني، وألا يكون المرشح قد شغل منصبًا دستوريًا خلال فترة الإنقاذ، مع فتح الباب أمام التكنوقراط من خارج الوزارة. غير أن هذه المعايير، بحسب المراقبين، لم تُطبق بدقة، إذ شغلت آمنة أبكر منصبًا دستوريًا سابقًا كأمين عام لمفوضية الإيرادات.
لاحقًا، تم تعيين عبدالله إبراهيم وكيلًا للوزارة، رغم توليه سابقًا منصب وزير مالية جنوب كردفان خلال حقبة الإنقاذ. وتشير تقديرات إلى أن عدة عوامل ساعدته في البقاء، منها انتماء غير معلن لتيار يساري، وشخصية مهادنة، إضافة إلى علاقات مهنية وشخصية، منها صلة قرابته برئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، وزمالته لوزير المالية الحالي الدكتور جبريل إبراهيم.
غير أن فترة عمله، خاصة خلال سنوات الحرب، شهدت – بحسب تسريبات ومراقبين – جدلًا واسعًا، حيث وُجهت له انتقادات بتعميق الانقسام داخل الوزارة، من خلال تفضيل بعض الكوادر على حساب أخرى، وتجاوز التدرج الوظيفي، واستيعاب عناصر من خارج المؤسسة، بل ومن بلغوا سن المعاش، إلى جانب منح امتيازات كبيرة لفئات محددة، مثل دعم السكن ووسائل النقل، في وقت حُرم فيه آخرون أقدم منهم.
كما أُثيرت مسألة تجاوزه سن المعاش لعشر سنوات، وهو أمر غير مسبوق في منصب بهذه الحساسية، ما اعتُبر مخالفة لمبادئ الخدمة المدنية، خاصة وأن الوكيل مسؤول عن تطبيق القوانين المنظمة لحقوق العاملين.
الحسم لصالح المؤسسية
في ظل هذه التعقيدات، كان البعض يعتقد ان الحكومة الحالية بقيادة الدكتور كامل إدريس سوف تتجه لحسم الصراع لصالح المؤسسية، من خلال التأكيد على معايير واضحة، أهمها أن يكون وكيل الوزارة من التكنوقراط العاملين داخل الوزارة، وعلى رأس الخدمة.. ولكن جاء التمديد ليهزم كل الجدلية المرسلة عن احكام المعايير مع ان التسريبات كانت تشير إلى تنافس كل من محمد علي جمعة ومكي عبدالرحيم محمد عليان على المنصب، مع ترجيح كفة الأخير، نظرًا لتخصصه في الاقتصاد (بكالوريوس شرف من جامعة الخرطوم)، وتدرجه في مؤسسات اقتصادية ووزارة المالية، إضافة إلى ما يوصف بقدراته القيادية وتحمله لضغوط العمل. في المقابل، يُؤخذ على محمد علي جمعة محدودية التدرج الإداري، إلى جانب ظروف صحية أثرت على أدائه.
كفة التغيير راجحة
غم التمديد المفاجئ لمدة عام، تؤكد المعطيات أن كفة التغيير قد رجحت، مع تراجع نفوذ الداعمين لاستمرار الوكيل المقال عبدالله إبراهيم، في ظل تمسك وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم بإعادة ضبط الأداء المؤسسي، خاصة بعد اتخاذه قرارً إعفاء الوكيل عبدالله وتكليفه مكى عبدالرحيم بالوكالة حسب قراره بالرقم ١٨ لسنة ٢٠٢٦م وسبق ذلك تقييمه صلاحيات الوكيل في قراره رقم 6 لسنة 2026م ، ومنعه من مباشرة أي مهام دون موافقة مكتوبة منه.
دعم سيادي للوزير
كما تشير التقديرات إلى أن القيادة العليا، ممثلة في مجلس السيادة ورئيسه الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قد حسمت موقفها دعمًا لتوجهات الوزير، في إطار إعادة الانضباط للمؤسسات خلال فترة الحرب.
وفي ضوء ذلك، يترقب العاملون بالوزارة صدور القرار النهائي، لحسم الصراع في أحد أهم المناصب التنفيذية في الدولة، داخل وزارة تُعد بحق “أم الوزارات” وركيزة العمل الحكومي.



