“قضايا النشر”.. صراع السلطة والصحافة

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ومن نافلة القول أن نكتب لنعيد تعريفات ما يندرج تحت حرية النشر والتعبير والرأي، وما هو المقصود بالحصانة الصحفية، وما هي الحدود المهنية التي لا حصانة فيها لأحد تجاوز ذلك لإلحاق الضرر والأذى بآخرين، وبالتالي فإن حالة “التضامن” التلقائية والطبيعية التي تتصاعد بمجرد التضييق على الكتابة والعمل الصحفي يجب أن تُفهم في إطارها ومقاصدها التي تؤسس على القيم التي حماها العالم وأسست لها القوانين، وألا تُفهم بأنها مسعى من الصحفيين لإطلاق القيد تحت غطاء ذلك للنيل من الحقوق المحفوظة للآخرين.
من الثوابت الأخلاقية في مهنة الصحافة هو الاصطفاف إلى جانب الحريات الصحفية وحق الصحفي في أن يعبر عن رأيه وتوجهاته، وأن يحصل على المعلومات، وأن يستخدمها في الكشف عن الفساد وتنوير الرأي العام، وأن هذا الحق ينعقد للصحفي بغض النظر عن الموقف من توجهاته وآرائه، وأن أي حجر أو تضييق في هذه الحقوق يعني الاعتداء على حقوق أصيلة للصحفيين، وتقييدًا للسلطة الممنوحة للصحفي، وتقليلًا للمهام والأدوار المناط بالصحافة أن تلعبها في المجتمع.
(*) هل هي معركة قانونية؟
ومجرد القراءة في تلك القضايا الأخيرة ومحاولة وضعها في السياق القانوني قد يقول قائل بأنها لا تخرج من إطار أنها، وحسب وصف القانون، تنقسم إلى معتدٍ ومعتدى عليه، ووقائع وحيثيات يستند عليها الشاكي عبر مواد قانونية في شكواه، وبناءً على صحتها يصدر القاضي أحكامه في القضية المنظورة، وباعتقادي فإن تناول القضايا بهذا الشكل فيه تبسيط مخل تمامًا، ولا يخدم قراءة حقيقية لجدل ظل موجودًا في المشهد السوداني على الدوام.
ففي صيغ كثيرة جدًا يسهل إثباتها أمام القارئ والمتابع يصبح الأمر منتقلًا من مربع وإطار الصراع القانوني إلى صراع “سلطة” وأدوات تستخدم لشرعنة إسكات الصوت الصحفي، وبرأيي يرجع ذلك في المقام الأول لعيوب بنيوية في البناء القانوني وتعريفات الحقوق والواجبات، إضافة لتوزيع ذهن المشرع السوداني على الدوام بين ضالتي ما هو قانوني وما هو سياسي، وعلى الدوام هنالك التباس في الذهن القانوني يظهر عند صياغة واستخدام النص القانوني، والذي يعجز عن تعريف المقصود منه: هل هو حماية وصون المجتمع بكل مكوناته من الأخبار الكاذبة والمضللة والشائعات، أم لحماية السلطة القائمة من الانتقاد؟
هنا المهمتان مختلفتان تمامًا، ولا يجمع بينهما أي رابط، ففي الغالب تريد الحكومات أن ترسم حدودًا لا ترغب أن يتخطاها الصحفي، وأن مواد القانون تُكتب بالأساس لتمنح الموظف الحكومي “الحصانة” اللازمة لحمايته من الاتهام والمساءلة.
القانون، في واحدة من أقوى تعريفاته، أنه “الحد الأدنى” من الأخلاق.. بمعنى.. أنه وعندما يفشل المجتمع في إدارة الحقوق والخلافات حولها بمنطق الحد الأعلى، وهو “الأخلاق”، فهو يحتكم للقانون، والعدالة فيه قائمة على فقه الحجية والإثبات.
سؤال: هل هي معركة قانونية؟ ينقلنا إلى نقطة “الحق في التقاضي”، وهي نقطة جوهرية في الإجابة على السؤال، لأنه وبنفس القدر الذي يُمنح به الصحفي حرية الرأي والتعبير وكتابة المحتوى الصحفي، فإن لأي مواطن أو مسؤول متضرر من هذا المحتوى أن يمتلك من الأدوات ما يصون به حقوقه المشروعة، والمرفوض هنا، وأصبح هو الشائع في الحالة السودانية، هو استخدام القانون كأداة من أدوات “الترهيب” ضد الصحفيين، وجزء من تطوير الأدوات “القمعية” في الدول التي تعاني قصورًا واضحًا في قضايا الحريات الصحفية هو الانتقال من مربعات صارت مدانة وغير مقبولة في العالم، بالمنع والتضييق والمصادرة، إلى أطر قانونية تُجاز بنصوص وقوانين تجعل استخدامها غير متعارض مع منطق الحريات الذي ينادي به العالم، رغبة في العادة في تحويل العمل والمحتوى الصحفي إلى “نشرة” حكومية ومحتوى للعلاقات العامة، أما تنوير المجتمع وتمليكه للحقائق ووضع الأداء الحكومي، أفرادًا ومؤسسات، تحت دائرة الضوء ووعي المجتمع، فهو حالة “غير مريحة” للدولة والحكومات.
الخلل الموجود لدى المشرع السوداني لا تخطئه أي عين في مخالفة المنطق القانوني والقاعدة القانونية التي تقول: “الخاص يقيد العام”، وأن التمدد في استخدامات القانون “الجنائي” في الحالة السودانية، في ظل وجود قانون للصحافة والمطبوعات تتعامل نصوصه بشكل أو بآخر مع مخالفات وقضايا النشر الصحفي.
السؤال أيضًا يقودنا إلى تلازم تطوير الصحفيين والمشتغلين بالمهنة بتطوير أدواتهم “النضالية” التي تتيحها المهنة، في مقابل تطوير الأنظمة والحكومات لأدواتها “القمعية”، ولا يعتبر قانون “المعلوماتية” بتعديلاته المعروفة إلا مشهدًا من المشاهد التي تشرح بأن عقل المشرع السوداني ظل، وعلى الدوام، مشغولًا فقط بتطوير الأدوات القمعية، وأن المهمة الرئيسة له هي أن يسوّر البيت الحكومي بسلك “شائك” من النصوص والقوانين.
ويأتي السؤال هنا حول القصد والنوايا، وهو أيضًا مبدأ قانوني يعتمد عليه عند إصدار الأحكام القانونية، فهل القصد من تلك النصوص والقوانين، والتي يجتهد فيها المشرع اجتهادًا لا تخطئه العين المتابعة، هو “تنظيم” الصحافة أم “تجريمها”؟
“الصحافة ليست جريمة” هو المانشيت المكتوب على الدوام في صحيفة كل المهتمين بقضايا الحقوق الصحفية في العالم، لأن هنالك، وفي الغالب، من يتعامل مع الصحافة والمشتغلين فيها ابتداءً على أساس أنهم “مجرمون”، ومن بعد هذه الإدانة يبدأ البحث عن نص قانوني يشرعن هذه الإدانة.
(*) قوانين “شد الأطراف” الصحفية..
وفي لغة الحرب الحالية، فإن فكرة “شد الأطراف” هي استراتيجية تستخدم بفتح جبهات متعددة ومحاور متعددة للقتال، القصد منه إرهاق واستنزاف قوة الخصم قبل خوض معركة قصم الظهر، وهو بالضرورة التوصيف المطابق لاستخدام أكثر من قانون في مواجهة الصحفي.
يجد المسؤول أكثر من “صنف” موضوع على مائدة المشرع ليختار ما تشتهيه نفسه السلطوية: “القانون الجنائي / قانون المعلوماتية / قانون الصحافة والمطبوعات / الأمن العام / النظام العام”، فالمهم هو أن يشعر الصحفي، وعلى الدوام، بأنه تحت التهديد المستمر، وأي نص من القوانين المشار إليها يمكن أن تذهب به إلى ما وراء الشمس.
فعلى سبيل المثال، يمكننا أن نصف قلة اجتهاد المشرع الذي صاغ قانون المعلوماتية بأنه أوجد القانون الأكثر مرونة في تقييد الحريات، وستظل نصوصه “الفضفاضة” هي السبيل وأداة القمع والترويع التي لم تضف الإضافة المطلوبة لمعالجة ما أفرزه هذا العالم الافتراضي المتفاعل والمحشو بكل أدوات التعدي والجرائم.
تلك عيوب يجب النظر إليها، ذات علاقة بالمشرع الذي كان عقله مشغولًا بأشياء أخرى وهو يصوغ هذه المواد ويراكمها في مخازن القمع السلطوي، وأنه كان يؤخر معالجات الجرائم الإلكترونية ليقدم عليها مهام مراقبة الفضاء العام.
وبالرجوع للزوبعة الرسمية التي قامت بها وزارة الإعلام، وحشدت لها عدة وعتاد السلطة لتدعي في ورشة إصلاح وتعديلات قانون الصحافة، سنجد بأن الخطاب الرسمي المحتشد بلغة الحريات وإصلاح القانون يتناقض وحالة التضييق المستمرة على الصحافة والصحفيين، وأي رصد دقيق منذ تاريخ الخطاب الرسمي وسجل البلاغات والاستدعاءات وحالات رفع الإصبع “السبابة” في وجه الصحافة سيوصلنا إلى نقطة التردي المريع في حالة الحقوق والحريات، تتكامل مع الحالة التي صنعتها الحرب بالأساس في السودان.
(*) هيئات الدفاع عن الصحفيين..
تقول المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل ذلك حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها بأي وسيلة”، ويعزز ذلك النص الوارد في الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان: “القيود على الصحافة يجب أن تكون ضرورية ومحددة، ولا يجوز استخدام القوانين الجنائية لتكميم الصحفيين”.
في هذه المعركة المستمرة يمكننا اكتشاف حالة “الفراغ” التي أحدثتها ممارسات التجريف في البيئة السودانية لمنظمات والتكوينات الحقوقية المدافعة عن الحريات في السودان بسبب أنظمة القمع لعقود، وبسبب الحرب الآن، ولم يعد متاحًا في المناخ المتعسر قانونًا أمام الأجسام الحقوقية والمهنية غير صياغة البيانات والشجب والإدانة والتعبير عن القلق على الحالة الصحفية، لأنها هي نفسها باتت محتاجة لمن يحميها من عسف السلطة القانوني الذي ينزع عنها الحق النقابي والمهني في حماية منسوبيها.
بالتأكيد لا يمكننا أن نتجاوز أن حالة الانقسام الصحفي وعدم وحدة الأهداف فتحت الباب على مصراعيه أمام شهوات السلطة للإجهاز على حالة الحريات الصحفية في السودان، وهذا نتاج طبيعي لإضعاف البنية السياسية في البلد، والمؤثر بشكل واضح على البيئة النقابية.
(*) انتهاك حق المجتمع في المعرفة..
حالات كثيرة في قضايا النشر الصحفي، من المفهوم جدًا من إثارتها الوصول لنقطة مثل “دق القُراف”، وأن يصبح المحتوى الصحفي تحت وطأة التهديد والخوف من النشر، ومتى ما وصل الصحفي لهذه النقطة خسر المجتمع تلقائيًا حقه في المعرفة والتنوير، حيث إن الصحافة وكتابة المحتوى الصحفي بالأساس ليست امتيازًا أكثر من أنها حق عام للمواطنين.
وهنا يبرز السؤال المهم: من يراقب السلطة عندما يخاف الصحفيون؟ خاصة في الحالة السودانية التي تفتقد للرقيب بالبرلمان، وتحت هذا الغطاء تختفي الحقيقة.
(*) رسائل من وراء الحجاب السلطوي..
قضايا النشر، وعلى كثرتها، لا نستطيع القول بأنها نجحت في حفظ الحقوق وتثبيت دولة القانون بقدر ما أنها نجحت في إيصال رسائل في بريد الصحفيين بالاكتفاء بالاستدعاء والحبس والتشهير وإنهاك الصحفيين نفسيًا وماديًا.. وفي أوقات سابقة، وعندما وصلت حالة الصحافة السودانية لأسوأ نقطة في قمة جبل الاعتداء على الحريات فيها بتفعيل وضع “الرقابة القبلية”، كان الهدف الاستراتيجي هو خلق “الرقيب الداخلي” لدى الصحفيين ليتجنبوا مساءلة السلطة ومسؤوليها باختيارهم وطوعهم.



