المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: مشاركة ايران في كأس العالم 26

بين ملاعب الـ«فيفا» ودهاليز السياسة: المونديال يختبر ذوبان الحدود أمام طبول الحرب

​تتأرجح الرياضة تاريخياً بين مفهومين؛ أحدهما يراها ساحة للسلام وذوبان الخلافات الدولية تحت شعار “لا سياسة في الرياضة”، والآخر يراها مرآة تعكس صراعات العالم وأزماته.

مع بقاء أقل من عشرة أيام على انطلاق بطولة كأس العالم 2026، يجد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نفسه أمام واحدة من أعقد الاختبارات التنظيمية والسياسية في تاريخه الحديث، حيث يتحول ملف مشاركة المنتخب الإيراني إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالمعارك الدبلوماسية والشروط السيادية.

 

​أفرزت التطورات الأخيرة على الساحة الرياضية والدبلوماسية شبكة معقدة من المواقف المتداخلة التي يمكن رصدها في النقاط التالية:

* *أزمة تأشيرات متأزمة:* على الرغم من إعلان رئيس الـ«فيفا»، جاني إنفانتينو، الحاسم بأن إيران “ستشارك بالتأكيد” في البطولة نظراً لتمثيل اللاعبين لشعبهم وتأهلهم بجدارة ميدانية، إلا أن الواقع على الأرض يشهد تجميداً فعلياً؛ إذ لم يحصل أفراد الوفد الإيراني حتى الآن على تأشيرات الدخول إلى كل من الولايات المتحدة والمكسيك، مما يهدد قدرة الفريق على التحرك مع اقتراب العد التنازلي للبطولة.

* ​ *الموقف الأمريكي (الترحيب المشروط):* أعلنت واشنطن، على لسان الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، أن الرياضيين الإيرانيين مرحب بهم للمشاركة، لكنها فرضت شرطاً صارماً يقضي بمنع دخول أي شخص ترتبطه صلات بالحرس الثوري الإيراني ضمن الوفد المرافق، مع تلميحات بأن الإقامة الطويلة للبعثة داخل الولايات المتحدة قد لا تكون مناسبة لأسباب تتعلق بـ«السلامة والأمن».

* ​ *إيران تفرض شروطها السيادية:* انتقلت طهران من موقف المطالبة اللوجيستية إلى موقف الاشتراط؛ حيث وضعت شروطاً رسمية للمشاركة تتعلق بتقديم ضمانات أمنية صارمة، وتسهيل استخراج التأشيرات، وضمان معاملة اللاعبين بكرامة، مشددة على أنها ستخوض منافسات المونديال دون التنازل عن معتقداتها وثقافتها الوطنية تحت أي ضغوط سياسية.

* ​ *طلب التدخل الرسمي:* أمام هذا الانسداد، تقدم الاتحاد الإيراني لكرة القدم بطلب رسمي إلى الـ«فيفا» للتدخل العاجل، مطالباً إياه بالخروج عن صمته وتوضيح الإجراءات وضمانات السفر بشفافية كاملة، وتحمل مسؤولياته بصفتة المظلة الدولية الراعية للعبة.

* ​ *خيار “تيخوانا” المكسيكية:* لتجاوز تعقيدات الإقامة داخل أمريكا، استقرت البعثة الإيرانية بالتنسيق مع الـ«فيفا» والسلطات المكسيكية على نقل معسكرها التدريبي من ولاية أريزونا الأمريكية إلى مدينة “تيخوانا” المكسيكية الحدودية، ليكون مقراً رئيسياً تتحرك منه البعثة جواً لخوض مبارياتها في المجموعة السابعة الشرسة (التي تضم مصر، بلجيكا، ونيوزيلندا) في مدينتي لوس أنجلوس وسياتل دون الحاجة للمبيت في أمريكا.

 

​توضح لنا كل هذه المعطيات أننا أمام معركة كسر عظام بين السيادة والبراغماتية و أن الأزمة تجاوزت مفهوم التدقيق الأمني البيروقراطي المعتاد لتتحول إلى معركة سياسية طاحنة ؛ فإصدار التأشيرات من عدمه بات يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار البدني والنفسي للفريق قبل مواجهته الأولى ضد نيوزيلندا في لوس أنجلوس.

​وإذا نظرنا بعمق إلى ما وراء التصريحات، نجد أن هناك “براغماتية” واضحة تحكم مواقف الأطراف؛ فالإدارة الأمريكية تحاول الفصل الذكي بين معاقبة النظام واحترام الرياضيين لتجنب الظهور بمظهر من يفسد العرس الكروي العالمي ويتحمل كلفة دبلوماسية باهظة. وفي المقابل، فإن إصرار إيران على المشاركة “دون التنازل عن ثقافتها ومعتقداتها” يعكس رغبة طهران في تحويل المونديال إلى منصة لإثبات الوجود وتحدي الضغوط العسكرية والسياسية التي تلت أحداث الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

​جاء المخرج اللوجيستي المتمثل في الإقامة بمدينة تيخوانا المكسيكية ليمثل تسوية ذكية وافقت عليها الأطراف ضمنياً؛ فهو يعفي واشنطن الحرج الأمني للمبيت، ويوفر لطهران خطوط طيران مباشرة إلى المكسيك، ويحمي الـ«فيفا» من شبح إلغاء المباريات أو تشويه حيادية الرياضة العالمية، خصوصاً أن حرمان فريق متأهل تنظيمياً لأسباب تتعلق بالتأشيرات سيمثل سابقة خطيرة تعصف بهيبة التنظيم الدولي.

​و تتمثل نافذة الإنقاذ الأخيرة عبر الدبلوماسية المرنة ​في ظل بقاء أيام معدودة على انطلاق البطولة هي الحل ، لم يعد هناك متسع للمناورات السياسية الطويلة، والحل العملي الوحيد لحفظ جوهر التنافس الإنساني *يتطلب تفعيل “بروتوكول طوارئ رياضي مرن” يرتكز على المحاور التالية:*

 

1- ​ *إصدار تأشيرات طوارئ مشروطة برعاية الـ«فيفا»:* أن يقوم الاتحاد الدولي بالتنسيق المباشر مع الخارجية الأمريكية والمكسيكية لاستخراج تأشيرات استثنائية محددة المدة للاعبين والجهاز الفني المدرجين في القائمة الرسمية المعتمدة فوراً، مع إرجاء تدقيق الأسماء الإدارية المثيرة للجدل لتفادي تجميد البعثة بالكامل.

2- ​ *تأمين “المسار الأخضر” في تيخوانا:* تدخل الحكومة المكسيكية العاجل لإنهاء تأشيرات البعثة الإيرانية لدخول أراضيها، وتوفير التسهيلات اللوجيستية والأمنية التي تتيح للفريق الاستقرار في تيخوانا، والعبور إلى الملاعب الأمريكية عبر مسار سريع ومؤمن يوم المباراة ثم العودة مباشرة، مما يحقق الشرط الأمريكي بعدم المبيت، ويفي بالشرط الإيراني في المعاملة الكريمة والأمن الفني.

​وثيقة التزام رباعية الأطراف: صياغة تعهد عاجل برعاية الـ«فيفا» يضمن حظر أي ممارسات تمييزية أو استفزازية ضد اللاعبين الإيرانيين على الملاعب الأمريكية، وبالمقابل التزام البعثة الإيرانية باللوائح الرياضية البحتة والابتعاد عن الشعارات السياسية داخل الاستادات.

​إن صافرة البداية تقترب سريعاً، وإذا لم تنجح دبلوماسية كرة القدم في فرض مسار طوارئ خلال الأيام القليلة القادمة، فإن مونديال 2026 قد يشهد شرخاً تنظيمياً كبيراً، أما إذا عبر المنتخب الإيراني إلى الملاعب الأمريكية من بوابة المكسيك بنجاح، فسيكون ذلك انتصاراً للحلول العملية اللمسية على جمود المواقف السياسية، وإثباتاً جديداً بأن الرياضة تملك دائماً مفاتيح بناء الجسور حيث تعجز السياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى