اجتماع أديس أبابا.. الضل الوقف ما زاد

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ولم يستطع اجتماع العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أن يتجاوز ما كان متوقعاً حدوثه في الحالة السودانية، وهي الحالة التي تكررت بتطابق كبير في كل الاجتماعات التي دُعيت لها القوى المدنية السودانية للبحث عن حلول لواقع متأزم صنعته الحرب.

ظلت القوى المدنية السودانية، وخاصة تلك التي ظلت في حالة “ترحال” مستمر بين عواصم الدول التي تفتح مطاراتها لاستقبال طاولة مفاوضات تبحث الشأن السوداني، تزحم “التايم لاين” بأجندة حوار هي بالأساس ما يراه الكل تشخيصاً للأزمة، ابتداءً من إيقاف الحرب وتدارك الوضع الإنساني وفتح المسارات الإنسانية، ومن ثم الانخراط في عملية سياسية للحل الشامل، وانتهاءً بالاتفاق على تصفية تركة النظام السابق وإبعاده وكل واجهاته عن التسوية السياسية، وتعتبر هذه نظرياً هي أساساً تفاوضياً محترماً لاستعادة الدولة السودانية والحفاظ على وجودها، إلا أنه، وفي الحقيقة، كل الخطوات التي ذكرناها آنفاً لم تتحرك إلى نقطة الحلول العملية، وبقيت أجندة فقط في مفكرة سكرتارية المبادرين.

وما ذكرناه فيه تطابق كبير على حالة الميسرين والمبادرين لحل الأزمة السودانية، والذين نخشى أن يكونوا غير مستوعبين لطبيعة الأزمة السودانية في “التفاوض” بقدر مستوى عدم الإلمام بطبيعة محددات الحرب التي عجز العالم لمدة أربعة سنوات عن التعامل معها وإيقاف تكلفتها الإنسانية والمادية.

(*) انقسام مدني أم ضعف ميسرين؟

وما حدث في نيروبي، وقبلها في القاهرة وبرلين وأديس أبابا الأولى وجنيف، هو الإجابة على السؤال أعلاه بأن كلا الأمرين هو الوارد في أزمة “التفاوض” السودانية، فعلى الرغم من أن بيت الحكمة يقول إن “المصائب يجمعن المصابين”، إلا أن مصيبة الحرب في السودان قد فعلت العكس، وباعدت بين مكونات النادي السياسي السوداني من حيث المواقف والرؤى، وصار التقاؤها حول خارطة طريق للحل هو الأزمة أكثر من أزمة الحرب نفسها.

“الخماسية” .. والتسمية نفسها قد تعطي الفكرة عن مسار للحل في السودان بعد أن صار تعدد المسارات والمبادرات هو أيضاً جزءاً من التعقيد الذي أصاب هذا الملف، فكان أن اجتمعت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” لتحرر شهادة الوفاة للمبادرات التي طرحتها منفردة لمعالجة حرب السودان، إلا أن الشواهد تقول بأن “التنسيق” بين هذه المنظمات كان يحتاج لأكثر من تسميتها بالخماسية كدلالة على توحيد المنبر التفاوضي، لتصبح زحمة الميسرين هي قطعة من قطع الأزمة السودانية التي تحتاج هي نفسها للحل.

وكان من الممكن أن تكون الحروب التي عاشها السودان واتفاقيات السلام التي لم تحقن الدم السوداني كثيراً هي الدرس والمعلم للنادي السياسي السوداني ليأخذ منها العبر، إلا أن ذلك لم يغير شيئاً في طبيعة الخلاف داخله، بدليل أن المزاج الحاكم لمكونات النادي السياسي قبل الحرب في السودان ظل كما هو بعد الحرب، بالمزيد من التنافر والانقسام وعدم الاتفاق على شرط وطني واحد يخرج بالسودان وشعبه من هذه الأزمة.

ما حدث في أديس أبابا، صراحة، لا يمكن تداركه بمجرد “بيان مشترك” لجزء من كل مختلف ومتباين في المواقف، بل هو تلخيص لأزمة النادي السياسي السوداني، وأن الموقف من الحرب أصبح مبرراً كافياً للاختلاف والمزايدة بين أطراف كان من المفترض أن تكون فاعلة في مشهد حل أزمة الحرب.

ما حدث في أديس أبابا تتحمل جزءاً كبيراً منه الآلية “الخماسية”، والتي من الواضح أنه غاب عنها أبجديات التنسيق والتحضير لاجتماع بهذا المستوى من حيث تحديد أجندة النقاش مع الأطراف الأصيلة في الاجتماع، وأظهرت فشلاً ذريعاً في تحديد قائمة المدعوين للمشاركة في الاجتماع، ومن الواضح بأنها اعتمدت على فريق عمل مشغول بأشياء أخرى غير التنسيق لإنجاح مساعي الآلية الخماسية، إذ إنه من “الكبائر” أن تكتشف الخماسية بعد بدء عملية توافد المشاركين بأن هنالك أطرافاً ليس لديها الاستعداد للجلوس مع أطراف بعينها، وهو “واجب” كان يجب على الموظفين المختارين من الآلية الخماسية أداء فروضه قبل الدخول في هذا الحرج الدولي.

الاختلاف في القضايا والمواقف السياسية وخارطة الحلول هي مسؤولية أطراف الاجتماع من النادي السياسي وممثلي المجتمع المدني، أما الخلل وسوء التنسيق الذي حدث في أديس أبابا فهو يقع على عاتق الجهة الميسرة للاجتماع، وهو خطأ متكرر يدل على الإهمال وعدم الجدية في التنسيق لحل الأزمة السودانية.

ولو تناولنا فقط البيان المشترك الصادر من المكونات التي شاركت في اجتماع أديس أبابا، سنجد بأنه “نظرياً” قد خاطب أصول الأزمة السودانية بعبارات “السلام والعدالة والمواطنة والتنمية والعقد الاجتماعي الجديد والعدالة الانتقالية وقبلها إيقاف الحرب”، إلا أنه، وكما العادة، لم يقدم شرحاً واضحاً لكيفية تحقيق ما هو مذكور.

كيف يتم إيقاف الحرب؟ وما هي السبل للوصول إلى اتفاق سلام؟ ومن يفاوض من في الأزمة السودانية؟ وهل من الممكن إيقاف الحرب الحالية في السودان بمعزل عن من يحملون السلاح؟

تلك أسئلة لا نعتقد بأنها كانت تشغل عقل المشاركين، فالمهم في اجتماع أديس أبابا هو ما جاء في البيان المشترك من خطاب يضم جملة من القيم والمبادئ وأمنيات سياسية يتم تقديمها للرأي العام دون أي خطوات عملية لإنجاح عملية التفاوض.

تدعي الآلية الخماسية على الدوام عبر مسؤوليها والميسرين بأنها تتوقف في خانة تيسير عملية التئام الفرقاء السودانيين، إلا أن التجربة العملية تقول بغير ذلك، وأنها، بوعي من ممثليها أو بدونه، ظلت جزءاً وطرفاً في الأزمة بتحديد من الطرف المشارك والأطراف التي يتم استبعادها.

كثيراً ما تتحدث القوى المدنية بلغة الخطاب الذي يعجب المجتمع الدولي بالحديث عن وحدة السودان ووحدة أراضيه، في حين أن الواقع يقول بأنها فشلت في توحيد نفسها في ظل أزمة كانت تستوجب أخلاقياً الترفع عن قضايا هي بالأساس أقل من التكلفة العالية التي يدفعها السودانيون في هذه الحرب.

وليس هنالك أدل على التقدير غير الحقيقي للأزمة التي صنعتها الحرب وسوء الترتيب من الميسرين في الآلية أكثر من غياب أصحاب مصلحة حقيقيين إلى جانب عضوية النادي السياسي والمجتمع المدني، وهم ضحايا الحرب ودافعو فاتورتها من النازحين واللاجئين، وهو شيء في أصله يباعد بين المكونات السياسية والواقع السوداني.

ونستطيع، ووفقاً لما حدث مؤخراً في أديس أبابا، أن نحاكم الآلية الخماسية وفقاً لما هو موضوع في أجندتها ونسأل: هل استطاعت الآلية إيقاف الحرب المشتعلة منذ أربعة سنوات؟

والإجابة بالضرورة هي: لا.

فشلت فشلاً ذريعاً في القيام بما يليها من مهام تتعلق بتحييد الأطراف الخارجية التي تدعم استمرار الحرب، وكذلك فشلت في تنفيذ القرارات الصادرة من مكوناتها بإيقاف التمويل والتسليح وخلق إرادة دولية وإقليمية موحدة باتجاه وقف الحرب وتدارك الأوضاع الإنسانية وإدخال المساعدات، وكذلك خلق منصة تفاوض متماسكة تمضي مباشرة نحو الحلول بدلاً من المعارك الانصرافية في من تتم دعوته ومن يمثل من في الاجتماع، ليقتصر دور الآلية الخماسية على جمع المختلفين داخل قاعات الاجتماعات ثم تنتظر منهم الاتفاق، وهذا دور العاجز في تيسير التفاوض السياسي.

وهذا ليس بالجديد، فالواضح أن الآلية الخماسية قد ورثت تركة الآلية الرباعية قبل الحرب عندما جمعتهم داخل قاعات الاتفاق الإطاري ليصلوا إلى نقطة الإغلاق، وانتهاز المتربصين بالانتقال والعملية السياسية الفرصة لخلط الأوراق كلها عن طريق الحرب.

لم يكشف اجتماع أديس أبابا عن أزمة الحرب فحسب، بل كشف أيضاً أزمة الفاعلين السياسيين وأزمة الوسطاء الدوليين. فالبيانان اللذان خرجا من قاعة واحدة كانا كافيين لإظهار حجم التباعد بين القوى المدنية، كما أن عجز الخماسية عن إنتاج حد أدنى من التوافق يثير تساؤلات جدية حول جدوى النهج المتبع.

وبين ضعف الفاعلين وفشل الميسرين يظل السلام السوداني مشروعاً مؤجلاً، لا بسبب نقص المبادرات، بل بسبب غياب الإرادة والقدرة على تحويل الشعارات إلى خطوات عملية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى