سراج الدين مصطفى : المعادلات النصية فى الأغنية السودانية 

نقر الأصابع .. 

فى مراحل متقدمة من عمر التجارب الفنية يلجأ كثير من المبدعين الى ما يمكن تسميته بالتوازي الابداعي حيث تعود الافكار القديمة فى صور جديدة وتحضر الرؤى السابقة بملامح مختلفة وكأن الفنان او الشاعر يعيد قراءة ذاته من جديد لذلك نجد الكثير من الاغنيات التى تتشابه فى الفكرة العامة رغم اختلاف الكلمات والصياغات فالفكرة تظل حية وقابلة لاعادة الانتاج وفق شروط الزمن وتبدلات الذائقة الفنية دون ان تفقد جوهرها الاول

ومن بين اكثر الافكار حضورا فى الاغنية السودانية فكرة الهوية والانتماء فقد سعى عدد من الشعراء الى ترسيخ صورة المرأة السودانية بوصفها النموذج الاجمل والاقرب الى وجدان العاشق السودانى وفى اغنية بنحب من بلدنا قدم الشاعر ابو امنة حامد رؤية واضحة لهذه الفكرة حين ربط الحب بالبيئة المحلية وجعل العاشق يبحث عن محبوبته داخل حدود الوطن لا خارجه وبذلك لم يكن النص غزلا فقط بل كان ايضا دفاعا ناعما عن الهوية السودانية وتأكيدها عبر مفردات الغناء

ولم يبتعد الشاعر الصادق الياس كثيرا عن هذا المسار حين قدم مع الفنان على ابراهيم اللحو اغنية تحتفى بالجمال السودانى وتمنحه الافضلية على غيره من اشكال الجمال فى العالم فالفكرة هنا ليست مقارنة مباشرة بقدر ما هى اعلان اعتزاز بالانتماء وتأكيد لقيمة الذات الوطنية وهى ذات الرسالة التى حملها ابو امنة حامد من قبل ولكن بصياغة اخرى تناسب زمانا مختلفا وتجربة فنية مختلفة

وفى الاتجاه نفسه جاءت نصوص مبارك المغربى فى اغنية ارض الحبيب حيث تتكرر الاشارات التى تمنح المكان السودانى خصوصيته وتفرده فالحديث عن زرق العيون فى مقابل العيون السود وعن بحر الشمال فى مقابل النيل ليس مجرد وصف جمالى بل هو محاولة لصناعة مركز رمزى للهوية السودانية داخل النص الغنائى وبناء شعور جمعى يربط الجمال بالمكان والانتماء بالوجدان ويجعل الوطن مرجعية ثابتة فى التعبير الشعرى

هذه النصوص مجتمعة تبدو وكأنها وضعت قواعد غير معلنة للعشق السودانى ورسخت تصورا محددا للهوية داخل الغناء لذلك يبدو نص الطيب محمد سعيد العباسى فى ذات الفراء مختلفا عن السائد فهو يتجاوز الحدود المحلية ويتعامل مع الحب بوصفه قيمة انسانية لا تعترف بالجغرافيا ولا باللون ولا بالانتماء الضيق ولهذا يمكن قراءة النص باعتباره خروجا على النسق الذى كرسته الاغنية السودانية التقليدية غير ان اعتباره اقرارا بالهزيمة النفسية يظل محل نظر فالنص فى جوهره يدافع عن انسانية الحب ويطرح سؤال الهوية من زاوية اكثر اتساعا تجعل الانتماء الانسانى سابقا على كل الانتماءات الاخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى