المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: حميدتي يستهين بالشهادة السودانية

مأساة “معالجة المصيبة بمصيبة أخرى ” والمقامرة بمستقبل الشباب في دارفور

 

​أجد نفسي، وقرون الاستشعار تنتفض لدي، بمجرد الحديث عن الشهادة السودانية؛ ذلك الإرث الأكاديمي الشامخ والبوتقة الوطنية التي انصهرت فيها عقول أجيال من العباقرة في مختلف المجالات على مر العقود، ويملؤني حزن ممزوج بالقلق البالغ حين أراها اليوم وقد انتاشتها سهام الصراعات السياسية والعسكرية . إن الظروف الاستثنائية العصيبة التي مرت بها بلادنا خلال السنوات الثلاث المنصرمة، قد عرضت مستقبل الأجيال السودانية المنوط بها استقرار البلاد ونهضتها لضرر بالغ تمثل في عدم انتظام التعليم، وتأتي امتحانات الشهادة الثانوية في مقدمة ما أصابه الشلل، ورغم الاجتهادات الرسمية السابقة التي تشكر عليها الدولة للحفاظ على استمراريتها ودوريتها، إلا أن ما دفعني للكتابة اليوم هو ذلك المشهد الصادم الذي بثته الوسائط لـ”حميدتي” وهو يقرع جرس انطلاق امتحانات الشهادة السودانية من مدرسة الوحدة للبنات بمدينة نيالا أمس الأحد ٧ يونيو ٢٠٢٦م ، في خطوة أراد تجييرها لنفسه بغباء من ليس له معرفة بقيمة التعليم و الاعتراف بالشهادات ، خطوة من يستغل قيمة اصيلة لأغراض ذاتية لا تزيد الأزمة إلا عمقاً، وتجعلنا أمام معادلة بائسة تقوم على “صنع المصيبة.. ثم محاولة معالجتها بمصيبة أخرى”، والضحية في البدء والمنتهى هو الطالب السوداني الذي حرق و دمر مدارسه و مكتباته و ممتلكاته في الخرطوم و الجزيرة و الفاشر و الجنينة ،

​إن خطوة إقامة امتحانات أحادية الجانب في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تفتقر بالكلية لأي شرعية قانونية أو أكاديمية معترف بها محلياً أو عالمياً؛ فالأعراف الدولية والأنظمة التعليمية المستقرة في كل بقاع الأرض، تقر بأن الهيئات الحكومية الرسمية والسيادية —متمثلة في وزارة التربية والتعليم الاتحادية— هي الجهة الوحيدة والحصرية المخولة بإدارة، واعتماد، وإصدار الشهادات الأكاديمية القومية. و أن سلطة توثيقها داخليا من مهام وزارة الخارجية و دوليا لا تعتمد مؤسسات التعليم الا أختام و توقيعات سفارات السودان في كل الدول التي للسودان علاقات بها ، و خارجية تلك الدول تعتمد توثيقات هذه السفارات .. إن إقحام هذه العملية الحيوية في صراع الشرعيات، ومحاولة خلق “كنترول” موازٍ بعيداً عن المركزية القومية الصارمة المعترف بها لدى المنظمات الدولية كاليونسكو، لا يمثل فحسب انتهاكاً لمعايير الشفافية والحياد والأمن الأكاديمي، أنما يعد خطوة كارثية تضع الشهادة السودانية ككل على حافة الهاوية، ويهدد بسحب الثقة الدولية والعالمية من هذا التقييم العريق الذي ظل محل احترام الجامعات والمؤسسات التعليمية حول العالم لسنوات طويلة.

​وفي مقابل الضخ الإعلامي الكثيف للمنصات التابعة للمليشيا، والبيانات السياسية المؤيدة التي سارعت قوى سياسية —مثل حزب المؤتمر السوداني— لإصدارها مباركةً الخطوة ووصفها بالإنجاز الوطني ، بيد انها ظلت تنتقص من نجاح الدولة في اجلاس ٥٦٠ الف طالب لامتحان الشهادة و لم تنتقد حرمان الجنجويد و عدم سماحهم للالاف من الطلاب في الولايات التي يسيطرون عليها من المرور للولايات الآمنة و الجلوس لها وهي الامتحانات المعترف بها في جميع أنحاء العالم ، نجد أننا أمام “ملهاة سياسية” تحاول استخدام حق التعليم كغطاء للتطبيع مع واقع التمرد وشرعنة كيان مواز يسعى لتفتيت ما تبقى من وحدة البلاد السيادية، وهو الأمر الذي حذرت منه الآلية الدولية الخماسية بصرامة. إن الترويج لفكرة أن “استمرار الحياة والتعليم يبرر صياغة امتحانات خارج مظلة الدولة” ما هو الا استغلال عاطفي رخيص لعذابات الأسر التي يهمها أن ترى ابناءها في جامعات معترف بها يتلقون تعليما مجازا و محترما ، طاحونة هذه الحرب التي أشعلها الجنجويد في الخرطوم ثم انتقلوا بها إلى الوسط و الغرب شردت الملايين ودمرت البنية التحتية للمدارس، هي ذاتها الحرب التي تسعى اليوم لتقديم “جرعة تخديرية” عبر امتحانات مبتورة لا تحمل من صبغة القومية سوى الاسم.

​إن الضحية الحقيقية الدائمة وسط هذا الركام والجدل السياسي والقانوني الحاد هو المواطن السوداني، وذاك الطالب المسكين الذي أنهكته ظروف النزوح والحرمان، وأصبح يتشبث بأي بريق أمل زائف لمواصلة دراسته الجامعية وتحقيق أحلامه التي كادت أن تتبخر. إن منح هؤلاء الطلاب شهادات صادرة عن سلطات موازية وغير معترف بها، هو بمثابة إعطائهم وثائق لا قيمة لها في سوق العمل الأكاديمي الدولي أو المحلي، مما يعرضهم لمخاطر جسيمة تشمل إهدار سنوات دراستهم، وحتمية إعادة العام الدراسي لاحقاً تحت لواء الامتحانات المعتمدة لضمان مستقبلهم، ليبقى المشهد في محصلته النهائية تجسيداً صارخاً لواقع يعالج المأساة بكارثة أكبر، ويقامر بمستقبل جيل بأكمله على طاولة المكاسب السياسية والعسكرية الضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى