ايمن كبوش يكتب : (العودة إلى سنار)

أفياء..
# لأشياء عديدة كانت في نفسي قضيتها بالاصرار والعناد، رفضت دعوات البقاء، حتى الصباح، في (مدني السني)، لم تغرني رجاءات (الشارع ضُلمة والطريق مليان حفر ومطبات) فحقق رغبتي في دخول سنار فجرا مثلما كنت ادخلها ليلا في تلك الأيام.. أغلب صلوات الفجر كانت بعد الخروج من (الشكابات).. نبدأ بشاع الدين والعبور الشهير، ثم ندخل في حساب الدقائق واحصاء اسماء أمراء المهدية والامام التعايشي، الشكابة النور.. الجاك.. يعقوب.. ثم نسالم (حوش ابكر) من الكوبري وكأننا نُحيي صديقنا (خالد الفحل) القيادي الشاب في أحد الأحزاب الاتحادية.. ثم الشيخ الدسيس.. والربوة إلى أن تلوح لنا من بعيد الحاج عبد الله ثم فارس وود الحداد وقندال، وما ذكرت قندال لدينا الا وذكر استاذنا الكبير الطيب قسم السيد، ديم المشايخة التي نعرفها باهلنا الطيبين قبل أن نعرف (بكري المدينة).
# عندما لامست عجلات المركبة المحطة و(القبانة) القديمة المحاذية لمشروع (ود رملي)، باحت لنا سنار بكل أسرارها حيث تشمخ بوابتها العالية مثل شموخ الشاعر الكبير (محمد عبد الحي) الذي حدثنا كثيرا وطويلا عن (العودة إلى سنار) قبل أن تأخذنا الملاجئ والمخابئ وصروح النزوح إلى رحلات سفر طويل ومرهق.. ثم ننشد معه على مقربة من صفحة الموج الازرق وهو يغازل الشطآن: (الليلة يستقبلني أهلي: أرواح جدودي تخرج من فضَّة أحلام النّهر، ومن ليل الأسماءْ تتقمص أجساد.. الأطفالْ.. تنفخ في رئةِ المدّاحِ.. وتضرب بالساعد عبر ذراع الطبّالْ… الليلة يستقبلني أهلي: أهدوني.. مسبحةً من أسنان الموتى إبريقاً.. جمجمةً، مصلاة من جلد الجاموسْ رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ من جسد الأرضِ.. وعبَر سماء الجُرحْ..)
# نعبر إلى الداخل ونبدا بالسلام على التقاطع ثم القادسية وكبوش ونحن نمسك ببقايا فيوض مما تبقى من محبة راسخة لهذه الديار.. الاشياء والناس.. الأهل والأصدقاء.. يصبح عليك الصبح هناك لتبدو واحدا من تلك الذكريات الحبيبة.. والغياب لأكثر من أربعة سنوات بسبب السفر المتواصل ثم الحرب.. يجعلك في عِداد المغتربين الذين يبدأون صبحيتهم الأولى باستقبال المستبشرين مع اكواب الشاي والقهوة واللقيمات ثم الانخراط في برنامج سلام وكلام وفواجع بعدد الحصى تجعلك ترفع يديك بالفاتحة والترحم على الموتى أمام كل من تلتقيه.. يحدثونك عن ايام الحصار والصعوبات في كل شيء.. الاكل والشرب والعلاج وانعدام نعمة الامن، ثم فرحة الانتصار بسواعد اولاد البلد في كوبري ام دلكة وكوبري العرب وكوبري مايرنو وكوبري دوبة.. وخلاء كجيك وريبا .. يحدثونك عن اتجاهات سنار ومداخلها بحكايات أسطورية عن الثبات.. الشائعات.. القلق.. الخوف.. ثم الشهداء الأصفياء الذين امتلأت بهم مقابر حي كبوش وكيف كان الفريق الركن محمد عباس اللبيب في مقدمة المشيعين، يحفر القبور ما بين دموع تطفر ونظرات تشرئب للاقتصاص، وقد كان، نهضت المدينة واعلنت الانتصار على التتار.. عاد سوقها كما ينبغي.. وعاد الناس إلى سوح الحراك المجتمعي، الزراعة.. الرعي.. والتعليم وفرحة اطفال المدارس.. حصاد المنقة في جنائن الديم وابوجيلي وسنجة.. اتحاد سنار يكمل موسمه الرياضي بدرجاته الثلاث بحضور الوالي اللواء الركن م الزبير حسن السيد والوزير بامشيك بينما حضر الهادي عبد الله رئيس الاتحاد الذي قدم فلذة كبده شهيدا مع الآلاف.. ثم كان هناك متوكل الميرفابي في نادي الخريجين يدرج قطار الثقافة بصوت الفنان بلال موسى، واعتصم الشاعر الجميل صلاح قلاديمة في المركز الثقافي (المحلج سابقا) ليقول للناس والدنيا ان سنار عصية على الانكسار.. عاد الهلال للدرجة الأولى مع ضلعه غير الاعوج ريح بالك، مازلنا في انتظار الموردة.. موردة بله خميري والحاج حديدة.. ثم عدنا مجددا لمحمد عبد الحي ونحن نشهد تلك الملمات احتفاء بالحبيب الغائب في ساعات احتشاد الضوء والحب.. و.. (سأعود اليوم يا سنَّار، حيث الحلم ينمو تحت ماء الليل أشجاراً تعرَّى في خريفي وشتائي ثم تهتزّ بنار الأرض، ترفَضُّ لهيباً أخضر الرّيش لكي تنضج في ليل دمائي ثمراً أحمر في صيفي، مرايا جسدٍ أحلامه تصعد في الصّمتِ نجوماً في سمائي.. سأعودُ اليوم، يا سنّارُ، حيث الرمزُ خيطٌ، من بريقٍ أسود، بين الذرى والسّفح، والغابةِ والصحراء، والثمر النّاضج والجذر القديمْ. لغتي أنتِ وينبوعي الذي يؤوي نجومي، وعرق الذَّهب المبرق في صخرتيَ الزرقاء، والنّار التي فيها تجاسرت على الحبِّ العظيمْ فافتحوا، حرَّاسَ سنّارَ، افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة افتحوا للعائد الليلة أبوابَ المدينة افتحوا الليلة أبواب المدينة).
# خرجت من لدن سنار ممتلئا بها وبالأصدقاء و(شوق لكل جميل في الحي).



