أيمن كبوش يكتب : هروب الرجال وازدحام المحاكم

أفياء..

# حدثني أحد المشتغلين في سوح العدالة.. وردهات المحاكم في شأن الأحوال الشخصية.. عن ظاهرة الهروب شبه الجماعي للرجال من مسؤولياتهم في الحياة.. وزيادة أعداد النساء اللواتي يطلبن الطلاق للضرر وانعتاقا من حملة شموع: (يا روحي هاجري وفتشي.. هاجري عاد كان تلقي شي).

# فقلت له أن الظروف الاقتصادية.. بطبيعة الحال.. هي السبب الأساسي في الهروب وقد فعلت فعلتها منذ سنوات طويلة.. الى أن جاءت الحرب اللعينة.. وازدادت عمليات (كشف الحال) التي تنوء بها صفحات الصحف.. نحن بهذا.. ايها السادة.. لا نبحث عن مبرر ولا عن مشجب نعلق عليه وصمة غياب النخوة والرجولة، ولكنها مناسبة، وان كانت غير لطيفة، للشد على أيدى الرجال الصامدين في حدود المسؤولية وأداء الواجب..

# قبل أيام قليلة زرت احد اقسام المرور في ام درمان لتجديد رخصة قيادة، تدافع.. تزاحم.. وبطء عجيب في الإجراءات التي غالبا ما تنتهي بحدوتة (الشبكة واقعة).. هذه الفزورة (بتاعت الشبكة) هذي يخرج على إثرها من الخدمة (تطبيق اوكاش) لتسديد مبلغ الفحص الطبي لصالح مستشفى الشرطة ثم يخرج (تطبيق بنكك) عن الخدمة ايضا في محطة (معاملات حكومية) لتسديد رسوم التجديد.. تأملت المشهد طويلا.. وقلتي لنفسي متى يرتاح الشعب السوداني من هذا العناء.. ؟ متلازمات الفقر.. والمرض.. وسوء الخدمات الاساسية.. ما أنفك هذا الشعب من الفواجع.. وليس في الأفق بارقة أمل لقدوم ملهم يحمل مصباح علاء الدين السحري لكي يغير المعالم و(يزبط) الأحوال.. لا ندري هل يلقاها الشعب من الحكومة اللاهية.. ام من الوظيفة ذات الراتب الشحيح.. ام من الصفوف بجامع المعاناة في كلٍ.. يقف المواطنون الكرام في هز التهجير.. مع بقاء بعضهم تحت ظل خيمة تتسلل إليها الشمس.. وهناك الغبار العالق.. ومزاج خط الاستواء الذي يخرج ساخنا عبر مناخير لا تعرف طعم الراحة… وكذلك سحب القنوط التي تتجمع على الرؤوس لتفسد اخلاق الشعب الطيب… وثم تبدو النهاية السعيدة لرواية (تعال بكرة أو بعد بكرة).. مافيش حد مرتاح في ارض السودان.. لا يوجد نموذج خدمي بعينه يمكن لمسه والتأكيد على أن هذه الدولة لديها ما يغري للتمسك بالصبر.

# أعود وابعث بتحية اجلال واعتزاز بسيدي الرجل.. لا تبتئس يا سيدي.. ولا تهن ولا تحزن.. فيك الذي يكفيك ويفيض من الرهق والتعب ولكن أيضا لديك ما يضعك في قائمة الفخار.. والشهامة، والرجولة، والأمانة، والكرم الفياض، وتلك العفة، والسماحة التي تحدث عنها العرب والعجم، مع أشياء عديدة لم تأت عليها الأيام.. لكي تدوس عليها.. دع عنك ما يقال عنك في “ردهات المحاكم” وحوائط الاجترار الضار.. طالما انت غير المعني بالتشريح والتجريح الخاصة بالنفقة واتعاب القضية.. انت الجزء المضيء في الحياة بذلا وعطاء ويكفي أن الذين قدموا حياتهم شهداء في سبيل هذا الوطن من صلبك وتعبك وقد ظللت تستقبل خبر استشهاد ابنك باستبشار الصابرين.. كُتب عنك بكل الخير في دفاتر الحياة وحوائطها المتعبة التي يلونها دفئك وأمانك وذلك الاحتواء الكبير.. احتواء للناس والاشياء، ينشأ ناشيء الفتيان فينا رجلاً.. يعلمه البيت فيحسن تعليمه.. ويهذبه الشارع فيحسن تهذيبه.. وتفعل فيه المدرسة أدباً وخلقاً ومروءةً، كذاك الذي يفعله شيخ الخلوة.. وإمام الجامع.. من كل هذه الضفاف.. ما الذي يمكن أن نرومه يا سيدي غير “الستر” وراحة البال وتربية العيال… ؟! من يحق له أن يتحدث عنا يجب أن يمسك بحساب الجرد.. بدلا من أن يحفر لليأس فينا قبراً..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى