هل صنعت المظالم الحرب أم صنعت الحرب هوامش جديدة ؟

المركز والهامش في السودان ..
بقلم/ محمد فؤاد عيد
لم تكن أزمة السودان يومًا مجرد خلاف عابر حول من يحكم الخرطوم ولا مجرد تنافس بين أحزاب وقيادات عسكرية وسياسية بل كانت في أحد أعمق وجوهها صراعًا طويلًا حول سؤال الدولة نفسها من يملك السلطة ومن يحصل على الثروة ومن يبقى خارج دائرة القرار
ومن هنا خرجت إلى السطح واحدة من أكثر الجدليات حضورًا في الخطاب السياسي السوداني وهي جدلية المركز والهامش التي بدأت بوصفها تفسيرًا لغياب العدالة في توزيع السلطة والتنمية ثم تحولت مع مرور الزمن إلى وقود للحروب وإلى شعار تعبئة سياسية وأحيانًا إلى سلاح جديد لإعادة إنتاج الانقسام
فهل كان الهامش ضحية المركز فعلًا أم أن الصراع الطويل خلق هوامش جديدة داخل الهامش نفسه وهل نجحت الحركات التي رفعت راية المهمشين في إنهاء المظالم أم أنها دخلت بدورها إلى لعبة السلطة وتقاسمت مواقعها من دون أن يتغير واقع المواطنين
دولة تُرى من الخرطوم فقط :
منذ نشأة الدولة السودانية الحديثة تركزت السلطة والإدارة والتعليم والخدمات في الخرطوم وعدد محدود من المدن الكبرى بينما ظلت مناطق واسعة في دارفور وكردفان والشرق والنيل الأزرق وجبال النوبة وأطراف الشمال بعيدة عن مشاريع التنمية الحقيقية
لم يكن التهميش مجرد نقص في الطرق والمستشفيات والمدارس بل كان شعورًا متراكمًا بأن الدولة لا تتذكر الأطراف إلا عند جباية الضرائب أو تجنيد الشباب في الحروب أو البحث عن الموارد والثروات
كانت الأقاليم تنتج الذهب والثروة الحيوانية والمحاصيل وتزخر بالموارد الطبيعية بينما تظل عائدات تلك الموارد بعيدة عن حياة السكان الذين يعيشون فوقها
وهنا بدأت الهوة تتسع بين دولة تستفيد من الأطراف ومواطنين يشعرون أن تلك الدولة لا تمثلهم ولا تحميهم ولا تمنحهم نصيبًا عادلًا من السلطة والثروة
حين تحولت المظلمة إلى بندقية :
عندما فشلت النخب السياسية المتعاقبة في معالجة جذور الأزمة انتقلت مطالب بعض الأقاليم من الاحتجاج السياسي إلى التمرد المسلح فحملت حركات عديدة السلاح تحت شعارات العدالة وإنهاء احتكار السلطة وتوزيع الثروة وإعادة بناء السودان على أسس جديدة وكانت تلك الشعارات تجد صداها وسط المجتمعات التي عانت من الفقر وغياب الخدمات والشعور بالإقصاء لكن حمل السلاح لم يؤد دائمًا إلى إنهاء التهميش بل فتح الباب أمام حروب طويلة دفع ثمنها المواطنون أنفسهم
احترقت القرى وتوقفت الزراعة وانتشرت معسكرات النزوح وتحولت مناطق واسعة إلى ساحات صراع مفتوحة وأصبح المدنيون بين نار القوات الحكومية ونار الحركات المسلحة والميليشيات القبلية
وهكذا تحولت قضية عادلة في أصلها إلى مأساة معقدة وتداخلت المطالب السياسية مع صراعات النفوذ والثروة والقبيلة والتدخلات الخارجية
الهامش ليس كتلة واحدة :
من أكبر أخطاء الخطاب السياسي السوداني أنه تعامل أحيانًا مع المركز والهامش باعتبارهما كتلتين واضحتين لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا
فليس كل من يعيش في الخرطوم جزءًا من مركز السلطة وليس كل من يعيش في الأقاليم مهمشًا بالدرجة نفسها في العاصمة نفسها ملايين الفقراء والنازحين وسكان الأطراف الذين يعيشون بعيدًا عن الخدمات والنفوذ وفي المقابل توجد داخل الأقاليم نخب محلية وقبلية وسياسية امتلكت السلطة والمال واستفادت من الدولة بينما ظل المواطن العادي في القرى والمخيمات خارج الحسابات
بل إن بعض المناطق التي وُصفت بأنها هامش شهدت بدورها تهميشًا داخليًا وصراعات بين القبائل والمجتمعات المحلية وتنافسًا على الأرض والموارد وهذا يعني أن الأزمة ليست مجرد صراع جغرافي بين الخرطوم وبقية البلاد بل هي أزمة نظام حكم كامل يعيد إنتاج الامتيازات أينما وُجد
حين دخل قادة الهامش إلى المركز :
وصلت حركات مسلحة كثيرة إلى طاولة التفاوض ووقعت اتفاقيات سلام وحصل قادتها على مناصب وزارية وسيادية ومواقع داخل الدولة
لكن السؤال الذي ظل يلاحق تلك التجارب هو ماذا تغير في حياة المواطن
هل وصلت المياه إلى القرى
هل بُنيت المدارس والمستشفيات
هل عاد النازحون إلى أراضيهم
هل توقفت الصراعات القبلية
هل تحققت العدالة في توزيع الموارد
في حالات كثيرة انتقل قادة الحركات من الهامش إلى القصر بينما بقي الهامش في مكانه تبدلت الأسماء والوجوه لكن بنية الدولة القديمة ظلت قائمة وأصبح بعض من حملوا السلاح ضد احتكار السلطة جزءًا من السلطة نفسها
وهنا بدأ المواطن يكتشف أن القضية لم تكن دائمًا صراعًا بين المركز والهامش بقدر ما كانت أحيانًا صراعًا بين نخب قديمة ونخب جديدة على مقاعد المركز
الحرب التي وسعت دائرة الهامش :
الحروب المتعاقبة لم تعالج التهميش بل عمقته
فكل حرب كانت تخلق قرى مدمرة ومدنًا معزولة وجيلًا بلا تعليم وأسرًا بلا دخل ومجتمعات تعيش على المساعدات ومع استمرار الصراع اتسعت دائرة التهميش حتى وصلت إلى مناطق كانت تُعد سابقًا جزءًا من المركز
فالخرطوم نفسها التي رُسمت في الخطاب السياسي باعتبارها رمزًا للسلطة والثروة تحولت بفعل الحرب إلى مدينة منكوبة خرج منها الملايين وتدمرت مؤسساتها وتوقفت فيها الخدمات
وهنا ظهرت مفارقة قاسية
المركز الذي اتهم طويلًا بإنتاج الهامش أصبح هو الآخر هامشًا جديدًا
وأصبح السودان بأكمله تقريبًا يعيش على أطراف الدولة لا في قلبها
نتائج سالبة تجاوزت السياسة :
لم تكن تداعيات جدلية المركز والهامش سياسية فقط بل أصابت بنية المجتمع والدولة فقد ساهمت في تعميق الانتماءات الجهوية والقبلية على حساب الهوية الوطنية وأصبح كثير من المواطنين ينظرون إلى الدولة من خلال القبيلة أو الإقليم لا من خلال المواطنة
كما ساعدت هذه الجدلية على انتشار السلاح وظهور الميليشيات وتحول المطالب السياسية إلى قوة عسكرية وأصبحت بعض الجماعات ترى أن الطريق الأقصر إلى السلطة هو البندقية لا الانتخابات أو العمل المدني
ومع كل اتفاق سلام كانت تظهر مطالب جديدة وحركات جديدة وشعور جديد بالظلم
وكأن الدولة السودانية أصبحت مصنعًا دائمًا للهوامش بدل أن تكون إطارًا جامعًا للمواطنين
من المستفيد من استمرار الانقسام ؟ :
استمرار الصراع بين المركز والهامش يخدم النخب التي تبني نفوذها على الخوف والانقسام فنخب المركز تستخدم خطر الحركات المسلحة لتبرير احتكار السلطة ونخب الهامش تستخدم المظالم الحقيقية لتعبئة المجتمعات وحشد المقاتلين
وبين الطرفين يضيع المواطن
المزارع لا يحصل على طريق ينقل محصوله
والطفل لا يجد مدرسة
والمريض لا يجد مستشفى
والنازح لا يجد وطنًا يعود إليه
لكن الخطابات السياسية تستمر والمؤتمرات تتكرر والاتفاقيات توقع ثم تنهار
هل يمكن كسر الحلقة ؟ :
الخروج من هذه الدائرة لا يكون بنقل السلطة من نخبة جهوية إلى أخرى ولا بتوزيع المناصب على أساس المحاصصة وحدها الحل يبدأ ببناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها السودانيون أمام القانون بصرف النظر عن الإقليم أو القبيلة أو اللون أو الانتماء السياسي كما يتطلب توزيعًا عادلًا للموارد وتنمية حقيقية للأقاليم وتمكين الحكومات المحلية من إدارة شؤونها في إطار دولة موحدة
ولا بد من إعادة بناء الجيش ومؤسسات الأمن على أسس وطنية وإنهاء وجود الميليشيات والجيوش الموازية فالعدالة لا تتحقق بتعدد البنادق بل بقوة القانون
كما أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تقوم من دون الاعتراف بالمظالم وجبر الضرر ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم ومنع الإفلات من العقاب
السودان ليس مركزًا وهامشًا :
أخطر ما فعلته هذه الجدلية أنها جعلت السودانيين ينظرون إلى وطنهم بوصفه مناطق متنافسة لا دولة واحدة لكن السودان لن يُبنى بانتصار المركز على الهامش ولا بانتصار الهامش على المركز
بل ببناء دولة لا مركز فيها يحتكر كل شيء ولا هامش فيها يشعر أنه خارج الوطن
إن القضية الحقيقية ليست أين وُلد الحاكم ولا إلى أي قبيلة ينتمي بل كيف يحكم وكيف يوزع الموارد وكيف يحمي الحقوق فقد أثبتت التجربة أن ابن الهامش يمكن أن يمارس التهميش عندما يصل إلى السلطة كما يمكن لابن المركز أن يكون مناضلًا من أجل العدالة
المشكلة إذن ليست في الجغرافيا وحدها بل في طبيعة الدولة وفي طريقة إدارة السلطة والثروة
لذلك أن جدلية المركز والهامش كشفت مظالم حقيقية لا يمكن إنكارها لكنها تحولت بمرور الزمن إلى سلاح ذي حدين فهي منحت المهمشين صوتًا ووضعت قضية العدالة على طاولة النقاش لكنها في الوقت نفسه غذت الانقسامات ووفرت مبررات جديدة للحرب وساعدت على صعود نخب رفعت شعارات الهامش ثم استقرت في قلب المركز
واليوم يقف السودان أمام سؤال مصيري
هل يظل أسيرًا لدائرة المظالم والحروب أم ينجح في بناء دولة يتساوى فيها الجميع ؟
إن إنقاذ السودان لا يبدأ من الخرطوم وحدها ولا من دارفور أو الشرق أو كردفان وحدها
بل يبدأ حين يدرك السودانيون أن الوطن كله أصبح هامشًا وأن معركة المستقبل ليست بين الأقاليم وإنما بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى
وبين دولة المواطنة ودولة القبيلة
وبين وطن يتسع للجميع وخرائط صغيرة تولد من رماد الحرب بدأ كثيرون يعرفون أنفسهم من خلال الإقليم أو القبيلة أو الجهة وأصبحت مفردات مثل “أبناء المركز” و”أبناء الهامش” جزءًا من الخطاب اليومي وكأن الوطن انقسم إلى معسكرين متقابلين.
ولعل أخطر إفرازات هذه الجدلية أنها جعلت الوصول إلى السلطة يبدو في نظر بعض القوى مرتبطًا بحمل السلاح أكثر من ارتباطه بالعمل السياسي السلمي فكلما نجحت حركة مسلحة في انتزاع مكاسب عبر القوة ظهرت مجموعات أخرى ترى أن الطريق نفسه هو الأقصر لتحقيق مطالبها وهكذا تكاثرت الحركات وتعددت الجيوش وضعفت هيبة الدولة.
كما ساهمت هذه الثنائية في ترسيخ سياسة المحاصصة فأصبح الانتماء الجهوي في كثير من الأحيان معيارًا لتوزيع المناصب بدلًا من الكفاءة والخبرة ومع مرور الوقت تحول الصراع من منافسة بين برامج وطنية إلى منافسة بين هويات جغرافية.
أما اقتصاديًا فقد دفعت الحروب والاستقطاب الدولة إلى توجيه جزء كبير من مواردها إلى الإنفاق العسكري والأمني بينما تراجعت مشروعات التنمية في معظم الأقاليم بما فيها تلك التي رفعت شعار مقاومة التهميش. فأصبح الجميع خاسرًا، ولم يعد هناك مركز مزدهر ولا هامش مزدهر، بل وطن يزداد فقرًا وانقسامًا.
والأخطر من ذلك كله أن استمرار هذا الخطاب فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية فكل طرف أصبح يبحث عن داعم إقليمي أو دولي وتحولت الأزمة السودانية من قضية داخلية إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية.
كيف يخرج السودان من هذه الجدلية ؟
لن يكون الخروج من هذه الدائرة بتغيير أسماء الحكام أو استبدال نخبة بأخرى لأن التجربة أثبتت أن ابن الهامش قد يمارس التهميش عندما يصل إلى السلطة كما أن ابن المركز قد يكون من أكثر المدافعين عن العدالة.
المخرج الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن فالدولة يجب ألا تكون ملكًا لإقليم أو قبيلة أو حزب، وإنما مؤسسة وطنية تخدم الجميع على قدم المساواة.
كما يحتاج السودان إلى مشروع تنموي قومي يعيد توزيع الاستثمارات والخدمات وفق احتياجات المواطنين لا وفق نفوذ النخب السياسية فالطريق والمستشفى والمدرسة وشبكات المياه والكهرباء هي التي تقتل الإحساس بالتهميش لا الخطب السياسية ولا الاتفاقيات وحدها.
ولا بد كذلك من ترسيخ نظام حكم يمنح الأقاليم سلطات حقيقية في إدارة شؤونها ضمن دولة موحدة بحيث يشعر المواطن بأن القرار لا يصنع في الخرطوم وحدها ولا يتحول في الوقت نفسه إلى مشروع لتفكيك الدولة.
ومن الضروري أيضًا إعادة بناء مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والأجهزة العدلية والخدمة المدنية لتقوم على المهنية والكفاءة بعيدًا عن الولاءات الجهوية والقبلية.
أما على المستوى الثقافي فإن السودان بحاجة إلى إعادة إنتاج مفهوم الهوية الوطنية بحيث يصبح التنوع مصدر قوة لا سببًا للصراع ويشعر كل سوداني بأن ثقافته ولغته وتراثه جزء من هوية البلاد الجامعة.
خاتمة
لقد أثبتت التجربة أن معركة السودان ليست بين المركز والهامش، وإنما بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الوطنية التي يتساوى فيها الجميع، ومشروع الانقسام الذي يجعل كل إقليم يبحث عن خلاصه منفردًا.
وإذا لم يتحول النقاش من سؤال “من يحكم السودان ؟ إلى سؤال “كيف يُحكم السودان ؟ فإن البلاد ستظل تدور في الحلقة نفسها وسيولد من كل هامش هامش جديد ومن كل مظلمة مظالم أخرى حتى يصبح الوطن كله هامشًا يبحث عن مركز مفقود.



