غلاء المعيشة.. من ما كسبت أيدي الناس

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم
في السودان، لم يعد المواطن يذهب إلى السوق ليشتري حاجاته، وإنما يذهب ليتأكد من أن راتبه قد مات إكلينيكياً، وأن الجنيه الذي كان بالأمس يشتري شيئاً صار اليوم لا يشتري حتى حقه في الدهشة!
السوق عندنا لم يعد سوقاً بالمعنى المعروف؛ صار مسرحاً يومياً للدهشة، كلما دخلته وجدت الأسعار قد سبقتك بخطوة، وكلما سألت عن سلعة قيل لك: «السعر اتغيّر». وكأن الأسعار كائنات حية لها أرجل، تهرب من الرقابة، وتختبئ من التسعيرة، وتخرج كل صباح بثوب جديد.
أما المواطن المسكين، فقد أصبح خبيراً في الاقتصاد من غير شهادة.
يعرف سعر الدولار، وسعر الوقود، وسعر جوال السكر، وسعر كيلو اللحم، وسعر الرغيف، وسعر المواصلات، ويعرف كذلك أن راتبه هو الشيء الوحيد في هذه البلاد الذي لا يتحرك!
آخر الأرقام الرسمية تقول إن التضخم في السودان بلغ 51.28% في يونيو 2026، بعد أن كان 44.50% في مايو. وفي المدن تجاوز 51%.
رقم بارد في الورق، لكنه في البيت نار.
لأن التضخم ليس رقماً في نشرة اقتصادية؛ التضخم هو أم تقول لابنها: «اصبر يا ولدي»، وهي لا تعرف ماذا ستضع في القدر غداً.
هو الأب الذي يخرج إلى السوق بقائمة صغيرة، ثم يعود بنصفها ويشرح لأطفاله أن «الحاجات دي ما ضرورية».
هو الموظف الذي قبض راتبه، فوجد أن الراتب سبقته إليه الأسعار بأيام.
وهو العامل الذي يكدح طوال الشهر، ثم يكتشف أن تعبه لم يعد يشتري له إلا حق التعب!
وهنا نصل إلى الآية التي لا تحتاج إلى محلل اقتصادي ولا خبير دولي:
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾.
وما أكثر ما كسبت أيدينا!
كسبنا ضعف الإنتاج، وكسبنا الاحتكار، وكسبنا السمسرة، وكسبنا الجبايات، وكسبنا اقتصاداً يستهلك أكثر مما ينتج، وكسبنا تجار أزمات يعرفون طريق السوق أكثر مما يعرف المواطن طريق الخبز.
ثم نغضب من الغلاء!
الحرب مسؤولة، نعم.
وانهيار العملة مسؤول، نعم.
وتكاليف النقل والاستيراد والإنتاج مسؤولة، نعم.
لكن هناك غلاء آخر لا علاقة له بكل ذلك.
غلاء «طالما الناس بتشتري نزيد».
غلاء «الجماعة كلهم رفعوا».
غلاء «بكرة السعر حيكون أعلى».
غلاء التاجر الذي يشتري اليوم بسعر، ويبيع غداً بسعر أعلى، ثم إذا سألته عن السبب قال لك بكل برود اقتصادي: «السوق كده»!
أي سوق هذا الذي صار فيه «السوق كده» شهادة براءة؟
ومن أعطى بعض الناس حق تحويل الأزمة إلى ماكينة طباعة أموال؟
المواطن لا يعترض على ربح التاجر، فالربح سنة السوق، ولا يريد أن يعمل التاجر جمعية خيرية. لكنه يريد فقط أن يعرف: أين ينتهي الربح المشروع ويبدأ أكل أموال الناس بالباطل؟
نحن لا نريد تاجرًا يخسر.
ولا نريد مواطناً يموت من الغلاء.
نريد سوقاً له قانون، وتاجرًا له ضمير، ودولةً لها عين مفتوحة.
فالسوق الذي لا تضبطه الدولة تضبطه الفوضى، والسوق الذي تضبطه الفوضى يصبح المواطن فيه فريسة سهلة؛ لا يملك إلا أن يدفع، ثم يدفع، ثم يدفع.
والعجيب أن بعض الناس يريدون من المواطن أن يكون وطنياً في كل شيء، حتى في شراء السلع!
اصبر على الغلاء.
اصبر على انقطاع الكهرباء.
اصبر على المواصلات.
اصبر على ضعف الخدمات.
اصبر على تآكل الراتب.
اصبر على كل شيء.
لكن إلى متى؟
الصبر ليس شيكاً على بياض.
والدولة التي تطلب من المواطن أن يصبر عليها، مطالبة كذلك بأن تصبر على المواطن، فتسمع شكواه، وتحمي قوته، وتضبط الأسواق، وتفتح الطرق، وتخفض كلفة الإنتاج، وتعيد عجلة الزراعة والصناعة إلى الدوران.
فالسودان لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية.
يحتاج إلى أن ينتج.
أرضنا موجودة.
ومياهنا موجودة.
وشمسنا موجودة.
وأيدينا موجودة.
وعقولنا موجودة.
لكننا منذ سنوات طويلة نتعامل مع الإنتاج كأنه ضيف موسمي، بينما نعامل الاستيراد كأنه رب البيت!
ثم نسأل: لماذا ارتفعت الأسعار؟
كيف لا ترتفع والأساس نفسه مقلوب؟
كيف تريد سلعة رخيصة من اقتصاد لا ينتج ما يكفيه؟
كيف تريد جنيهاً قوياً من بلد يستورد كثيراً وينتج قليلاً؟
وكيف تريد سوقاً رحيماً إذا تركت فيه المحتكر والمضارب والسمسار يتسابقون على جيب المواطن؟
إن أخطر ما في الغلاء ليس أن ترتفع الأسعار، بل أن يتعود الناس عليها.
أن يصبح سعر الأمس هو «الرخيص»، وسعر اليوم هو «العادي»، وسعر الغد هو «ربنا يستر».
عندها لا يعود الغلاء أزمة اقتصادية فقط، بل يتحول إلى أسلوب حياة.
وهذه هي الكارثة.
فالبلد الذي يعتاد مواطنه على الفقر، يصبح من السهل أن يعتاد على كل شيء.
وهنا لا بد من كلمة لا تعجب البعض:
ليس كل ما يحدث لنا سببه الآخرون.. نعم، هناك حرب.. ونعم، هناك مؤامرات.. ونعم، هناك أزمات حقيقية.. لكن القرآن لم يقل إن كل مصائبنا من الآخرين.. قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.. واليد التي ترفع السعر بلا سبب، مسؤولة.. واليد التي تحتكر السلعة، مسؤولة.. واليد التي تتلاعب بالسوق، مسؤولة.. واليد التي تترك الإنتاج يموت، مسؤولة.. واليد التي تأكل حق المواطن باسم الأزمة، مسؤولة.. واليد التي تستطيع أن تصلح ولا تفعل، مسؤولة.. لذلك فإن معركة غلاء المعيشة ليست معركة وزارة واحدة.
إنها معركة دولة ومجتمع. معركة إنتاج قبل أن تكون معركة أسعار. ومعركة ضمير قبل أن تكون معركة رقابة. ومعركة سيادة قبل أن تكون معركة اقتصاد.. فالسيادة ليست علماً يرفرف فوق مبنى حكومي، ولا نشيداً نردده في المناسبات.
السيادة أن يستطيع المواطن أن يطعم أسرته من عرق جبينه.
والسيادة أن يكون الراتب راتباً، لا ورقة اعتذار.
والسيادة أن يدخل المواطن السوق وهو يعرف أن القانون يقف إلى جانبه، لا أن يدخلها كمن يدخل حلبة مصارعة، ويخرج منها خفيف الجيب، ثقيل القلب.
أما «من ما كسبت أيدي الناس» فليست جملة للتخويف، بل مرآة.
وإذا أردنا أن تنخفض الأسعار، فعلينا أن ننظر في المرآة قبل أن نبحث عن شماعة.
هوامش السيادة:
الدولة التي لا تحمي خبز مواطنها، لا يكفيها أن تحرس حدودها.
فأخطر حدود الوطن… جيب المواطن. وإذا انهار هذا الجيب، لا تسألوا فقط: من رفع الأسعار؟ اسألوا أولاً: من ترك الناس حتى صار أكل قوتهم تجارة؟



